تجربة في الحجر الصحي

الموت بالجملة، الموت بلا معنى، بلا جدوى أن تصير رقما مجردا، رقما يضاف إلى الآلاف، إلى الملايين من الضحايا.


الأوبئة ترجع الإنسان إلى صورته الأولى إلى كائن أناني يحب ذاته ويرجو لها الخلاص ولا يبالي


أول شيء ضربه هذا الفيروس قيمنا وتقديراتنا

الوباء، الطاعون، الجائحة من كان يظن أنه سيعيش التجربة في هذا العصر؟ كنا نعتقد أن زمن الأوبئة قد ولّى تماما كما كنا صغارا نعبث أمام المقابر والجنائز نعتقد أن الموت لا يصيب الصغار بل الكبار فقط نقرأ عن الوباء سطورا في كتب التاريخ ونراه صورا باهتة شاحبة بالأبيض والأسود لنساء عاريات الصدور مستلقيات نحيفات ضعيفات، غار فيهن الحسن ورسم الموت صورته الرهيبة على تلك الملامح أو صبية صغار يرفعون أعينهم إلى السماء كأنهم يحتجون، كأنهم يسترحمون السماء وقد عجز الآباء عن فعل أي شيء.  
نرثي لحالهم ونتعاطف مع مصيرهم التراجيدي الذي جعلهم يعيشون في عصور لم يكتشف فيها اللقاح ونفرح لأننا أبناء القرن الواحد والعشرين حيث هزم العلم كل أشكال الفيروسات والميكروبات وسل سيف الفناء على كافة أشكال الطواعين والأوبئة. 
الموت بالجملة، الموت بلا معنى، بلا جدوى أن تصير رقما مجردا، رقما يضاف إلى الآلاف، إلى الملايين من الضحايا أو أن تقبر مع المجموع في حفرة خوفا من العدوى، أن تصير أنت مصدر رعب وأذى للآخرين. كثيرة هي الصور التي يحتفظ بها الأرشيف عن أوبئة سابقة وضحايا بلا عد ولا حساب، وكثيرة هي اللوحات التي خلّد فيها الرسامون معاناة البشرية.
في قصيدة الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة "الكوليرا" نقف على هول الفاجعة ومرارة الأسى أمام فاجعة الموت والقدر الذي يجتث في غير رحمة بسمة الصغير في مهده والكبير في حقله والمرأة في خدرها:

كيف تتهاوى الإمبراطوريات الصناعية والسياسية والثقافية والاجتماعية أمام فيروس لا يمكن حتى رؤيته بالمجهر؟ وكيف يضع هذا الفيروس الإنسانية أمام امتحان عسير؟ 

سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
فلا فرق أن يكون الوباء هو الكوليرا أو الطاعون الجارف أو الموت الأسود أو فيروس كورونا مادامت الأحزان تتشابه والآهات تتماهى من لدن القرون المتعاقبة  والقافية واحدة :الموت الموت الموت.
درج الشعراء والبلغاء على تشبيه الموت بالحاصد، بالمنجل، ها هو السياب يعبر أبلغ تعبير عن تجربة الموت بالمجموع:
فنحن لا نلم بالردى من القبور
فأوجه العجائز
أفصح في الحديث عن مناجل العصور
من القبور فيه والجنائز
وحين تقفز البيوت من بناتها
وساكنيها من أغانيها ومن شكاتها
نحس كيف يسحق الزمان إذ يدور
 ولا أدل على هذا التشبيه من تجربة الموت الجماعي في الأوبئة والطواعين وفي المجازر البشرية، ومن زمان والفلاسفة والكتاب يحاولون تبرير غضب الطبيعة أو فهم كنهه ما لجدوى. لم تقسُ الطبيعة هكذا هل لهذا من معنى؟ إن كان هذا لتأديب البشر وتربيتهم ومعاقبتهم على جشعهم وماديتهم وطغيانهم فهم لم يتعظوا أبدا سيعودون إلى آثامهم وجرائرهم، وكأن شيئا لم يكن تطمر الجثث ويعود السامر إلى دنه والغادة إلى عبثها والحاكم إلى جبروته والمرابي إلى خبثه !
الأوبئة ترجع الإنسان إلى صورته الأولى إلى كائن أناني يحب ذاته ويرجو لها الخلاص ولا يبالي، كائن سطحي يبحث عن أي قشة يلوذ بها، يؤمن بالخرافة أو يصدق الإشاعة مادام ذلك كله يبعث فيه أملا بالخلاص ولو كان أملا واهيا وحلما ذاويا.
أول شيء ضربه هذا الفيروس قيمنا وتقديراتنا لقد كنا نقدر- فوق الواجب والمتوسط - السياسيين الذين يبرعون في الاحتيال والذين لا يكبر ثراؤهم إلا من التهرب الضريبي ونهب المال العام سواء على المستوى المحلي أو الدولي والرياضيين الذين يجنون ثروات قارونية ومغنيي الملاهي الذين ينشرون الرذيلة. إنهم صدى فاجع في الصميم لمآسي الرأسمالية وجشعها وتحريفها للذوق والمثال والقدوة صرنا نبحث عن طبيب ونلهج بذكره وعن ممرض فهو الخلاص، وقد رأينا الممرضين في أرقى الدول يرمون بالمآزر حين عزت عليهم الأدوات الطبية، ورأينا الأنظمة الغربية تحتال بالمنح والمكافآت للإمساك بهم أليست نكبة في الأخلاق والقيم صنعتها الرأسمالية أوليست هذه الرأسمالية المتوحشة - مبدعة الرق والاستعمار والسرقة- أخطر من فيروس كورونا حين جعلت من العالم مجرد مسرح للرذيلة والظلم والفحش والتزييف؟
الحجر تجربة يجبر الناس على عيشها حفظا لأنفسهم وللصحة العامة إنها تعني عجز العلم في الوقت الراهن عن إيجاد دواء فلا سبيل أمام المرء سوى الغياب، الاحتجاب، التواري تتشابه الأيام في الحجر حتى نهاية الأسبوع التي تتميز بطابعها الديني تختفي فيها الشعائر المقدسة وتغدو الجمعة مثل السبت والأحد مثل الاثنين، فلا يكاد المرء يفرق بين يوم وآخر، ويرهن المرء نفسه للقنوات يتابع الأخبار ولا شيء فيها غير أخبار الوباء وعدد ضحاياه وخريطة انتشاره، ويحس أن رأسه قد حشي بالأخبار أكثر مما يجب وأن عينيه قد تسطحتا من فرط متابعة الأخبار والبرامج التي لا يتابعها إلا لقتل الوقت. في كل يوم يسمع عن ضحايا جدد ربما هناك من يعرفهم أو من هم من قراباته حتى طقوس الموت في هذا الوباء رهيبة لا يكفي المصاب بكورونا أن يتمثل بقول الشاعر القديم:
إلى أن تَحامَتني العَشيرة كلُّها ** وأُفرِدتُ إفرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ

