'غلط بنات' يحاول إعادة تشكيل صورة المرأة في الدراما الخليجية
الكويت ـ في موسم درامي يزدحم بالأعمال الاجتماعية، يطل مسلسل "غلط بنات" كأحد أكثر العناوين إثارة للانتباه في رمضان 2026، بسبب جرأة عنوانه، ثم لما يحمله من مقاربة إنسانية عميقة تضع المرأة في قلب السرد الدرامي، بعيداً عن ثنائية الضحية أو النموذج المثالي.
ويذهب العمل أبعد من الحكاية السطحية، فليغوص في تفاصيل العلاقات الاجتماعية المعقّدة، ويقدّم رؤية درامية تقوم على مساءلة الأحكام الجاهزة، وتفكيك فكرة "الخطأ" بوصفه فعلاً فردياً معزولاً، مقابل طرحه كنتاج لضغوط اجتماعية ونفسية وثقافية متراكمة.
والمسلسل من بطولة إلهام الفضالة، جمال الردهان، فاطمة الشرقاوي، عبدالله بهمن، وشيلاء سبت، وهو من تأليف جميلة جمعة وإخراج سائد بشير الهواري.
ويحمل عنوان المسلسل دلالة مباشرة، لكنه في الوقت نفسه ملتبس ومقصود، فـ"غلط بنات" لا يهدف إلى إدانة المرأة أو تحميلها عبء المسؤولية وحدها، بل يطرح سؤالاً أعمق: من يحدد الخطأ؟ وهل يُقاس بمعيار واحد على الجميع؟ أم أن المجتمع يميل إلى تضخيم أخطاء النساء، في مقابل التساهل مع أخطاء الرجال؟
وتدور الأحداث حول مجموعة نساء تربطهن علاقات قرابة وصداقة، تختلف أعمارهن وخلفياتهن الاجتماعية، لكنهن يلتقين عند لحظة مفصلية تتغير فيها مسارات حياتهن. قرارات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أثماناً باهظة، لتتحول إلى شرارة تكشف هشاشة العلاقات، وتعرّي توازنات قائمة على الصمت والمجاملات.
وتمثل كل شخصية حالة إنسانية قائمة بذاتها، امرأة تعيش زواجاً متصدعاً تحافظ عليه خوفاً من نظرة المجتمع، وشابة تقع في علاقة عاطفية غير متكافئة، وأخرى تطارد طموحاً مهنياً يصطدم بجدار الأعراف، وسرّ قديم يعود إلى الواجهة في أسوأ توقيت ممكن.
ومع تطور الحلقات، تتشابك المصائر، ليتضح أن "الغلط" ليس لحظة واحدة، بل مسار طويل من التنازلات والخيارات المؤجلة.
وتتصدّر إلهام الفضالة العمل بشخصية محورية تشكّل العمود الفقري للأحداث، وتؤدي دور امرأة تبدو قوية ومتماسكة من الخارج، لكنها تعيش صراعاً داخلياً عميقاً بين ما يُنتظر منها اجتماعياً، وما تشعر به فعلياً. والشخصية مكتوبة بذكاء، بعيدة عن النمطية، وتخضع لتحولات نفسية حادة تضعها في مواجهة ذاتها قبل مواجهة الآخرين.
وقالت إلهام الفضالة في تصريح إعلامي، "ما جذبني في مسلسل غلط بنات هو واقعية الشخصيات، نحن أمام نساء يشبهن من نراهن يوميا، لا أحد كامل، ولا أحد شرير بالمطلق. العمل لا يبرر الخطأ، لكنه يحاول فهم أسبابه".
ويعتمد أداء الفضالة على التفاصيل الدقيقة، ونقل الصراع الداخلي عبر نظرات وصمت بقدر ما عبر الحوار، ما يمنح الشخصية عمقاً إضافياً ويجعلها قريبة من المتلقي.
