جواز العراق الدبلوماسي "سبام" في صندوق العلاقات الدولية
الجواز الدبلوماسي في العراق رغم السُمنة المُفرِطة في الأعداد الصادرة منه، تجاوزت الـ 35 ألفا، لكنه نحيف القيمة الدولية. ترتيب هذه الوثيقة عالمياً هو 104. وبحسب هذا الترتيب فإن الدبلوماسي العراقي يستطيع زيارة خمسين دولة فقط بدون تأشيرة مسبقة. 173 دولة تفرض على العاملين في السلك الدبلوماسي العراقي الحصول على "فيزا" قبل زيارة بلدانهم، للحديث عمّا يحتاجهُ عمود إنارة السياسات الخارجية من طاقةٍ دولية.
الجواز الدبلوماسي يتفوَّق على نظيره العادي بسبعة مراتب فقط، حيثُ يقع الأخير في الترتيب الـ97 بحسب المؤشِّرات العالمية. العادي يُتيح للمواطن العراقي السفر إلى ثلاثين دولة بدون فيزا مُسبقة، أو الحصول عليها عند الوصول أو بشكلٍ إلكتروني. إذاً، الفرق بين الأحمر (الدبلوماسي) والأزرق (العادي) لا يعدو سوى عشرين دولة، لكنهما قريبان معا من قاع الترتيب الأسوأ عالمياً.
ما السبب إذا وراء ضجة إقرار تمتع البرلماني العراقي وعائلته بجوازٍ دبلوماسي مدى الحياة و بأثرٍ رجعي؟
دعاية انتخابية أم مكافأة نهاية الخدمة؟
إقرار تمتع حامل الجواز الدبلوماسي وعائلته بمزايا هذه الوثيقة الرسمية مدى الحياة، كان في يناير الماضي من عام 2025. نائبان طعنا قانونياً بهذا الامتياز في مارس ونهاية يوليو الماضي. المحكمة الاتحادية حكمت ببطلان الدعوة بحجة عدم امتلاك المُدَّعي لـ "الأهلية القانونية".
الدعايات السياسية من أجل التحضير لانتخابات نوفمبر القادمة بدأت مُبكِّرة - تقريباً منذُ مارس الماضي 2025 - عكس السنوات السابقة، حيثُ تنطلق قبل 90 يوماً كمُعدَّل. أهم الأسباب وراء الاستيقاظ الدعائي المُبكِّر هو الضغط الأميركي، الراغب بتصفية الأذرع الإيرانية في المنطقة سواء بالتشريعات المحليَّة للدولة التي تتواجد فيها تلك الأذرع، أو التصفية الجسدية.
واشنطن عبَّرت كذلك عن جديَّة نهجها التصفوي، برفضها الشديد لمأسسة المليشيات العراقية بالتشريعات النيابية - قانون الحشد الشعبي تحديداً – الذي جاء في مكالمةٍ هاتفية ساخنة بين ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي ومحمد شياع السوداني رئيس الحكومة العراقية في 22 من يوليو 2025.
بعد أربعة أيام كانت هناك مكالمة أخرى لتبريد أثر الأولى إعلامياً. في 31 من يوليو الماضي رفضت المحكمة الاتحادية النظر بسمة مدى الحياة لحامل الجواز الدبلوماسي.
العملية السياسية في العراق تستعد كما يبدو للقيام بإخراج مسرحي كبير على الأقل إن لم يكن جذرياً. الحِفاظ على مستقبلها يحتاجُ إلى مغادرة عدد كبير من السياسيين الحاليين وإبدالهم بآخرين. الراحلون عن خشبة المسرح يجب أن يضمنوا عدم مطاردتهم من قبل الصاعدين الجُدُد. هنا تأتي أهمية حمل جواز دبلوماسي مدى الحياة فهذه الوثيقة تُحصِّن حاملها في الخارج بحسب ميثاق فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961. كذلك إن أراد القادمون إلى اللعبة السياسية مُطاردة مسؤول فاسد فلن يستطيعوا ما دام مُتمتِّعاً بالحصانة الدولية وبالقوانين العراقيَّة.
أدلَّة وقرائن
أهمية الجواز الدبلوماسي لبعض السياسيين في البلاد، تنبع بحسب الباحث الأميركي مايكل روبن من إمكانية "نقل البضائع المُهرَّبة و الأموال المسروقة بطرقٍ غير مشروعة".
روبن وجد أيضاً أن العراق يحتاج إلى "500" جواز دبلوماسي لتأدية مهام السياسة الخارجية، لا إصدار 15 ألفاً بحسب مقالٍ له في عام 2022.
