بانكسي: احتجاج صامت بصوت عالٍ

'صوت الجدران' يعد ظاهرة فنية غامضة تستعمل الغرافيتي كسلاح بصري لانتقاد الحروب والرأسمالية والسلطوية، محوّلًا الجدران إلى منصات احتجاج شعبية. ورغم الجدل حول هويته، نجح في جعل فن الشارع قوة ثقافية عالمية تستفز النقاش وتعيد تعريف وظيفة الفن في المجتمع.

في عالم الفن المعاصر، يبرز اسم بانكسي كظاهرة فنية غامضة، ولكن بصوت عالٍ، حيث تترك أعماله التي يرسمها على الجدران بشكل مفاجئ ضجة فنية وصدى واسع في الأوساط السياسية والاجتماعية. استطاع بانكسي تحويل الجدران إلى منصات احتجاج ضد الكثير من السياسات الدولية والظواهر الاجتماعية التي تجتاح المجتمعات. المفارقة أن بانكسي لا يتحدث إلى الأعلام والجمهور، فهو لا زال مجهول الهوية باستثناء معرفتنا كونه بريطاني الجنسية، ولكنه ما أن يظهر له عمل فني على أحد الجدران أو الأبنية حتى يترك خلفه جدلًا واسعًا في الأوساط الفنية والسياسية والاجتماعية.

بانكسي: الفنان المعروف، المجهول

بانكسي هو اسم مستعار لفنان غرافتي وناشط سياسي ومخرج أفلام. يعتبر أحد أكثر الفنانين غموضًا في العالم المعاصر، حيث لم يتم الكشف عن هويته الحقيقية بشكل مؤكد على الرغم من التكهنات العديدة، لكن أغلب التكهنات شبه المؤكدة هي حول جنسيته البريطانية، ويعتقد أنه من مدينة "بريستول"، وبدأ نشاطه الفني في أواخر التسعينات. يحرص بانكسي على استمرار الغموض حول هويته، مما يؤدي إلى صناعة هالة كبيرة حول أعماله، وبالتالي نجح في توظيف هذه الميزة في جعل الجمهور والصحافة والإعلام في حالة بحث واستفهام متواصل حول رسالة الفنان.

وزيادة في ذلك الغموض، عمد الفنان إلى تنفيذ أعماله في الليل بعيدًا عن الأنظار وفي أماكن عامة تكتظ بالناس نهارًا، وهذا ما جعل الجمهور والإعلام يركز على مضمونه الفني ويترقب ظهور أعماله، ويقرأ ويناقش ما تتداوله وسائل الإعلام والمنصات عن تجربته الفنية.

أسلوبه وأعماله

يُعرف بانكسي بأسلوب الستنسل، الذي يسمح له بتنفيذ أعماله بسرعة ودقة عالية، مما يقلل من فرص القبض عليه. ويعد هذا الأسلوب ملائمًا جدًا لأعمال الكرافيتي، حيث لا يتطلب العمل وقتًا طويلًا وتجهيز أرضية بطبقات لونية كما يحدث لدى باقي الفنانين الذين يشتغلون وفق منظور وإخراج فني لتأسيس العمل قبل الشروع في الموضوع الرئيسي كما يحدث في اللوحات التي تُرسم على القماش.

ويتناول بانكسي في أعماله النقد السياسي والاجتماعي، إذ يهاجم الرأسمالية والاستهلاكية والقمع الحكومي والحروب، فهو يسخر من المؤسسات السياسية والسلطوية. في إحدى لوحاته يعبّر عن المواجهات التي تحدث أثناء الاحتجاجات، فيرسم شابًا يرتدي ماسكًا حول أنفه وفمه، وبدل أن يرمي حجارة أو شيئًا آخر رسمه وهو يرمي باقة من الأزهار.

وتعد رسمة "الفتاة ذات البالون" من أشهر أعماله الفنية، حيث رسم فتاة صغيرة تمد يدها نحو بالون على شكل قلب أحمر. وقد عُرض هذا العمل في إحدى المزادات وبعد إتمام بيعه، وأثناء وجود عدد من المهتمين بالفن والجمهور، تم تدمير العمل ذاتيًا عبر آلة تم تثبيتها في اللوحة دون أن تُكتشف، ليسخر بذلك من سوق الفن والمتاجرة فيه على حساب القيم الحقيقية التي وجد الفن من أجلها. وأعاد تسميتها بعد ذلك إلى "حب في حاوية القمامة". ومن أعماله المهمة أيضًا عمل "فندق الجدار والسلام" في بيت لحم، حيث أنشأ غرفة قرب الجدار مستنكرًا بناء جدار للفصل العنصري.

الفن مكانه بين الجماهير وليس معلّقًا على جدران المتاحف

يعتمد بانكسي رؤية مغايرة لما هو سائد في المجتمع الفني، حيث يرى أن الفن يجب أن يكون متاحًا للجميع، لأنه وُجد ليعبر عن الجماهير ومشاكلهم. فهو يعتبر الفن أداة احتجاج بصري مؤثر، ولذلك اختار الجدران وباحات الأبنية والشوارع والأماكن العامة التي تكتظ بالناس كي يحصل العمل على فرصة المشاهدة لأكبر عدد من الناس ويأخذ صداه الواسع في التفاعل والنقاش حول الموضوع أو الفكرة المثارة.

قد يختلف تقييم تجربة بانكسي بين النقاد من حيث الموهبة الفنية وأدواته وعناصر تكوينها، حيث لا يتيح العمل الكرافيتي بسبب طبيعة أدواته فرصة جيدة للنقاد والباحثين لتقييم أدوات الفنان وعناصر تجربته الفنية، كونها تقتصر على عناصر ثابتة ومحددة بسبب استخدام الجدران ساحة عرض لأعمالهم الفنية، حيث لا يعطي الجدار المساحة الكافية للفنان لإظهار قدراته الفنية في بناء العمل كما يحدث عند استخدام القماش وإطار اللوحة التقليدية، حيث تتاح للفنان القدرة على البناء الفني للكتل اللونية وإخراج العمل بما يناسب طبيعة الموضوع.

ومع ذلك، فإن تجربة بانكسي تعد مؤثرة في الوسط الفني والشعبي، فقد حوّل بانكسي فن الشارع من فعل تخريبي غير قانوني إلى فعل جمالي وشعبي متاح للمشاهدة من قبل جميع شرائح المجتمع، وتحول إلى ظاهرة ثقافية تجذب السياح. نستطيع القول إن بانكسي ظاهرة فنية واجتماعية تستخدم الغموض والسخرية لطرح قضايا سياسية واجتماعية، وتثير أسئلة حول قضايا المجتمع والإنسان.