تصاعد التوتر بين مصر وإسرائيل
جاء وصف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لإسرائيل بالعدو في قمة الدوحة قبل أيام، ليعكس تصدّعاً واضحاً بين البلدين اللذين حافظا على علاقة مقبولة على مدار نحو نصف قرن. وفي تواترٍ للأحداث، خصوصاً بعد حرب غزة التي اندلعت قبل نحو عامين، بدأ التوتر يشوب العلاقة المصرية ـ الإسرائيلية. ورغم أنه كان سلاماً بارداً طوال 46 عاماً، وبقيت إسرائيل الخطر الأول على مصر، ولم يقبل الشعب المصري يوماً بحالة التصالح والسلام معها، إلا أن العلاقات الأمنية والتجارية بين البلدين تطورت بشكل ملحوظ، بسبب الترتيبات والضغوط الأميركية في المنطقة. والسؤال المطروح اليوم: إلى أي مدى يمكن لهذه العلاقة أن تبقى مستقرة في ظل قنوات التعاون والتنسيق التي صمدت لسنوات، مقابل التوترات المتصاعدة باطراد بين البلدين؟
بعد توقيع مصر على اتفاق سلام مع إسرائيل في كامب ديفيد عام 1979، حافظ البلدان على حالة من الاستقرار في العلاقة التي تطورت بهدوء ودون أضواء، بسبب طبيعة العداء الذي بقي حاضراً في أذهان المصريين. وساهمت الولايات المتحدة بشكل كبير في تطوير تلك العلاقة بين البلدين، فأقرت المعونة الأميركية عام 1980 لمصر، وهي الأكبر بعد تلك الموجّهة لإسرائيل، مشترطة بقاءها باستمرار العلاقة بين مصر وإسرائيل. كما تعاونت الولايات المتحدة مع مصر في المجال العسكري لبناء منظومة دفاعية تعتمد على الأنظمة والسلاح والتدريب الغربي، مع الالتزام بالقاعدة العامة المتمثلة في الحفاظ على تفوّق إسرائيل. وفي المجال الأمني والتعاون بين البلدين، شكّلت اتفاقية كامب ديفيد والقواعد الأمنية التي أرستها في منطقة سيناء موجّهاً مهماً لرسم حيثيات التعاون الأمني بينهما. ورغم ارتفاع مستوى التعاون في محاربة الإرهاب في سيناء مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، بقيت العلاقة العسكرية والأمنية محكومة بضوابط معينة، دون انفتاح واسع، فلم تتعمق لتصل إلى تدريبات أو مناورات مشتركة أو تعاون مفتوح.
وفي عام 2004 أُرست اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، والتي سمحت لمصر بتصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة دون رسوم جمركية، شرط احتوائها على مكوّن إسرائيلي. وقد عزّز ذلك الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة، والتعاون الصناعي المصري ـ الإسرائيلي، خصوصاً في مجال المنسوجات والمنتجات الكيماوية والبلاستيكية.
أما التعاون في مجال الطاقة ففتح نافذة مهمة لتحقيق مصالح متبادلة بين البلدين. فقد شُيّد خط أنابيب غاز العريش ـ عسقلان تحت البحر عام 2008، ليكون العمود الفقري لنقل الغاز بين البلدين. وقد بدأ في البداية بنقل الغاز من مصر إلى إسرائيل، إلا أن اتجاه التدفق انعكس عام 2020 بعد اكتشافات الغاز في حقلي "تمار" و"ليفياثان" بإسرائيل. وتعاني مصر حالياً من نقص حاد في إنتاج الغاز المحلي وارتفاع تكلفة شراء الغاز المسال، خصوصاً بعد الحرب الروسية ـ الأوكرانية، لذلك يعد الغاز الإسرائيلي القادم عبر الأنابيب مصدراً مهماً لمصر، لا يغطي حاجتها المحلية فقط، بل يمكّنها من تصدير الغاز إلى أوروبا أيضاً. وهذا يفسّر أهمية مشروع تشييد خط أنابيب غاز "نيتسانا" البري بين البلدين، الذي أُعلن عنه مؤخراً، والذي سيعزّز حجم صادرات الغاز وأمنها. ومن هنا تتضح خطورة تصريحات نتنياهو الأخيرة التي هدّد فيها مصر بعرقلة صفقة غاز بقيمة 35 مليار دولار، مبرّراً ذلك بانتهاكات مصرية مزعومة تتعلق بانتشار عسكري في سيناء، في إطار ضغط مصطنع تمارسه إسرائيل على مصر.
