ثرثرة مُسيَّرة

لم تصنع القهوة نهضة لندن، كما لن تصنع وسائل التواصل نهضة أي مجتمع. ما يصنع الفرق هو القدرة على تحويل اليقظة إلى بنية، والكلام إلى إطار، والاختلاف إلى قوة منظمة.

حين افتُتح أول مقهى في لندن عام 1652، لم يكن ذلك إعلانًا عن ولادة فضاء حر كما يُحب أن يُصوَّر لاحقًا، فالمجتمع آنذاك لم يكن أقل خضوعًا للسلطة مما هو عليه اليوم، والرقابة لم تكن غائبة، بل كانت حاضرة بطرق أكثر فجاجة. ومع ذلك، لم ينتظر الناس إذنًا بالحوار، ولم يفترضوا أن السلطة راعية له، بل تعاملوا مع النقاش بوصفه حاجة عملية ومصلحة مشتركة قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.

من هنا، لم تتحول المقاهي إلى ساحات صدام، بل إلى فضاءات تنظيم بطيئة وهادئة، يصعب الانتباه إلى أثرها في لحظته، لكنها راكمت نفوذًا لم تستطع الدولة لاحقًا تجاهله. تحولت هذه المقاهي من أماكن لاحتساء القهوة إلى مؤسسات غير رسمية أعادت تشكيل الاقتصاد والفكر والسياسة، لا لأن القهوة مُنَبِّهة، بل لأن الإنكليز التقطوا مبكرًا أن اليقظة الذهنية، إن لم تُنظَّم، تتحول إلى ضجيج.

كُسرت الحواجز الطبقية، وتخصصت المقاهي حسب المهن، وتحوّلت أحاديث التجار في مقهى جوناثان إلى نواة سوق مالية، وتحولت نقاشات البحّارة في مقهى لويد إلى أساس صناعة تأمين عالمية، فيما عملت المقاهي بوصفها شبكة معلومات تُتداول فيها الأخبار والرسائل بسرعة فاقت ما عرفته أوروبا آنذاك. وحتى عندما حاول الملك تشارلز الثاني إغلاق هذه المقاهي، لم يكن ذلك دفاعًا عن النظام العام، بل خوفًا من أن الحوار المنظم صار قوة يصعب ضبطها، ومع ذلك تراجع، لأن ما تحوّل إلى مؤسسة لا يُلغى بمرسوم.

لكن استحضار هذه التجربة لا يعني إنكار الواقع الراهن أو الرومانسية تجاه الماضي، فاليوم، حتى لندن نفسها لم تعد كما كانت، والمجتمعات الحديثة لم تعد تُمنع من الحوار بقدر ما تُغرق به. الفضاء العام لم يُغلق، بل فُتح على اتساعه حتى فقد المعنى، وأصبح النقاش متاحًا بلا حدود، لكنه موجَّه، مُسَيَّر، سريع الاستهلاك، تُحدده الخوارزميات أكثر مما تحدده الحاجة المجتمعية. على منصات التواصل، ينجذب الجمهور بشكل أكبر إلى المواضيع السطحية، ويتجمع حولها كأنها الحدث الأكبر، بينما تُهمل الأفكار العميقة، والنقاشات الهادفة، والمبادرات التي قد تصنع مستقبلًا.

الشباب اليوم، كثيرون منهم يستهلكون الحوار بلا أثر، وينحدرون في أخلاقهم وسلوكياتهم، ويتوقف التغيير عند حدود التعليق والإعجاب، بينما يحتاج المجتمع إلى تراكم الأفكار وتحويلها إلى مسارات واضحة ومستدامة. لم يعد الخطر في إسكات الأصوات، بل في تفريغها من الأثر، بحيث يُقال كل شيء ولا يتغير شيء.

وهنا يبرز الفارق الجوهري الذي يهم المجتمع الكردي اليوم. نحن لا نعاني من نقص في الكلام ولا من غياب المنصات، بل من غياب التنظيم. نجتمع جسديًا دون نقاش حقيقي، ونتجادل رقميًا دون تراكم، فتتكرر الأفكار، ويُستهلك الغضب، ثم يُعاد إنتاج المشهد ذاته.

المشكلة ليست أن السلطة لا تسمح، فالسلطة لم تكن يومًا شرطًا للنهضة، بل أن الحوار يُستهلك بوصفه تنفيسًا لا مسؤولية، ورأيًا لا مشروعًا، وردّ فعل لا مسارًا.

لم تصنع القهوة نهضة لندن، كما لن تصنع وسائل التواصل نهضة أي مجتمع. ما يصنع الفرق هو القدرة على تحويل اليقظة إلى بنية، والكلام إلى إطار، والاختلاف إلى قوة منظمة. التاريخ لا يقول إن الحرية تُمنح، بل إن الوعي الذي لا يُنظَّم يُهدر، والحوار الذي لا يتحول إلى مؤسسة يبقى ضجيجًا مهما بدا واسع الانتشار. وفي عالم مُسَيَّر أكثر من أي وقت مضى، لا تكون المشكلة في قلّة المنابر، بل في غياب الإرادة لتحويل الكلام من لحظة عابرة إلى أثر باقٍ.