بوليساريو في مواجهة الواقعية المغربية: مشروع فارغ أمام رؤية دولة
في خضمّ الاستعدادات الجارية داخل مجلس الأمن لتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، أقدمت جبهة البوليساريو على توجيه رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة تتضمن ما سمّته "مقترحًا موسّعًا من أجل حلّ سياسي مقبول من الطرفين ".
لكنّ هذا الإعلان، الذي حاولت الجبهة تقديمه كبادرة حسن نية، لا يعكس في الواقع إلا محاولة يائسة لإنعاش خطابٍ سياسي فقد مصداقيته، في وقت أصبح فيه المقترح المغربي للحكم الذاتي الإطار الوحيد الجاد والواقعي للحلّ.
خطاب قديم بلغة جديدة
من القراءة الأولى للبيان، يتّضح أن الجبهة لم تغيّر شيئًا في جوهر مواقفها؛ فهي تكرّر المفاهيم ذاتها التي تجاوزها الزمن: "الاستفتاء"، و"تقرير المصير"، و"الشعب الصحراوي" في وقت أكدت فيه قرارات مجلس الأمن المتعاقبة منذ عام 2004 استحالة تنظيم أي استفتاء عملي، وضرورة البحث عن حلّ سياسي واقعي وتوافقي.
إن الحديث عن “مقترح موسّع” لا يخفي فراغ المضمون، إذ لا يتضمّن البيان أي تصوّر مؤسساتي، أو مقاربة تنفيذية، أو حتى خطوطًا عامة لنظام حكم أو آليات تدبير ذاتي. فهو، في جوهره، مقترح لغوي أكثر منه سياسي، هدفه الأول إيهام الرأي العام الدولي بأن الجبهة لا تزال تملك شيئًا لتقدّمه.
مناورة سياسية في توقيت حرج
اختارت البوليساريو توقيتًا محسوبًا بدقة لإطلاق بيانها: عشية النقاش حول تمديد ولاية المينورسو. فبعد أن أصبح الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية أمرًا راسخًا، تحاول الجبهة من خلال هذا “المقترح” أن تعيد إدراج نفسها ضمن معادلة النقاش الأممي كي لا تُهمَّش كليًا.
غير أن مضمون البيان يكشف عن موقع دفاعي أكثر منه هجومي، فبينما يواصل المغرب تحقيق اختراقات دبلوماسية في أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، تجد الجبهة نفسها اليوم في عزلة متزايدة بعدما فقدت الكثير من داعميها التاريخيين، وحتى الجزائر، التي تحتضنها وتموّلها، تواجه صعوبات داخلية تجعل من الصعب عليها تحمّل عبء هذا الملف بالحماس ذاته الذي كانت تبديه سابقًا.
"مرونة لغوية" تخفي جمودًا سياسيًا
يحاول البيان أن يقدّم الجبهة في صورة فاعل “مرن” و“منفتح”، من خلال عبارات مثل “الاستعداد لتقاسم فاتورة السلام” أو “التفاوض دون شروط مسبقة”.
لكن هذه اللغة التصالحية تصطدم بالواقع، إذ لا تزال الجبهة ترفض المشاركة في الموائد المستديرة التي دعا إليها المبعوث الشخصي للأمين العام، ولا تزال تتشبّث بموقف أحادي لا يقبل النقاش.
إنها مرونة شكلية لا أكثر، الغاية منها كسب تعاطف دبلوماسي مرحلي أمام تراجع موقع الجبهة في المشهد الدولي.
في المقابل: مقترح مغربي مؤسساتي وواقعي
على الضفة الأخرى، يبرز المقترح المغربي للحكم الذاتي كخيار ناضج ومتكامل أثبت، مع مرور الوقت، جديته ومصداقيته وواقعيته، كما جاء في توصيفات متكررة لمجلس الأمن ولعدد من الدول الكبرى، من الولايات المتحدة وفرنسا إلى إسبانيا وألمانيا.
فهو مشروع يقدّم إطارًا واضحًا للحكم الذاتي، مع ضمانات دستورية وديمقراطية، واحترام لخصوصية المنطقة وثقافتها، وتوزيع عقلاني للصلاحيات بين المركز والجهة.
هذا هو الفرق الجوهري: بينما يقدّم المغرب رؤية مؤسساتية قابلة للتنفيذ، تكتفي البوليساريو بخطاب إنشائي يفتقر إلى أي مضمون عملي.
من “فاتورة السلام” إلى “فاتورة العزلة”
حين تتحدث الجبهة عن استعدادها لتقاسم “فاتورة السلام”، فهي تعترف ضمنيًا بأنها تدفع اليوم “فاتورة العزلة السياسية”.
فالعواصم التي كانت تؤيد أطروحتها في الماضي باتت ترى في الحكم الذاتي المغربي الحلّ الوحيد القابل للتطبيق، ليس فقط من منطلق دعم المغرب، بل أيضًا من منطلق البحث عن استقرار إقليمي شامل في منطقة الساحل والصحراء.
حتى داخل الاتحاد الإفريقي، تراجع الحماس للكيان الوهمي، وأصبح الموقف الإفريقي أكثر انسجامًا مع الأمم المتحدة، ما أفقد الجبهة إحدى أوراقها الرمزية الأخيرة.
الواقع يتكلم: المغرب يصنع الحل على الأرض
بينما تنشغل البوليساريو بإرسال الرسائل والبيانات، يواصل المغرب ترجمة رؤيته إلى إنجازات ملموسة:
تنمية اقتصادية متسارعة في الأقاليم الجنوبية، ومشاريع بنية تحتية كبرى، وفتح عشرات القنصليات الأجنبية في العيون والداخلة، وتثبيت تدريجي لاندماج المنطقة في محيطها الإفريقي والمتوسطي.
لقد تجاوز المغرب مرحلة الدفاع عن مقترحه، وانتقل إلى مرحلة تطبيقه الواقعي، في حين ما تزال الجبهة أسيرة خطابات الماضي.
بين واقعٍ يتحرك وخطابٍ يتلاشى
البيان الأخير لجبهة البوليساريو لا يعبّر عن انفتاح، بل عن ارتباك سياسي ومأزق وجودي.
فمن جهة، تحاول أن تبدو طرفًا متعاونًا مع الأمم المتحدة، ومن جهة أخرى تظلّ أسيرة مقاربة متصلّبة فقدت كل صلة بالواقع.
في المقابل، يواصل المغرب ترسيخ مكانته كفاعل مسؤول يملك مشروعًا سياسيًا واضحًا ومصداقية دولية راسخة.
إن المقارنة بين “المقترح الموسّع” للبوليساريو والمبادرة المغربية للحكم الذاتي ليست مقارنة بين فكرتين، بل بين واقعين:
واقع الجمود في مخيمات تندوف، وواقع التنمية والاستقرار في العيون والداخلة.
وبين الماضي الذي يحتضر في بيانات الجبهة، والمستقبل الذي يبنيه المغرب على الأرض، يتضح لمن يملك الرؤية أن مسار الحل أصبح واضح الاتجاه.