جس النبض في حلب
في ليلةٍ شتائيةٍ باردةٍ عام 2014، كانت القامشلي هادئةً تستعد لتغفو تلك الليلة بهدوء، وفجأة اندلعت الاشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة بين القوات السورية وقوات الحماية الكردية. اختبأ الناس في بيوتهم، وازدادت الاشتباكات حدّةً. وبعد منتصف الليل بقليل، اتصلتُ هاتفياً بصديقٍ مقرّبٍ من القوات الكردية مستفسراً عمّا يحصل، فأجابني حينها: بعد ربع ساعة سيتوقف كل شيء. وبالفعل، لم تمضِ سوى خمس عشرة دقيقة حتى ران الصمت على المدينة، وكأنّ أحدهم ضغط على زرّ الإيقاف.
تذكّرتُ ذلك وأنا أتابع بقلقٍ ما كان يحدث في حييّ الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، والاشتباكات بين قوات الأمن العام وقوات "قسد". وبالفعل، تم الاتفاق على وقف إطلاق النار!!
إذا أردنا أن نسلسل الأحداث ما قبل الاشتباكات، سنجد أن وزير الخارجية الشيباني رفض استقبال قيادية من "قسد" في دمشق قبل أيام، وأنّ صباح أمس شهد لقاء المبعوث الأميركي توم براك والأدميرال تشارلز كوبر قائد القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية وقائد الأسطول الخامس للولايات المتحدة وقائد القوات البحرية المشتركة، مع قائد "قسد" مظلوم عبدي. ومساءً اندلعت الاشتباكات التي، على ما يبدو، كانت ضرورية لجسّ نبض الطرفين في حلب ولتحريك المياه الراكدة في المفاوضات بين دمشق والقامشلي. لذا، قد يكون مفاجئاً للبعض أن نجد اليوم عبدي قد ظهر في دمشق مع قياديين من "قسد" وأجروا مفاوضات مع "الشرع"، يصفها "كالعادة" توم براك بالإيجابية.
وتقول المصادر إنّ الاجتماع ركّز على كيفية تطبيق بنود اتفاقية العاشر من آذار الموقَّعة بين قيادة قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، وعلى المواجهات الأخيرة في حلب. بينما تحدثت مصادر أخرى عن وجود حديثٍ حول "اللامركزية"، ودمج المؤسسات، "مع بقاء ملف الشرطة الداخلية قيد النقاش".
نعم، كانت هذه الأطراف بحاجة إلى ترويع الآمنين في حييّ الأشرفية والشيخ مقصود والأحياء المجاورة، وإلى مزيدٍ من الدماء من الطرفين لتعود إلى المفاوضات من جديد، ولِيُذكّر الأمريكيون والأتراك من جديد بأنه بعد نهاية السنة الحالية (موعد الانتهاء من تطبيق اتفاق العاشر من آذار) لن يكون لهم أيّ تدخلٍ سياسي أو عسكري في حال فشل تنفيذ الاتفاق من قبل "قوات سوريا الديمقراطية".
ما يحدث لسوريا وللسوريين أصبح خارج المنطق والمعقول، وبات عبثياً وكارثياً إلى أقصى الحدود، لأنّ كل ما جرى من قبل — من "إعلان دستوري"، و"حوار وطني"، و"انتخابات نيابية"، و"لجان تحقيق وتقصّي الحقائق"، وما إلى ذلك — كان عبارةً عن مسرحياتٍ سمجة جعلت المشهد السوري متشظّياً ومنقسما، فالسوريون لم يعد بإمكانهم احتمال مجازر جديدة، ولا مسرحيات جديدة، ولا فصائل مسلّحة، ولا حقوق مهدورة، ولا دورات عنف جديدة، ولا إسالة دماءٍ من جديد.
حقوق السوريين بمختلف أطيافهم ليست هبة أو مكرمة من الدولة، والخلاف حولها مكانه حوارٌ وطنيٌّ حقيقيٌّ دون إقصاءٍ أو إلغاءٍ أو تخوين.