'بنات 6 أبريل' تسرد التشظي والعجز كتجربة حياتية يومية

رواية الكاتب المصري أحمد محمد عبده تقف عند ثورة يناير 2011، مسلطة الضوء على أسبابها وأسباب عدم نجاحها، بأحداث تعتمد على جماليات التشتت والتفكك.


الرواية تعتمد على راو عليم طاغي الحضور


الأدب المصري تناول أحداث يناير في الكثير من الروايات

القاهرة - من أحمد رجب
شكلت ثورة يناير 2011 في مصر منعطفا سياسيا فقد  أحدثت بما صاحبها من تغيرات سريعة رفعت من سقف الحلم من ناحية، ثم الاحباطات والخيبات المتلاحقة التي تلتها من ناحية أخرى ردود أفعال كبيرة على كافة مستويات الواقع والإبداع فدفعت الكثيرين للكتابة عنها والبحث في أسبابها.
 كما دفعت الكثيرين أيضا إلى تغيير وجهة نظرهم للمجتمع وواقعه، وبالتالي تغيرت طريقة تناولهم له وطريقة كتابتهم، وقد تنوعت وتوزعت الآراء حول الثورة خاصة بعد انحسار مدها بفعل نجاح الثورة المضادة، فإذا كان البعض قد انحاز لها وأيدها بشكل مطلق، فإن البعض الآخر قد رفضها أو تشكك في دوافعها، زاعما بأنها كانت محض مؤامرة كونية أتت في إطار الفوضى الخلاقة، وبين هذا وذاك فريق ثالث يفضل الوقوف في المنطقة الرمادية.
ومنذ قيام الثورة والأعمال الأدبية التي تتناولها تتوالي وتتواتر، ومنها رواية "بنات 6 إبريل"،  الصادرة بالقاهرة 2019، عن مؤسسة أروقة للدراسات والنشر، وهي الرواية الرابعة لكاتبها أحمد محمد عبده وله أيضا عشرة كتب غير روائية، منها "ثورة يناير والبحث عن طريق"، وتبدو رواية "بنات 6 إبريل" وكأنها طرح بشكل ادبي لمحتواه.
حكاية السلحفاة
تبدأ الرواية بتتر البرنامج الإذاعي أبلة فضيلة، حيث تحكي صاحبة برنامج الأطفال الشهير "غنوة وحدوتة" حكاية السلحفاة التي تعيش ثلاثمائة سنة، تتوزع الحكاية وتتشظى، تصير مفتتحا لأغلب فصول الرواية في موازاة رمزية للحكاية الأصلية عن الثورة المغدورة، وفي إسقاط واضح على وضع أنظمة الحكم العربية المؤبدة، فالملك الذي أهدى له صديقه سلحفاة في عيد ميلاده المائة، قضى في حكم بلاده سبعين عامًا.
 تصل مع ختام الرواية والحدوتة إلى قرن من الزمان، ويومها  دخل عليه أولاده، "قالوا له نريد أن نغير الكرسي والحفَّاضة ياجلالة الملك، فهما لم يتغيرا منذ زمن طويل، الكرسي ينخر فيه السوس، والحفاضة يتناثر منها الدود".
يرفض الملك تغيير الكرسي، ويرفع عصاه في وجههم، وبحسب فقرة ختام الرواية "وإذ بخمس سلاحف صغيرة؛ تقسيمات صدفاتها الرقيقة تشع منها ألوانا فوسفورية مُتلألئة، فُوجئ بها الملك تدخل عليه في مجلسه، يرتبك فتسقط عصاه من بين يديه، راحت الزهرات الخمسة، تبحث عن الحفيد الوحيد الذي لم يمت حتى الآن".