بدأ الضغط الإسرائيلي على مصر مع اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023، بعد تصريحات إسرائيلية عن نيتها تهجير سكان القطاع إلى سيناء، وهو ما رفضته مصر بثبات، معتبرة ذلك تهديداً مباشراً لأمنها الوطني. وخلال العام الماضي تصاعدت الأزمة بين البلدين عقب سيطرة إسرائيل على محور فيلادلفي، في إخلال واضح بالاتفاق الأمني بينهما. واعتبرت جهات مراقبة أن هناك انخفاضاً ملحوظاً في مستوى التنسيق الأمني بين البلدين. كما تصاعدت التوترات بعد الاعتداء الإسرائيلي على قطر، وما تبعه من تهديدات إسرائيلية بإمكانية تكرار ذلك مع كل دولة تستقبل فوق أراضيها قيادات من حركة حماس، في إشارة إلى مصر وتركيا اللتين قد تكونان الهدف المقبل لاعتداءات إسرائيل.
ورغم إقرار مراكز التفكير الأميركية والإسرائيلية بتوتر العلاقة بين البلدين خلال العامين الماضيين، وتوصيتها لإسرائيل بالتمسك بها لما تمثله من ضمانة للاستقرار في المنطقة، خصوصاً لصالح إسرائيل، إلا أن حكومة بنيامين نتنياهو تبدو ذات أهداف مختلفة. فنتنياهو لم يُخف خططه ضد مصر، إذ تضع مقاربته لشرق أوسط جديد إسرائيل بديلاً عن مصر كمركز للتواصل بين الشرق والغرب. كما أن رؤيته لـ "إسرائيل الكبرى" تكشف عن نوايا مبيّتة ضد الأراضي المصرية، فيما يشكّل إصراره على خرق التعهدات الحدودية في رفح، ومحاولاته تهجير الغزيين، مؤشراً عملياً خطيراً على تلك النوايا المعلنة.
وفي ظل دعم أميركي غير محدود لإسرائيل، وعدم توقّع مصر وقوف واشنطن إلى جانبها إذا تصاعدت التوترات، ومع الأزمة الاقتصادية التي تعيشها القاهرة، خصوصاً تلك المرتبطة بالطاقة، حيث تستورد مصر ثلث احتياجاتها منها، بنصف التكلفة تقريباً إذا جاءت عبر الأنابيب من إسرائيل، تستغل إسرائيل هذه الورقة للضغط على مصر وتمرير مخططاتها.
تتصاعد التوترات والأحداث بين البلدين بشكل ملحوظ، فرفعت مصر من حدة لهجتها ضد إسرائيل، معتبرة أن أي اعتداء إسرائيلي عليها سيُعدّ بمثابة إعلان حرب. كما باتت تصف رسمياً ما يجري في غزة بأنه "تطهير عرقي" و"جرائم ضد الإنسانية"، وتصف إسرائيل بالعدو. والسؤال المطروح: إلى أين تتجه الأمور، في ظل هذه اللحظات العصيبة التي تواصل فيها إسرائيل مخططها لإرغام الغزيين، تحت النار والقتل والتدمير، على التحرك جنوباً باتجاه الحدود المصرية ـ الفلسطينية؟