ورغم أن المسلسل ينطلق من منظور نسائي واضح، إلا أن الشخصيات الرجالية ليست هامشية أو كرتونية، فيقدم كل من جمال الردهان وعبدالله بهمن نماذج مختلفة للرجل في المجتمع المعاصر، رجل يمارس سلطة ناعمة باسم الحماية، وآخر يبدو متفهماً لكنه يعجز عن كسر القوالب التي تربى عليها.
والعلاقة بين الرجال والنساء في "غلط بنات" كشبكة معقدة من التوقعات والخيبات وسوء الفهم، حيث يظن كل طرف أنه يؤدي دوره الصحيح، فيما تتراكم الخسائر بصمت.
وقال الممثل جمال الردهان، "المسلسل لا يهاجم الرجل، لكنه يضعه أمام مرآة. أحياناً نمارس ضغوطاً كبيرة دون أن نشعر، ونعتبرها أموراً طبيعية".
وتلعب فاطمة الشرقاوي وشيلاء سبت أدواراً تمثل جيلاً شاباً يعيش صراعاً حاداً بين الطموح الشخصي والقيود الاجتماعية، حيث تسلط قصصهما الضوء على العلاقات العاطفية غير المتوازنة، وعلى مفهوم "السمعة" الذي غالباً ما يُستخدم كسلاح ضد المرأة وحدها.
وأشارت شيلاء سبت إلى أن العمل يقترب من مناطق حساسة بصدق، قائلة، "نحن لا نقدّم صدمة مجانية، بل واقعاً نعيشه. هناك فتيات يدفعن ثمناً مضاعفاً لأي خطأ، حتى لو كان بسيطاً".
وتواصل الكاتبة جميلة جمعة في هذا العمل اهتمامها بالعلاقات الإنسانية المعقدة داخل الأسرة والمجتمع. ويعتمد النص على تصاعد درامي تدريجي، حيث لا تُكشف كل الحقائق دفعة واحدة، بل تتسلل الأسرار مع تطور الأحداث، ما يمنح العمل نفساً طويلاً ويُبقي المشاهد في حالة ترقّب.
ووضحت قائلة، "غلط بنات ليس بيانا نسويا، بل حكاية إنسانية. أردت أن أكتب عن المرأة كما هي، لا كما نحب أن نراها. المجتمع قاسٍ أحياناً في أحكامه، والدراما يمكن أن تفتح باب السؤال".
واعتمد المخرج سائد بشير الهواري أسلوباً اخراجياً يميل إلى الواقعية، مع تركيز واضح على الأداء التمثيلي والحوارات العميقة، فالكاميرا قريبة من الوجوه، ترصد الانفعالات الصغيرة، فيما يتصاعد الإيقاع تدريجياً مع تصاعد التوتر الدرامي.
وأكد الهواري أن التحدي الأكبر كان "الحفاظ على حساسية القضايا دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية"، مضيفاً أن الهدف هو إشراك المشاهد في التفكير لا تلقينه موقفاً جاهزاً.
وأثار الإعلان عن المسلسل اهتماماً نقدياً ملحوظا قبل عرضه، ويرى بعض النقاد أن "غلط بنات" يأتي امتداداً لموجة درامية تحاول إعادة تعريف صورة المرأة في الدراما الخليجية، فيما يحذر آخرون من الوقوع في فخ الوعظ إذا لم يُحافظ على توازن الشخصيات.
ويبدو "غلط بنات" عملاً يراهن على النقاش أكثر من الإدانة، وعلى الفهم بدل الأحكام السريعة، فهو دراما عن الأخطاء، لا بوصفها نهاية الطريق، بل كنقطة انطلاق لمراجعة الذات والعلاقات.
ومع اقتراب عرضه في رمضان، يترقب الجمهور مسلسلاً قد يلامس الكثير من المسكوت عنه، ويعيد طرح سؤال قديم بصيغة معاصرة: هل الخطأ فعلاً “غلط بنات”، أم مرآة لمجتمع كامل؟