بل يصاحبه هذا القول إلى مثواه الأخير إنها طقوس استثنائية يطبعها الخوف بل الرعب! اختفت حميمية المقهى ومرح الأسواق العامة وصخب الأولاد حين يعودون من المدارس وحمام الشمس وصخب حفلات الزفاف،، وخسر كثير من الناس أولئك العمال المياومون (الذين يعملون باليوم) وأصحاب الحرف، فالحجر حرمهم من المال الذين يستعينون به على متطلبات الحياة ربما يتأسف المرء أنه كان في نعمة ولم يقدرها يبدو الآن التخطيط لعطلة في الخارج أمرا بعيد المنال بل حتى الشاطئ سيكون أمرا عسيرا تحف من حوله المخاطر، فأمام عجز العلم عن إيجاد اللقاح في الوقت الراهن، وكون الأمر يتطلب وقتا هذا يعني أن الفيروس حر طليق هو مثل ذئب المساء يقترب من الخم ليصطاد دجاجاته الغافلة، وعلى المرء أن يظل محتاطا ومنتبها لنفسه ولغيره وسيضحي الواحد منا بكثير من السمر وبالأشياء التي يحبها في سبيل أن يحمي نفسه وغيره.
مضى علي في الحجر أكثر من شهرين فمنذ بداية شهر مارس/آذار وضعت نفسي وأفراد أسرتي  في الحجر الإجباري، كنت أتابع أخبار الفيروس من المحطات الدولية وأقرأ بشغف تقارير العلماء، وأيقنت أن الوباء وخيم والخطب جلل إنها مأساة إنسانية وكارثة عالمية تعيد النظر في كل شيء، المنظومات السياسية والصحية والثقافية والاقتصادية والترفيهية كلها محل إعادة نظر. 
الأنانية عشناها يوم تركت إيطاليا لمصيرها من جيرانها الأوربيين والأخلاقيات لم تُجد والسفن الحاملة للمعدات الطبية تسرق من قبل أرقى الدول وأكثرها تحضرا، والرفاه المادي عجز عن توفير جهاز تنفس زائد فترك الكبير يموت واختير الصغير في السن لإسعافه، ورائحة الموت المنبعثة من زوايا الشوارع، ومن دور العجزة حين هرب الممرضون، كم سيكتب التاريخ من فصول هذه التراجيديا المعاصرة!
لا يخيفني الحجر ولا أضيق به بل بالعكس أرحب به فمنذ زمن وضعت نفسي في حجر اختياري فكثير من التقاليد الاجتماعية يطبعها الرياء والأعراف السياسية وقوانينها ممزوجة بالكبر والطغيان، والحياة الثقافية موبوءة موسومة بمسيم الألقاب الفارغة والصور التي لا تنبئ عن شيء سوى الغرور والجهل والأنانية والادعاء حتى الدين تجاوزت فيه الاعتقاد عن إتيان الفعل لأجل الثواب والخوف من العقاب وبحثت عن المعنى في السكينة والسلام الداخلي، والفعل لأجل منفعة الفعل ذاته وجدواه لا طمعا في  الثواب، أليست حياة موبوءة جديرة بالحجر؟ 
هذا الحجر الذي أعيشه من زمن كيف أضيق فيه بحجر شهر أو اثنين، بالعكس رحبت به ومارست فيه هواياتي التفكير، الاستبطان، الخلوة، الموسيقى، القراءة، الكتابة البحث عن المعنى الفلسفي والقدري الذي يخبئه هذا الوباء، كيف تتهاوى الإمبراطوريات الصناعية والسياسية والثقافية والاجتماعية أمام فيروس لا يمكن حتى رؤيته بالمجهر؟ وكيف يضع هذا الفيروس الإنسانية أمام امتحان عسير؟ 
بالتأكيد لن تعود الحياة كما كانت، سنشهد عالما جديدا وحتى لو نجح العلم في إيجاد لقاح لهذا المرض فماذا سيفعل أمام أجيال الفيروسات التي بات تغزونا فماذا بعد كوفيد19؟
"ما هذه الجذور المتشّبثة أية غصون تنمو
من هذه النفايات المتّحجرة يا ابن آدم
أنت لا تقدر أن تقول أو تحزر
لأنك لا تعرف غير كومة من مكسّر الأصنام
حيث الشمس تضرب والشجرة الميتة
لا تعطي حماية ولا الجندب راحة
ولا الحجر اليابس صوت ماء
ليس غير الظل تحت هذه الصخرة الحمراء
تعال إلى ظل هذه الصخرة الحمراء
فأريك شيئا يختلف عن ظلّك في
الصباح يخبّ وراءك أو ظلّك في المساء
ينهض كي يلاقيك
لسوف أريك الخوف في حفنة تراب".
ت.س. إليوت  من "الأرض اليباب".