حرب استنزاف أم دعوة لهدنة طويلة الأمد

إيران صارت تجر إسرائيل إلى معارك لا تملك الأخيرة القدرة على تحديد مكانها وزمانها.


ايران تعرف جيدا أن إسرائيل ليست غافلة عما تفعله في سوريا


إذا كانت إسرائيل تفقد أعصابها فإن إيران لا تفقد شيئا سوى أسلحة قد لا تكون مهمة


ليس العرب وحدهم يشكون في نوايا ادارة بايدن فإسرائيل هي الأخرى صار الشك يقلقها

لا يُخفي الإسرائيليون مسؤوليتهم عن مئات الهجمات التي شنوها ضد ما يسمونها أهدافا إيرانية في العمقين العراقي والسوري.

أحيانا كانت إيران تضطر للاعتراف بعلاقتها بتلك الأهداف بسبب وقوع عدد من ضباطها قتلى نتيجة للهجمات الإسرائيلية.

في الغالب فإن إيران تكتفي بالصمت في مواجهة تلك الضربات حتى لو أصابت قواعد وتجمعات ومخازن أسلحة تابعة لحزب الله.

وفي كل الأحوال فإن إسرائيل لا تهاجم هدفا إلا بعد أن تتحقق من هويته. وكل الأهداف التي هاجمتها سواء على حدودها أو داخل سوريا قريبا من دمشق أو على حدود سوريا مع العراق كانت إيرانية.

فلا معنى لما يمكن أن يُقال من أن تلك الأهداف لم تكن إيرانية بشكل مباشر. ذلك لأن إيران قاتلت وتقاتل بأسلحتها من خلال وكلائها في المنطقة. لذلك فإن مَن يضرب حزب الله أو الميليشيات العراقية فإنه في حقيقة ما يفعل انما يضرب إيران بالرغم من أننا هنا لا يمكن أن نحكم فيما إذا كانت تلك الضربات توجع إيران أم لا.

تلك هي المسألة الملتبسة التي يقف امامها المرء حائرا ومستفهما.

فإيران تعرف جيدا أن إسرائيل ليست بغافلة عما تفعله. وهي حين ترسل السلاح إلى حزب الله في قوافل تمر بالعراق وسوريا فإنما تقدم حطبا جاهزا لنار تعرف أنها مشتعلة.

وبالتأكيد والحالة هذه فإن الموضوع كله يهدف إلى استفزاز إسرائيل واستنفارها عسكريا وهو ما اتضح من خلال المناورات العسكرية التي تقيمها بين حين وآخر على أراضيها الشمالية ووضعها لجيشها في حالة جاهزية لوقوع الحرب في أية لحظة.

لا تفعل إيران سوى أن تخطط لمعركة ستجري من طرف واحد هو الطرف الإسرائيلي. بمعنى أن إيران صارت تجر إسرائيل إلى معارك لا تملك الأخيرة القدرة على تحديد مكانها وزمانها.

وإذا كانت إسرائيل تفقد أعصابها فإن إيران لا تفقد شيئا سوى أسلحة قد لا تكون مهمة. فهي مطمئنة إلى أن الصواريخ التي تؤذي إسرائيل كانت قد وصلت الى حزب الله وهو ما تعرفه إسرائيل جيدا.  

سيموت لبنانيون وعراقيون ولكن طهران لن تشهد جنائز قادمة من سوريا. ذلك ما يقوي المعنويات. ليس في الداخل الإيراني وحده بل وأيضا لدى أتباع النظام الإيراني المنتشرين في العالم العربي.

فاللعبة الإيرانية باتت واضحة ومعلنة. اما إذا كان النظام السوري يواجهها بغباء فإن تلك مشكلة تدفع ثمنها سوريا التي صارت تتعرض بين حين وآخر إلى ضربات إسرائيلية هي في غنى عنها.   

واحدة من أعظم مشكلات سوريا تكمن في غباء نظامها.

ولكن هل الهدف الإيراني واضح بالنسبة لإسرائيل التي جُرت إلى ما يشبه حرب استنزاف من غير أن تنال من عدوها؟

لا يمكننا الإجابة على ذلك السؤال ولكن إسرائيل لا تملك سوى القيام بما تقوم به. ضرب الأهداف المعادية على أمل أن تدفع عدوها إلى الكف عن تصرفاته وهو ما لن يحدث أبدا ما دامت خسائر ذلك العدو البشرية صفرا.

في الخيال الإيراني أن إسرائيل ستتعب يوما ما من تلك الحرب العبثية لتبحث عن حل يريحها. وليس أمامها سوى اللجوء إلى طلب الهدنة. لا أسلحة مقابل لا هجمات.

أعتقد أن ذلك سيشكل بالنسبة للإيرانيين انتصارا.  

غير أن تلك الهدنة لن تتحقق بتأثير تلك اللعبة التي صارت إسرائيل على معرفة بأوهامها ما لم تصبح إسرائيل طرفا مشاركا في المفاوضات التي تتعلق بالنووي الإيراني وهو ما يمكن أن يطبق على السعودية.

لن تكتفي إسرائيل يومها بدور المراقب لأنها مثل السعودية تمثل الجانب الأكثر تضررا من سياسات إيران في التسلح. ستكون المشاركة الإسرائيلية السعودية في مفاوضات النووي الإيراني بداية عهد جديد في المنطقة. ولكن هل ستكون إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن جادة في اجبار إيران على تغيير سياساتها في المنطقة وانهاء دعمها للميليشيات المسلحة التي باتت تقاتل بالوكالة عنها؟

ليس العرب وحدهم يشكون في نوايا الإدارة الأميركية. إسرائيل هي الأخرى صار الشك يقلقها. ما فعله أوباما وهو صديق إسرائيل يمكن أن يفعله بايدن المعروف بعدم صداقته للعالم العربي. ولكن الامر هذه المرة يتعلق بأمن إسرائيل وهو خط أحمر بالنسبة لأية إدارة أميركية.

لذلك فإن أي هدنة بين إسرائيل وإيران لا يمكن الوصول إليها ما لم تعمل الإدارة الأميركية على انجاح الخطوة التي تسبقها وهي خطوة ستجد إيران بسببها أن حرب الاستنزاف لم تصل إلى نتائجها المرجوة.