تمويل قطري يُشعل الغضب من البعثة الأممية في ليبيا

حكومة الشرق تُوقف التعامل مع الهيئة، مطالبة باعتذار رسمي عن الخطوة التي وضعت نقاط استهام حول قدرة البعثة على البقاء وسيطًا محايدًا.

طرابلس – أثار توقيع اتفاقية تمويل بين قطر وبعثة الأمم المتحد للدعم في ليبيا انتقادات واسعة، فيما قررت الحكومة المكلفة من مجلس النواب وقف التعامل مع الهيئة، رفضا للخطوة التي ذهب بعض المتابعين إلى حد اعتبارها تدخلا في الشأن الداخلي، ما يضع الكثير من نقاط الاستفهام حول قدرة البعثة على البقاء وسيطًا محايدًا في الأزمة التي فشلت في إحداث أي اختراق في جدارها.

ويأتي هذا التطور في سياق حساسية سياسية عميقة في ليبيا تجاه التدخلات الإقليمية، وتبرز المخاوف من تسلل النفوذ القطري عبر بوابة الدعم المالي للعملية التي ترعاها الأمم المتحدة.

ويُنظر إلى قطر من قبل بعض الأطراف الليبية، خاصة في الشرق، كطرف داعم لأجندات سياسية معينة في المنطقة، وقد دعمت سابقًا حكومة الوفاق الوطني واتفاق الصخيرات. ويرى المنتقدون أن التمويل المباشر للحوار السياسي قد يُستخدم كأداة للضغط، مما يُخل بمبدأ حيادية الأمم المتحدة.

واتهمت الحكومة، التي تتخذ من بنغازي مقرا لها، وتدير منها شرق البلاد كاملا ومدنا بالجنوب، البعثة بمحاولة فرض مسارات سياسية لا تتفق مع الإرادة الوطنية الليبية، مطالبة إياها باعتذار رسمي.

ويتناغم هذا الموقف مع انتقادات سابقة للبعثة التي تواجه اتهامات بالإخفاق في حلحلة الأزمة، وسط دعوات إلى خارطة طريق ليبية خالصة بعيدًا عن أي تدخلات خارجية.

ووقعت الاتفاقية في طرابلس الاثنين بين خالد الدوسري سفير قطر لدى ليبيا والممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، في إطار مشروع مشترك يهدف إلى دعم الحوار السياسي الذي تيسّره البعثة الأممية في ليبيا وتعزيز المشاركة المدنية الواسعة دعمًا لعملية سياسية "ليبية القيادة والملكية"، وفق البعثة.

وبحسب المصدر نفسه "رحبت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا، هانا تيتيه، بالتمويل القطري"، مشيرة إلى أنه "سيُسهم في تعزيز جهود الأمم المتحدة لتنفيذ خارطة الطريق التي قدمتها لمجلس الأمن في أغسطس/آب 2025. وتهدف هذه الخارطة إلى توحيد المؤسسات من خلال حكومة جديدة وإجراء انتخابات".

ويرى محللون أن توقيع الاتفاق مباشرة مع قطر، دون تنسيق أو موافقة من جميع الأطراف الليبية الرئيسية، انحياز مرفوض ويُقوّض الثقة في نزاهة البعثة كوسيط.

ويمثل التمويل القطري للبعثة أزمة ثقة جديدة تزيد من تعقيد المشهد الليبي، وتثير تساؤلات حول قدرة الهيئة على البقاء وسيطًا محايدًا بعدما أقدمت على خطوة اعتبرها طرف ليبي رئيسي تدخلاً غير مقبول في شؤونها الداخلية.

ويزيد هذا الاتفاق من الفجوة السياسية في البلاد، ويُعزز الانطباع السائد بأن البعثة الأممية باتت جزءًا من المشكلة لا الحل، مما يُضعف سلطتها الأخلاقية والسياسية كوسيط.

ولم يعد الخلاف يدور حول مصدر تمويل فحسب، بل حول سيادة القرار الوطني الليبي في مقابل التدخل الإقليمي تحتب عباءة الدعم الأممي، ما يضع البعثة في مأزق، بالنظر إلى أنها باتت أمام خيارين لا ثالث لها إما التراجع عن الاتفاق أو خسارة الشراكة مع حكومة الشرق التي تعد طرفا لا غنى عنه في المشهد السياسي، مما يُهدد بشكل مباشر فرص نجاح أي عملية سياسية يقودها المجتمع الدولي.