ثقافة الهزيمة والانكسار: حين يتحوّل العجز إلى وعي جمعي

قراءة في الجذور النفسية والثقافية لتطبيع الفشل وتبرير الواقع.

ليست الهزيمة حدثًا عابرًا يُطوى مع صفحة من صفحات التاريخ، بل هي غالبًا منظومة نفسية وثقافية تتشرّبها المجتمعات حين تطول الأزمات، وتتكرّر الانكسارات، وتتكلّس الإرادة في مواجهة واقع متخم بالخيبات. وعندما تتحوّل الهزيمة من حالة ظرفية إلى "ثقافة"، يصبح الوعي الجمعي أسير خيارات ناقصة، وإحباطات مزمنة، ورؤية ضبابية للمستقبل، فلا يعود الفشل فعلًا خارجيًا، بل يتحوّل إلى ما يشبه البنية الذهنية المستقرة.

أولًا: تعريف ثقافة الهزيمة

ثقافة الهزيمة ليست مجرد شعور بالحزن، ولا استسلامًا مؤقتًا، بل هي أنماط تفكير وسلوك يُعاد إنتاجها وتكرارها حتى تصبح جزءًا من الهوية النفسية والاجتماعية. وهي تتجلّى في:

  • فقدان الثقة بالنفس وبالقدرة على التغيير.
  • تعليق أسباب الفشل على شماعات جاهزة، مثل القدر أو الظروف أو "الآخر".
  • إعادة إنتاج السلبية عبر التعليم والإعلام واللغة اليومية.
  • تحويل الخضوع للواقع إلى فضيلة، والجرأة على التغيير إلى "مغامرة غير محسوبة".

ثانيًا: الجذور النفسية للهزيمة

من منظور علم النفس الاجتماعي، تنشأ ثقافة الهزيمة من:

  1. صدمة جماعية لم يتم التعامل معها بشكل صحي.
  2. إحباطات متكررة تُنمّي داخل الفرد آلية دفاعية تُسمّى "العجز المتعلَّم"، حيث يقتنع المرء بأنه غير قادر على التغيير مهما حاول.
  3. السلطة القمعية التي تُشيع الخوف بدل الثقة، وتُربّي جيلًا يبحث عن النجاة لا عن المبادرة.
  4. النظرة الدونية للذات، حين يشعر الفرد بأنه أقل من الآخر حضاريًا أو ثقافيًا أو تاريخيًا.

ثالثًا: مظاهر ثقافة الهزيمة في المجتمع

تتجسّد هذه الثقافة في العديد من السلوكيات، منها:

  • التشكيك في أي نجاح واتهامه بالمحسوبية أو الصدفة.
  • تضخيم كل فشل وتحويله إلى نبوءة سوداء.
  • التعلّق بالنوستالجيا والبكاء على أمجاد الماضي بدل صناعة المستقبل.
  • التقليل من قيمة الإبداع واعتبار التغيير "تهوّرًا".
  • الانقسام الداخلي بدل التكامل، إذ يصبح الشك المتبادل نمطًا عامًا.

رابعًا: كيف يرسِّخ الخطاب الإعلامي والسياسي هذه الثقافة؟

الإعلام، حين يتحوّل إلى أداة أحادية الصوت، يدفع الناس إلى قبول الواقع باعتباره "قدرًا محتومًا". وتعمل بعض الخطابات السياسية على تكريس الهزيمة عبر:

  • إعادة تدوير مشاعر الخطر والخوف.
  • تمجيد الصبر السلبي بدل الصمود الفعّال.
  • تصنيم القائد وتهميش الشعب.
  • صناعة بطولة مهزومة قائمة على الشكوى لا على الإنجاز.

خامسًا: التربية والتعليم كحاضنة للهزيمة

عندما يُربّى الأبناء على:

  • الخضوع لا السؤال،
  • الحفظ لا التفكير،
  • الاعتذار عن الرأي لا الدفاع عنه،
  • ومعاقبة الخطأ بدل تحويله إلى خبرة...

فإن المدرسة تتحوّل، دون قصد، إلى مصنع لإنتاج أجيال مستسلمة، تخشى المغامرة، وتُفضّل البقاء في منطقة الراحة، حتى وإن ضاقت بهم.

سادسًا: الهزيمة ليست قدرًا

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي سقطت نهضت عندما:

  • واجهت هزيمتها بشجاعة بدل تبريرها،
  • أعادت تعريف علاقتها بالذات والآخر،
  • بنت مشروعًا وطنيًا أو ثقافيًا جامعًا،
  • سمحت بوجود "مساحة نقد" حقيقية،
  • أعادت الاعتبار لقيم العمل والإنجاز والحرية.

وتُعدّ اليابان وألمانيا بعد الحرب، ورواندا بعد المذابح، أمثلة ساطعة على أن الهزيمة قد تكون محطة مخاض، لا نهاية طريق.

سابعًا: كيف نكسر ثقافة الهزيمة؟

  1. إعادة بناء الوعي عبر نقد ذاتي شجاع، بلا جلد ولا تمجيد.
  2. إحياء روح المبادرة الفردية بدل الاعتماد على المؤسسات فقط.
  3. إطلاق حرية الإبداع، لأنها النقيض الحقيقي للجمود والهزيمة.
  4. ترميم الثقة بالنفس عبر إنجازات صغيرة متراكمة.
  5. تبنّي خطاب جديد يربط الهوية بالقيمة، لا بالعجز أو بالماضي.

آخر الكلام أقول:

ثقافة الهزيمة ليست قَدَرًا، والهزيمة ليست نهاية. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة أن تتصالح مع انكسارها، وأن تتعايش مع ضعفها، وأن تجد مبررات يومية لعدم النهوض. أمّا أخطر الهزائم جميعًا، فهي تلك التي تسكن اللغة، وتستقر في الوعي، وتصبح جزءًا من طريقة النظر إلى الذات والعالم.

النهوض يبدأ من اللغة، ومن فكرة جديدة، ومن خطوة صغيرة… لكنه، قبل كل شيء، يبدأ من رفض الهزيمة بوصفها هوية.