رواية 'بنات 6 أبريل'
رؤية جديدة للتمزق

هنا لابد أن يتوقف القارىء عند دلالة الزهرات الخمس، خاصة الفصل الأخير تحدث عن خمس زهرات وُلدن في يوم اندلاع الشرارة من المحلة في 6 أبريل 2008، وهل هن بنات 6 إبريل اللواتي أشار إليهن العنوان أم كان يقصد بنات الحركة المعروفة المشاركات في الثورة ضد الملك، أم أنه يقصدهما معا في إشارة إلى أن الثورة ستتواصل ضد حكم الحفيد وسلاحفه.
آباء البنات
ماهينارالهباش، ونسرين الكاشف، وزينب النحيف، ومعهن نيفين بطرس، أربع بنات انتمين لحركة 6 إبريل يتم القاء القبض عليهن إثر مشاركتهن في مظاهرة، وتكون تلك الواقعة سببا في صداقة الآباء، تقول الرواية: "قبل الأزمة التي جمعتهم؛ كان لكل منهم مطبخه الذي يشم فيه رائحة طعامه،  لكل منهم ملعقة من معدن تناسب فمه، حتى أنك لتقول متعجبًا: سبحان من جمع التوك توك مع الجيب جراند شروكي والسوزوكي في صالة واحدة"، فهم ينتمون لثلاثة أطياف مختلفة، اللواء السابق حسن الكاشف، والبرلماني السابق أيضا أمين الهباش، وثالثهم شاكر النحيف الآن صاحب كشك، وكان مدرسا سابقا للفلسفة.
الآباء الثلاثة؛ جاء تعارفهم من  تداعيات يوم المظاهرة، في أيام المجاعات الكل يخطف اللقمة من أيدي الكل، لكن في ظروف التهجير نجد الجميع يركبون مركبًا واحدًا، وفي لحظات الزلزال الجميع ينزلون على سلم واحد. 
راحوا يجتمعون بصفة شبه منتظمة في كُشك شاكر النحيف، وفي التوقيت نفسه تقريبًا، توقيت برنامج غنوة وحدوتة. جمعت الحركة بين بناتهم، كما جمعت بينهم صفة سابق، ربما لتلك الصفة دلالة في انتمائهم للماضي وهو ما انعكس على عدم مشاركتهم في الثورة المطالبة بمستقبل أفضل، فقد آثروا مراقبة ما يحدث عن بعد، مع الحرص على التعليق على الأحداث وتحليلها عبر حوارات طويلة توقف تدفق السرد وتبطىء زمنه المتشظي، والمتردد بين ماضي وحاضر ومستقبل، فقد يرتد إلى ما قبل تأسيس الحركة ثم يتوقف كثيرا عند أحداث الثورة قبل أن يقفز إلى مذابح الثوار من موقعة الجمل وحتى ستاد بورسعيد، ثم يرتد ثانية إلى ماقبل الثورة ليعود إلى اعتصام رابعة مرورا بالصفقة بين الإخوان والمجلس العسكري، ونتائج الاستفتاء المعروف بغزوة الصناديق وهكذا.

استخدمت الروایة أكثر من تقنیة فنیة، منها "الفلاش باك" والمونولوج الداخلي كما استخدمت تقنية الشهادات لبعض الأصوات المؤثرة في الرواية، بما يتفق مع أدوارهم فيها، والتناص مع ما يناسب المواقف الدرامية،

ولا تخفى على القارىء عدة أمور ذات دلالة، منها دلالات أسماء الآباء على موقع كل منهم في النظام السابق فاللواء كاشف بحكم أن موقعه يتيح له الحصول على معلومات عبر ما يرفع إليه من تقارير، والبرلماني هباش أي فاسد، بينما مدرس الفلسفة الذي هجر المدرسة ليفتتح كشكا، فهو فقير لا يجد ما يسد جوعه لذا فاسمه النحيف، وتباين المواقع هذا يؤدي إلى تباين المواقف من الثورة، فلا يؤيدها إلا النحيف، ومن الدلالات أيضا عدم اتساع دائرة الصداقة الناشئة بين الآباء لتشمل والد نيفين بطرس رابعة الناشطات، وهو ما يشير من طرف خفي إلى ماض طائفي قامت الثورة ضده.
تقف رواية "بنات 6 إبريل" عند ثورة يناير، مسلطة الضوء على أسبابها وأسباب عدم نجاحها، ويصوغ الكاتب أحداثها معتمدا على جماليات التشظي والتفكك، فمشاهدها المتناثرة، لا تجري وفق زمن خطي يمتد إلى الأمام، بل يتقطع فيتقدم إلى الأمام أو يرتد إلى الخلف، وقد يوقفه حوار طويل بين الآباء الثلاثة، والأحداث كلها رغم ارتباطها بالثورة إلا أنها مفككة غير مترابطة وتنتفي منها علاقات السببية، لتحل محلها جماليات التجاور والتزامن والتوازي، وقد استخدمت الروایة أكثر من تقنیة فنیة، منها "الفلاش باك" والمونولوج الداخلي كما استخدمت تقنية الشهادات لبعض الأصوات المؤثرة في الرواية، بما يتفق مع أدوارهم فيها، والتناص مع ما يناسب المواقف الدرامية، ببعض ما جاء في كتاب "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، على لسان شاكر النحيف المدرس السابق للفلسفة.
كما اعتمدت الرواية على راو عليم طاغي الحضور، حتى حينما يتنازل عن سلطته لأحد الأصوات تحت مسمى "شهادة"، تجىء الشهادات تحليلات، أو اعترافات تؤكد مزاعم الراوي العليم، والكل يبدو كصدى لصوت الراوي العليم المؤمن بنظرية المؤامرة، والرافض للثوار ولمبارك وتصبح الشهادات سواء كانت لبائعة الشاي بالميدان أو لناشطات الحركة مجرد أصداء لصوته، الذي يسعى للإيهام بالواقعية فيشير إلى أسماء لشخصيات حقيقية مثل جاريد كوهين هو مدير الأفكار بشركة جوجل، ويقول إعلام الثورة المضادة أنه القائد الحقيقي لما حدث في يناير، ومثل إيان هيرسي عليّ، الناشطة الهولندية من أصل صومالي، التي تزعمت مجموعة من البنات، صنعن حركة شبيهة بحركة 6 أبريل.
وهكذا تكشف الرواية من خلال بنيتها السردية المتشظية عن العلاقات الخفية بين الظواهر التي قد تبدو متآلفة أو متنافرة، فتتيح للقارىء رؤية جديدة لواقعه المفعم بالعجز والخواء والتشظي كتجربة يومية تؤكد تمزق الفرد وتشتت المجتمع .(وكالة الصحافة العربية)