تقاطع أم اختلاف؟ قراءة مقارنة بين 'الست' و'حانة الست'

الرواية والفيلم كل منهما يقدّم رؤية جديدة ومستقلة عبر وسيلته الخاصة.

أثار البعض جدلًا حول ما إذا كان فيلم "الست"، الذي يتناول حياة السيدة أم كلثوم، يتقاطع بشكل واضح، للكاتب أحمد مراد، مع رواية "حانة الست" التي صدرت عن دار "أقلام عربية" بالقاهرة عام 2021، للكاتب محمد بركة. وبعد الاطلاع والمشاهدة، يمكن تقديم قراءة متوازنة توضّح العلاقة بين العملين، وتفصل بين الإبداع المستقل والتقاطع الموضوعي الطبيعي.

أولًا: الهدف والنهج الإبداعي

رواية "حانة الست": ركّزت على إبراز الوجه الإنساني المسكوت عنه في حياة أم كلثوم، مع الجمع بين الواقع التاريخي والخيال الروائي، مستندةً إلى أكثر من 20 مرجعًا تاريخيًا.

استخدمت الرواية السرد بضمير المتكلم على لسان أم كلثوم، بهدف كشف الصراعات الداخلية والمعاناة الإنسانية، بعيدًا عن التمثيل التقليدي لأيقونة فنية.

فيلم "الست" لأحمد مراد: قدّم وجهًا إنسانيًا جديدًا لأم كلثوم، مستهدفًا جيل الشباب، مع التركيز على رحلة الشخصية بين الماضي والحاضر دون الالتزام التام بتسلسل الأحداث التاريخية، وهو نهج سردي قريب من الاستراتيجية التي اعتمدتها الرواية.

من هذا المنطلق، يظهر أن كلا العملين يسعيان إلى إظهار الجانب الإنساني للشخصية، لكن عبر وسائل مختلفة: الرواية كتابة روائية متخيَّلة، والفيلم معالجة سينمائية.

ثانيًا: التقاطعات الموضوعية

كلا العملين يتناول جوانب من الوحدة والشعور بالفراغ لدى أم كلثوم رغم نجاحها الساحق، وهو محور مركزي في الرواية (صفحة 209: "القمة باردة وموحشة...").

تناول العلاقة المتوترة مع الأسرة، بما في ذلك والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي وشقيقها خالد، موجود في العملين، لكن الرواية أعطت مساحة أوسع للتفصيل والتحليل النفسي.

التوتر مع الشخصيات الفنية والسياسية مثل أحمد رامي ومحمد القصبجي وسيد قطب تم تناوله في الرواية بشكل موسّع، بينما في الفيلم تم الاكتفاء بمشاهد مختصرة ومركّزة.

استخدام الرواية للسرد بضمير المتكلم كان وسيلة لإعطاء صوت مباشر للشخصية، وهو ما يعكسه الفيلم أيضًا بأسلوب تصويري مختلف، لكنه يؤدي الغرض نفسه: إبراز الأبعاد الإنسانية غير المعلنة.

ثالثًا: الاختلافات الجوهرية

الوسيلة الفنية: الرواية نص مكتوب يعتمد على الخيال والتحليل النفسي، بينما الفيلم يعتمد على الصورة والمونتاج والموسيقى والحركة لتوصيل الرسالة.

تفاصيل الحبكة: الرواية تقدّم الوقائع التاريخية مدعومة بالتحليل النفسي والخيال الداخلي للشخصية، بينما الفيلم يقدّم المشاهد بشكل أكثر اختصارًا ودراميًا بما يلائم الشاشة.

نطاق السرد: الرواية تغطّي تفاصيل أكثر، تشمل الحياة الشخصية والمهنية والاجتماعية لأم كلثوم، بينما يركّز الفيلم على أبرز المحطات الدرامية لتوصيل الفكرة إلى الجمهور العام.

رابعًا: التقييم النقدي لقضية "الاقتباس"

  1. التشابه في الفكرة أو الهدف لا يعني اقتباسًا؛ فموضوع الحياة الإنسانية للشخصية العامة موضوع أدبي/سينمائي متاح للجميع.
  2. لم يتم نسخ نصوص أو شخصيات أو حبكات محددة من الرواية إلى الفيلم.
  3. الرواية والفيلم يتشاركان الهدف الإنساني، لكن الوسائل والأسلوب والفن المستخدم تختلف بشكل واضح، ما يجعل كل عمل إبداعًا مستقلًا.
  4. أي تقييم نهائي يجب أن يكون موضوعيًا، ويأخذ بعين الاعتبار الفارق بين السرد الأدبي والسينمائي، وحرية التعبير الفني لكلٍّ منهما.

خامسًا: خلاصة رؤيتي النقدية:

فيلم "الست" لم يكن نسخة من رواية "حانة الست"، بل معالجة سينمائية مستقلة لشخصية أم كلثوم.

التقاطع بين العملين موضوعي في الهدف والاهتمام بالجانب الإنساني، لكنه يختلف في الأسلوب الفني والسرد والتفاصيل.

تقييم العلاقة بين العملين يجب أن يكون متجردًا من أي انحياز شخصي، مع ترك الحكم للقراء والنقاد والجمهور، كما يجب أن يُترك للتاريخ تقييم مدى أصالة كل عمل وإبداعيته.

خلاصة أخيرة:

الرواية والفيلم يُكمل كلٌّ منهما الآخر في فهم شخصية أم كلثوم، ولا يمكن اعتبار أيٍّ منهما مقتبسًا من الآخر، بل يقدّم كلٌّ منهما رؤية جديدة ومستقلة عبر وسيلته الخاصة.