تناسق هندسي وتوازن بصري يخطف الأنظار في الغراميل السعودية

سماء العُلا تتميّز بصفاء استثنائي جعلها تُصنّف ضمن أفضل 5بالمئة من مواقع الرصد الفلكي عالميًا من حيث شدة الظلام وانعدام التلوث الضوئي.

العلا (السعودية) ـ حين يهبط الليل على الأعمدة الصخرية في محمية الغراميل شمال غرب محافظة العُلا السعودية، تتبدّل الصحراء إلى مسرح كوني، تتجاور فيه رهبة الحجر ودهشة الضوء السماوي، في مشهد صحراوي يختزل ملايين السنين من التحولات الجيولوجية.

وتُعدّ الغراميل واحدة من أكثر المواقع الطبيعية تفردًا في السعودية، بما تحتضنه من تكوينات صخرية عمودية نادرة، تقف كأعمدة حجرية شاهقة وسط امتداد الرمال.
هذه الأعمدة، التي تبدو وكأنها نُصبت بعناية فنية، ليست إلا نتاج تراكمي لقوى الطبيعة من رياح جافة، وتباين حراري حاد، وتدفّقات أمطار موسمية، أسهمت مجتمعة في نحت ملامحها وصياغة بنيتها الفريدة عبر آلاف السنين.

وتتميّز تكوينات الغراميل بتناسقها الهندسي اللافت وتوازنها البصري الدقيق، في مشهد يعكس تعاقب العصور الجيولوجية، ويجسّد التأثير العميق لعوامل التعرية على الصخور الرسوبية. وتبدو الطبقات الصخرية واضحة للعين، بما تحمله من تنوّع لوني وبنائي، ما يجعل الموقع شاهدًا حيًا على تحولات المناخ وتبدلات البيئة عبر الأزمنة السحيقة.

ويعزز سحر الغراميل تناغم لافت بين الأعمدة المنتصبة وامتداد الرمال المحيطة، حيث تتبدل ملامح المكان مع تغيّر زوايا الشمس وانعكاسات الضوء، من شروق هادئ يرسم الظلال الطويلة، إلى غروب يحوّل الصخور إلى لوحات ذهبية، وصولًا إلى ليلٍ حالك تتلألأ فيه النجوم فوق رؤوس الزائرين.
هذه التجربة البصرية المتكاملة تنقل الزائر من الصورة العامة إلى عمق التفاصيل الجيولوجية الدقيقة، في لوحة طبيعية نادرة.

وتُعدّ محمية الغراميل مرجعًا بيئيًا مفتوحًا للباحثين والمهتمين بالجيولوجيا، فضلًا عن المصورين وعشّاق الطبيعة، لما توفّره من معطيات علمية تسهم في دراسة التكوينات الرسوبية وتحولات البيئة الجيولوجية عبر العصور. وبذلك، تبرز الغراميل كأحد الرموز الجغرافية البارزة في محافظة العُلا، مؤكدةً ما تنفرد به المملكة من ثراء طبيعي وتكوين أرضي يحمل أبعادًا تاريخية ورمزية عميقة.

لقاء الأرض والفضاء

في إنجاز دولي جديد يسلّط الضوء على فرادة العُلا، حقّقت المحافظة حضورًا عالميًا باختيار صورة فلكية التُقطت في سمائها لتكون "صورة اليوم الفلكية" من قبل وكالة الفضاء الأميركية ناسا.

ووثّقت الصورة شهابًا متوهجًا بلون أخضر يخترق عنقود "الثريا" النجمي، في لقطة تعريض ضوئي استمرّت ساعة كاملة، التُقطت بين موقعي الحِجر المسجّل ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، ومحمية الغراميل.

ونشرت "ناسا" الصورة في 25 أغسطس/آب تحت عنوان "الشهاب والعنقود النجمي"، مسجّلة بذلك أول ظهور لصورة ملتقطة من العُلا على منصاتها الرسمية، في إنجاز غير مسبوق يرسّخ مكانة العُلا بوصفها وجهة عالمية لرصد النجوم والتصوير الفلكي. ويعود الفضل في هذا التميّز إلى دعم منارة العُلا، الجهة المعنية بالحفاظ على البيئة الفلكية النقية وتعزيز مكانة المنطقة في استكشاف السماء.

