تماسك النظم الفكرية

يجدر بالإنسان أن يبحث عن نظام خاص بالبشرية يحقن دماءها ويضمن لها عيشا كريما وموتا كريما دون تطبيق نظريات لا تزال في مرحلة الطفولة.


كل نظام فكري يصنع أدواته بما في ذلك الرأسمالية والشيوعية


في الطرف الثاني من الأنظمة الفكرية تقع الأديان التي تحتوي على ثغرات

اذا كانت النظم الفكرية متماسكة، فيجب ألا يفلت منها شيء، واذا حدث ذلك، فهي ليست متماسكة تماما، واذا أفلت منها الكثير فهي مهترئة ويجب إلغاؤها. وبشكل عام، لا يوجد نظام فكري متماسك بشكل تام، ولكن جودتها تتباين وفقا لعمق المعرفة والوعي بالمؤثرات التي تؤثر على الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية، ولم يثبت نظام فكري على حاله منذ الأزل، يستوي في ذلك العلوم الفيزيائية والاجتماعية، فهي حالة تصادم ونفي مستمرة ولا تنتهي عند حد معين وتتغير النظم الفكرية تبعا للمستجدات العلمية والفكرية، وهذا يعني أنه لا يجوز لأحد أن يدعي أن هذا النظام هو النظام الصحيح والكامل.

أما تقييم النظم الفكرية، فهو تقييم نسبي، ويمكن القول أن هذا النظام أفضل من ذاك لأنه يلبي حاجات غالبية الأفراد بينما ذاك سيء لأنه لا يلبي حاجات معظم الأفراد، ولو نظرنا الى أبرز نظامين فكريين وهما الرأسمالية والشيوعية، لوجدنا ايجابيات وسلبيات لكل منهما، ولكن يمكن القول أن النظام الشيوعي أكثر رحمة ببني البشر لأنه يلبي حاجات غالبية الأفراد، بينما يسقط الكثير من الضحايا في النظام الرأسمالي الذي يطلق طمع الانسان بلا حدود وكثيرا ما يفشل في ضبط سير الأمور من خلال القانون. ولو بحثنا عن نظام أكثر عدلا من الاثنين، لعدنا الى نظام المقايضة حيث يتم تبادل السلع دون أن يجور طرف على آخر.

بحسب كريسويل (1994) فإن كل نظام فكري يصنع أدواته، فالرأسمالية تطلق الطاقات الفردية وتقلل دور الحكومة الى أدنى حد ولا تتدخل إلا في حالة الطوارئ، والشيوعية، تلغي الفرد وتفرض هيمنة الحكومة على كل شيء. وقدم كريسويل رؤيته فيما أطلق عليه "بصلة كريسويل"، وفي هذه البصلة، يتكون النظام الفكري من طبقات تشبه طبقات البصلة، وهي من الخارج الى الداخل: النظرية، الاستراتيجية، الأسلوب، النشاط. فمثلا، تنظر الرأسمالية الى الحياة على أنها صراع والقوي يأكل الضعيف والبقاء للأفضل أو الأصلح أو الأقوى، فتبني استراتيجيتها على هذا الأساس، وهي التماشي مع هذه النظرة وقبولها وإطلاق حرية الفرد وتقليل سلطة الحكومة، ثم تختار الأسلوب، وهو رأس المال، حيث يستثمر الانسان رأس ماله في مشروع معين، ثم يختار النشاط، وهو الواجبات والمسؤوليات التي يجب على الأفراد القيام بها لتحقيق الأرباح. وبالمثل، فإن الشيوعية تنظر إلى الحياة على أنها صراع بين الكائنات والقوي يأكل الضعيف والبقاء للأفضل، لذا فقد وضعت استراتيجيتها بعدم السماح لهذا الأمر أن يحدث واختارت أن تجعل الحكومة تسيطر على الانتاج وتوزع الأرزاق بالتساوي، ثم اختارت النشاط وهو توزيع كوبونات على الأفراد لكي يأخذوا حاجاتهم من المستلزمات الضرورية للحياة.

