تصنيف الإخوان تنظيما إرهابيا يضيق الخناق على إسلاميي السودان

الإدارة الأميركية تتجه نحو اتخاذ موقف صارم تجاه جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك فرعها السوداني.

واشنطن/الخرطوم – عادت الحركة الإسلامية في السودان إلى واجهة الاهتمام السياسي بعد فترة من الانكفاء والتركيز على النشاط الدعوي والخيري، إذ يرى مراقبون أن الحركة نجحت خلال السنوات الأخيرة في استعادة جزء من ثقة الحواضن الاجتماعية، مستغلة الفراغ السياسي والفوضى التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، وإعادة التموضع تدريجيًا داخل مفاصل الدولة والجيش السوداني.

ويشهد السودان منذ سنوات تحولات سياسية عميقة، أبرزها الصراع المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع الشريكين السابقين في الحكم، وما ترتب عليه من أزمات مستعصية برزت فيها الحركة الإسلامية، ذات الصلة الوثيقة بالتيار الإخواني العالمي، محط اهتمام متزايد من قبل القوى المحلية والإقليمية والدولية، خصوصًا بعد اتهامات متكررة للقيادة السياسية والعسكرية بتسهيل تسلل عناصر الحركة إلى مواقع حساسة في الدولة.

 ويأتي ذلك بالتوازي مع تحركات أميركية تستهدف تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، وهو ما قد يطال فروعها في السودان ويزيد الضغط على الحركة.

وتاريخيًا، اعتمدت الحركة الإسلامية على استراتيجية مزدوجة، تجمع بين العمل الدعوي والخيري من جهة، والتغلغل في المؤسسات الرسمية والسياسية من جهة أخرى. وبعد سقوط البشير، ركزت على تعزيز حضورها الاجتماعي، من خلال الجمعيات الخيرية والأنشطة الدينية والتعليمية، في خطوة يُنظر إليها كوسيلة لإعادة بناء صورتها أمام المجتمع.

ويرى محللون أن هذا التوجه سمح للحركة بتخفيف الصورة السلبية التي ترافقها تاريخيًا، خصوصًا في ظل الاتهامات السابقة بدعم الإرهاب وتمويل جماعات متطرفة خلال فترة حكم البشير.

ومع تصاعد الأزمة السياسية في البلاد، ظهرت مخاوف واسعة من أن الحركة الإسلامية تستغل حالة الفوضى الحالية لإعادة التسلل إلى مفاصل الدولة، إذ تشير تقارير محلية ودولية إلى أن الحركة ما زالت تحافظ على شبكة واسعة من العلاقات مع قيادات سياسية وعسكرية، وهو ما يثير شكوكًا بشأن قدرتها على التأثير في مسار السلام والاستقرار. وبحسب خبراء، فإن وجودها داخل المؤسسات الرسمية يعقد جهود رأب الصدع بين الأطراف المتصارعة، ويخلق بيئة تسمح بتمدد نفوذ جماعات مرتبطة بها.

على الصعيد الدولي، يبدو أن الإدارة الأميركية تتجه نحو اتخاذ موقف صارم تجاه جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك فرعها السوداني، إذ تحدث مسؤولون أميركيون عن إمكانية تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، ضمن إطار جهود أوسع لمكافحة تمويل الإرهاب ومنع تسلل التنظيمات المتطرفة إلى المؤسسات الرسمية.

ويحمل هذا التوجه، وفق مراقبين، رسائل قوية إلى حكومة الأمر الواقع التي عادت مؤخرا إلى العاصمة الخرطوم بعد أن كانت اتخذت من بورتسودان عاصمة مؤقتة للحكم على اثر هزائم ميدانية فقد خلالها الجيش السوداني عناصر قوته، حيث قد يؤثر على العلاقة بين السودان والمجتمع الدولي، ويزيد الضغط على السلطات المحلية لمراقبة نشاط الجماعات الإسلامية بشكل أدق.

وتواجه الحركة الإسلامية تحديات داخلية كبيرة، تتمثل في استمرار الشكوك حول دورها في الحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع، فضلاً عن ضغوط الفصائل المدنية التي تطالب بقطع الطريق أمام أي محاولات للتمدد السياسي. ويشير مراقبون إلى أن الحركة تواجه مأزقًا مزدوجًا، فهي تحاول استعادة دورها السياسي بعد سنوات من التراجع، وفي الوقت ذاته تحرص على تجنب الانكشاف الكامل أمام المجتمع الدولي والداخل السوداني.

وتثبت التجربة السودانية أن الحركة الإسلامية ترتبط بعلاقات وثيقة مع التيار الإخواني العالمي، ما يضعها تحت مجهر المتابعة الدولية. وقد أظهرت السنوات الماضية أن الحركة قادرة على الانتقال السلس بين العمل الدعوي والاجتماعي والنفوذ السياسي، وهو ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في معادلة القوة داخل السودان. وفي الوقت ذاته، تحوم حولها شبهات استغلال الوضع المتأزم لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، تشمل إعادة التموضع داخل الدولة والسيطرة على مفاصلها الحيوية.

ومن الناحية الإنسانية والسياسية، يثير تصاعد نفوذ الحركة الإسلامية مخاوف من أن أي تراجع في جهود الرقابة والمتابعة قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد في المشهد السوداني، فالتحركات الأخيرة للحركة، سواء في المجال الدعوي أو من خلال علاقاتها مع القيادات العسكرية، تشير إلى محاولة ضبط التوازن بين تعزيز الحضور الاجتماعي وبين البحث عن موطئ قدم سياسي داخل الدولة.

ونجحت الحركة الإسلامية في السودان، رغم الانكفاء النسبي الذي شهدته بعد سقوط نظام البشير، إلى حد كبير في إعادة الظهور ضمن المشهد السياسي والاجتماعي. ومع ذلك، تبقى شبهات تسللها إلى مؤسسات الدولة واستغلالها للفوضى القائمة محل مراقبة دقيقة، لا سيما في ظل تحركات دولية لإدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن قوائم الإرهاب.

ويشكل هذا التوازن بين العودة الاجتماعية والسياسية من جهة، والمخاوف الأمنية والدولية من جهة أخرى، محور الاهتمام الراهن للخبراء والمحللين السودانيين والدوليين على حد سواء، ويبرز التحدي الكبير الذي تواجهه البلاد في سعيها لتحقيق الاستقرار والسلام الدائم.