وتتميّز سماء العُلا بصفاء استثنائي جعلها تُصنّف ضمن أفضل 5بالمئة من مواقع الرصد الفلكي عالميًا من حيث شدة الظلام وانعدام التلوث الضوئي، ما يجعلها مقصدًا رئيسيًا لعشّاق النجوم والسياحة الفلكية، ومسرحًا مفتوحًا للتأمل الكوني.

على مدى نحو مليار عام، نحتت الأمطار والرياح المحمّلة بالرمال تضاريس العُلا الصحراوية، تاركة وراءها سجلًا بصريًا يحكي قصة الطبيعة والتاريخ. وتنتشر في أنحاء المحافظة تكوينات صخرية مذهلة، تُعدّ من أبرز الظواهر الجيولوجية الخالدة منذ أقدم العصور.

من بينها صخرة القوس، المعروفة أيضًا بصخرة قوس قزح، التي تبدو كجسر طبيعي وسط الصحراء، وتحيط بها الرمال في مشهد يستحق عناء الرحلة الطويلة للوصول إليها. كما يبرز جبل الفيل، الذي نحتته الطبيعة على هيئة فيل عملاق يرفع خرطومه نحو السماء، ليصبح أحد أكثر المعالم تصويرًا، خاصة مع العروض الضوئية والمهرجانات التي تزيده سحرًا.

وتتحول الغراميل ليلًا إلى مسرح سماوي مفتوح، حيث تُنظّم جولات تأمّل النجوم بين الأعمدة الحجرية الداكنة، في تجربة تجمع بين رهبة المكان واتساع السماء. وتظهر كذلك تكوينات أخرى مثل الرقّاصات التي تبدو وكأنها تتمايل في انسجام، وصخرة الوجه القريبة من موقع الحِجر، بملامحها التي تشبه وجهًا بشريًا يتأمل الأفق، وصخرة الجرة ذات الفتحة الطبيعية التي تشبه الجرّة أو الزجاجة، والتي تتطلب رحلة مغامرة للوصول إليها.

السياحة الفلكية

تُعدّ محميتا الغراميل وشرعان من أبرز مواقع الرصد الفلكي في العُلا، لما تتمتعان به من صفاء بصري وتكوينات صخرية تعزّز عمق التجربة، إلى جانب مواقع أخرى مثل صخرة القوس. وقد شهدت السياحة الفلكية في العُلا نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بفضل تنظيم فعاليات متخصصة، أبرزها مهرجان سماء العُلا، الذي يقدّم رحلات مناطيد، وجولات هليكوبتر، وجلسات رصد، وسيمفونيات موسيقية تحت النجوم.

وترتبط علاقة سكان العُلا بالفلك منذ قرون طويلة، إذ كانت المحافظة ممرًا للقوافل ونقطة التقاء للقبائل، اعتمد أهلها على النجوم في تحديد الاتجاهات ومواعيد الزراعة ومواسم الأمطار ورؤية الأهلة، ما يعكس عمق الارتباط التاريخي بين الإنسان والسماء.

وحصلت الهيئة الملكية لمحافظة العُلا في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2024،على اعتماد موقع منارة العُلا ومحمية الغراميل كأول مواقع "السماء المظلمة" في المملكة والخليج من منظمة "دارك سكاي انترناشيونال" ، في خطوة تعكس التزامها بالحد من التلوث الضوئي وتطوير السياحة الفلكية. ويُعدّ هذا الاعتماد تتويجًا لجهود الحفاظ على البيئة الطبيعية والثقافية، وتعزيز القيمة العلمية والتعليمية للموقع.

وتسهم هذه المبادرات في دعم توجه المملكة نحو السياحة المستدامة، وجعل العُلا واحدة من أوائل المدن الخالية من التلوث الضوئي، ضمن رؤية طموحة تدمج بين الجمال الطبيعي، والإرث الثقافي، والابتكار العلمي.

وتواصل العُلا بهذا التلاقي الفريد بين الأرض والفضاء، ترسيخ مكانتها كوجهة عالمية استثنائية، تأسر عشّاق الطبيعة والعدسة والنجوم، وتقدّم تجربة إنسانية عميقة تمتد من صمت الصخور إلى اتساع الكون.