إذن يبدو أن كريسويل لم يفلح في تفسير تأثير الفلسفة أو النظرية على الاستراتيجية والأسلوب والنشاط، (وقديما قيل: وقد يلتقي الوصف لشيئين مختلفين) فالرأسمالية والشيوعية يشتركان في فلسفة الحياة، لكنهما يختلفان في طريقة التعامل مع هذه الفلسفة وكل منهما يرى الحل في نهج مختلف تماما عن الآخر. إذن فالاتساق غير موجود في أي نظام فكري، وجميع الأنظمة الفكرية تحتوي على ثغرات كبرى.

في الطرف الثاني من الأنظمة الفكرية، تقع الأديان ولا شك أنها أكثر الأنظمة الفكرية التي تحتوي على ثغرات، ولولا ذلك لما نشبت حروب بينها، ولا عجب، فهي تتحدث عن أمور غيبية لا سبيل الى التحقق منها، ونظرا لأنها تتعلق بقوة كلية تتمتع بحضور دائم في جميع الأماكن، خضع البعض لها خضوعا كاملا، ولا يمكن محاورتهم بشأنها، لأنهم موعودون بالجنة كما أنهم يحققون مكاسب دنيوية تجعلهم يتمسكون بها، وهذا ينطبق على الأديان السماوية الثلاثة.

في ظل هذه الفوضى الفكرية وانعدام التناسق بين النظرية والاستراتيجية والأفعال والأدوات التي تحقق الأهداف، فإن الأديان مليئة بالثغرات التي لا سبيل الى رأبها، فهي جميعا تقر أنها هي الديانة الصحيحة وغيرها باطل، وتقر القتال بهدف التبشير ونشر الدعوة، وتسبغ القداسة على الحكام بوصفهم خلفاء الله في الأرض، وتدعي العدل والمحبة للبشر، أما التناقض الغريب والعجيب فهو الإقرار بمساواة البشر مع رفع مستوى أصحاب ديانتها فوق مستوى أصحاب الديانات الأخرى. وهناك فروق بين الأديان فيما يتعلق بالقتل والرجم وتقطيع الأطراف والعبودية والسبي وعدم قطع ناهب المال العام أسوة بقطع يد سارق البيضة والموقف من المرأة وتغليفها من الرأس الى القدمين وسلطة الزوج، وهذه الفروق تثبت أن الفلسفة أو النظرية لا تؤدي بالضرورة الى اختيار استراتيجية معينة وتحديد الأفعال والأدوات التي تحقق أهدافها، فهي جميعا تقر بوحدانية الله والعقاب والثواب والجنة والنار، ولكنها بعيدة كل البعد عن بعضها البعض.

ولا تزال النظريات تعيد تدوير نفسها تحت مصطلحات جديدة، وفي الخمسينات من القرن الماضي برزت نظريتا الفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا، وهي مشابهة للنظريات والمدارس الفلسفية السابقة لها تاريخيا، ففي حين ترى الفينومينولوجيا ضرورة عزل الظاهرة قيد الدراسة عن محيطها بهدف التعرف عليها وفهمها، ترى الهرمنيوطيقا أنه لا سبيل الى التعرف على أية ظاهرة بشكل كامل، لأنه لا يوجد ظاهرة في الكون لا تتأثر بمحيطها، وكلما توصلنا الى تفسير، تعرفنا على مؤثر جديد ينفي ما توصلنا إليه، وعلى الرغم من أن النظرية الأولى تنطبق على العلوم البحتة، والثانية على الطواهر الاجتماعية، فلا يمكن الوصول الى درجة اليقين في كليهما، فمثلا، يقول العلماء أنه لا وجود لشيء اسمه "لا شيء" لأن الفضاء الذي نراه ليس خاليا تماما، وإلا لماذا تدور الأجرام السماوية بطرق مختلفة؟ إن الفضاء الذي يحيط بها هو نسيج يحملها ويحدد مسارها.

وفي خضم هذا التخبط الفكري، يجدر بالإنسان أن يبحث عن نظام خاص بالبشرية يحقن دماءها ويضمن لها عيشا كريما وموتا كريما دون تطبيق نظريات لا تزال تتغير وتتقلب وتنمو ولا تزال في مرحلة الطفولة، فالحياة عمرها مليارات السنين، ونحن لم نكتشف أن الأرض والحياة عليها ليست سوى هباءة صغيرة في هذا الكون الشاسع، ويكفي للإنسان شرف العيش دون أن يكون قاتلا أو مقتولا.