وزارة الخارجية العراقية أصدرت من 2019 وإلى حد مايو 2023 "عشرة آلاف جواز دبلوماسي لغير العاملين في السلك الدبلوماسي". المفارقة اللطيفة أن العراق كان لديه قبل العام 2022، عدد بعثات دبلوماسية (سفارات وقنصليات) تصِلُ بالكاد إلى ربع عدد دول العالم تقريباً، ولم تصِل نسبة "الثُلث" إلَّا في سبتمبر العام نفسه إذا اعتمدنا كلام روبن.
وظيفةُ بعضٍ كثير أو قليل من هؤلاء العشرة آلاف يتعلَّق بغسيل الأموال وتهريبها إضافة إلى التهرُّب الضريبي. بحسب سوابقٍ دولية فإنَّ هذه الجرائم هي الأكثر شيوعاً بين الحاملين لجوازٍ دبلوماسي على طريقة العشرة آلاف العراقية. البلاد عموماً تمتلكُ تقييماً بدرجة (20) في مؤشر ضرائب يستخدم عالمياً لتقييم جوازات السفر للدول.
تلك الدرجة تعني "السماح للمواطنين بـ التهرُّب الضريبي من خلال تغيير مكان إقامتهم"، مؤثِّرةً على الترتيب الدولي لجواز السفر العراقي وإبقائه في أسفل القوائم. طبعاً، وظيفة غسل المال القذر وجعله نظيفاً ستختفي مع منح سمة مدى الحياة لحامل الجواز الدبلوماسي.
أموال المسؤولين العراقيين وللأمانة نظيفة جدّاً وشرعيَّة بحكم القوانين الساريَّة. لهذا أنا لا أستطيع تفسير سبب اعتراف 68 في المئة من العراقيين بالانتماء إلى الطبقتين الدنيا والوسطى الدنيا، أو لماذا لا يثق 54 في المئة منهم بسُلطة القضاء، كانت 70 في المئة عام 2021، بحسب استطلاع "المجموعة المستقلة للبحوث" عام 2022.
عراق سوبر وآخر عادي
تثبيت سمة مدى الحياة في الجواز الدبلوماسي العراقي، يعني وجود شعبين يعيشان على الأرض العراقية. شعب سوبر أو "قوم نوح" على حدِّ تعبير أحد الدبلوماسيين العراقيين. ذِكر لي هذا الدبلوماسي الذي فضَّل عدم ذِكر اسمه بسبب تعقيدات عمله الحالي " لا توجد حالة مثل حالة العراق التي منحت جواز دبلوماسي للبرلمانيين بقانون مدى الحياة، لهم ولعوائلهم". أمّا الآخر فهو الشعب العادي الذي يتمتع بكهرباء وكرامة طيلة 24 ساعة في اليوم.
إعطاء الامتياز نوح إذا جاز التعبير، يتعارض مع المادة الـ14 في الدستور العراقي التي تضمن "المساواة بين العراقيين وعدم التمييز بينهم". لذا انصحُ ذلك القيادي في إحدى الأحزاب العراقية بعد مُباركتي له بإمكانية حصوله على جوازٍ دبلوماسي - إن لم يكُن قد حصل عليه - أن لا ينتظر حتى عمر الـ49 عاماً، ليرى إن كان ترتيب الجواز العراقي سيتحسن بمعجزة ما بعد عشرين عاماً.
عبَّر عن تلك الأمنية عام 2023 عندما كان بعمر التاسعة والعشرين. اعتذر له أيضاً باسم الشعب العادي عن "الصُدفة الجغرافية" التعسة التي جعلتهُ مواطناً عراقياً، وصعَّبت عليه مباهج السفر.
اقترحُ كذلك على الشعب العادي تقييم ما كتبت كرسالة مزعجة وردت إلى صندوق "سبام" في بريده الإلكتروني، لأن مؤشِّر الحريات المعتمد أيضاً في تقييم جواز سفره يعطي العراق الدرجة (10)، أي أنكَ أيها العادي تتمتع بحرية محدودة ساهمت بفوز جوازك عالمياً بلقب الأسوأ – بين المرتبة الثانية والثالثة - طيلة العشرين عاماً الماضيَّة.
ملاحظة: لم تستجب رئاسة الحكومة، المحكمة الاتحادية، ولا وزارة الخارجية للأسئلة التي أرسلتها إليهم لحين ساعة النشر. وعليه اتمنى من حامل الجواز العادي أن يؤمن بأنَّ مؤسسات العراق الرسمية تتعامل بمهنيَّة عالية ومسؤولية عظيمة فأنا لم انتظر سوى خمسة أيّام والله خلق الدنيا في ستة.