"حكايات ما قبل النوم" تؤكد البعد التربوي لقصص الطفل

سلامة تعلب: أثبتت الدراسات أن لحكايات ما قبل النوم آثارًا إيجابية على الطفل تمس كافة جوانب نموه العقلية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية والجسمية.


هل يمكن التخلي عن حكايات ما قبل النوم مع وجود وسائل التسلية التكنولوجية؟


من أهم وجبات الأسر انتقاء الحكايات التي تعلي من شأن منظومة القيم

صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة كتاب حكايات "ما قبل النوم" للناقد الكبير دكتور سلامة تعلب، ويتناول المؤلف بالسرد والتحليل، طرق وأساليب الحكي للطفل في الثقافة العربية، ومدى تأثير ذلك على الطفل؛ من خلال عرض بعض النماذج من القصص، ويشير الكاتب إلى أن تراث أي أمة لا يخلو من القصص التي تحكيها الجدات والأمهات لأبنائهن وبناتهن، والتي تحملهم خلالها على بساط من الخيال؛ فقد كانت حكايات الجدات تعوض عن قصص التلفاز والألعاب الإلكترونية في العصر الحالي.
ويطرح المؤلف سؤلا في منتهى الأهمية؛ هل يمكن التخلي عن هذه الحكايات مع وجود وسائل التسلية التكنولوجية؟ ويقول لنا إن الإجابة الصحيحة لا؛ لأن وقت النوم يجب أن يظل وقتًا ممتعًا للطفل، ويستحب أن تحكى لهم القصص الخفيفة والمشوقة؛ فيتحول وقت النوم إلى وقت ممتع ومسل يؤدى إلى نوم هادئ.
تمكين الطفل من الحكي:   
ويري سلامة تعلب أن مشاركة الطفل في الحكي له فائدة كبيرة عليه؛ لأنه ينمي قدرته على الاستيعاب، ومن هنا يجب إعطاءه الفرصة ليحكي القصة بنفسه، أو جعله يشارك فى حكايتها من قبيل: هيا نحكى معًا، وفى مرحلة تمكن الطفل من القراءة؛ يمكن تشجيعه على القراءة؛ ليحكي هو بنفسه عند النوم، مع تخصيص جائزة مناسبة له.
ولحكايات الأطفال الشعبية دور بارز فى تثقيف الطفل وتربيته فى سنوات عمره الأولى؛ فهو حين يستمع إلى الحكاية التى ترويها الأم أو الجدة، أو سواهما؛ يمتص الأفكار التي تحملها، ويعمقها في نفسه، وقد يتحدد مسار حياته المستقبلية تأثرًا بما تبثه من قيم ثقافية ومضامين تربوية.
انتقاء القصص: 
ويرى الكاتب أن من أهم وجبات الأسر هو انتقاء الحكايات التي تعلي من شأن منظومة القيم؛ ويستشهد بالكاتبة مديحة مصطفى عمر والتي تقول: "وحكايات ما قبل النوم المروية للأطفال إذا أحسن اختيارها وتنقيحها وتقديمها لهم؛ تعتبر متنفسًا عن رغبات الطفل المكبوتة، وتعويضًا عن الحرمان الذى يشعر به فى حياته، وتخفيفًا عما يصادفه من ضغوط اجتماعية فى عالم الواقع، كما تسهم هذه الحكايات فى تنمية قاموسه اللغوي، واتساع خياله وخصوبته وثرائه". 

من عوامل إعجاب الطفل بالقصة وشغفه بها؛ ما تثيره شخصيات أبطالها من مشاعر في نفسه؛ فإذا ما أعجب بشخصية ما استطاع أن يتخيلها مجسدة أمامه؛ يفرح لفرحها، ويقلق لقلقها، ويشاركها همومها ومخاوفها

أما الكاتبة غراء حسين مهنا، فتقول في نفس الصدد: "كما أن الحكاية تبعث السعادة في النفوس، وتخلق جوًا من البهجة، وهذه وظيفة ترفيهية، ولكن للحكاية وظائف أخرى: تعليمية، وتربوية، وتهذيبية، ونفسية، وفكرية".                                           
ثقل الخبرات والثقافات: 
ويؤكد المؤلف على أن الحكاية - مسموعة أو مقروءة - تلعب دورًا مهمًا في تقديم الخبرات الأولى للقراءة، والتذوق الفني، والجمالي للطفل، بالإضافة إلى كونها أداة مهمة من أدوات التثقيف والترفيه التي يمكن أن تسهم مساهمة فعالة في تفتيح عقل الطفل، وتنمية ميله نحو القراءة. وهى أيضًا وسيلة تعليمية سهلة؛ لتنمية ملكة النقد والتذوق، والحكم الجمالي، كما يمكن من خلالها توجيه الطفل بشكل غير مباشر نحو القيم الاجتماعية والأخلاقية المرغوبة.
وعلى الرغم من هذه الأهمية الكبيرة والمؤثرة للقصة عمومًا، ولحكايات ما قبل النوم على وجه الخصوص؛ فإن الكثيرين من المربين، وأولياء الأمور لا ينتبهون إلى ضرورة مساعدة أطفالهم على اكتساب القيم الاجتماعية والأخلاقية المرغوبة، ونقل خبراتهم في الحياة بشكل غير مباشر، وجعل وقت النوم وقتًا ممتعًا، ولحظات سعيدة؛ يهنأ بها الطفل؛ لينهض نشيطًا إلى حضانته، أو مدرسته؛ فقد أثبتت الدراسات أن لحكايات ما قبل النوم آثارًا إيجابية على الطفل تمس كافة جوانب نموه العقلية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية والجسمية.
التربية بالقصة والدافع إلى التعلم : 
وتعد التربية بالقصة من أفضل الأساليب التربوية وأكثرها نجاحًا؛ حيث إنها مؤثرة جدًا في نفس الطفل، وتشد انتباهه سواء أكانت مسموعة أم مقروءة؛ لما تتميز به النفس البشرية من ميل إلى تتبع الأحداث والمواقف؛ رغبة في معرفة النهاية بشوق ولهفة، وعليه فإن الأسلوب القصصي يعمل على تربية النفوس وتهذيبها، وليس وسيلة للإمتاع فقط.
بيد أن المشكلة أن يطغى أسلوب الوعظ، والتلقين في القصة؛ لأن ذلك يجعل أطفالنا يملون، وينفرون من الكتاب المدرسي والأدبي معًا، حتى بات من المؤكد أن أمة "اقرأ" لا تقرأ.
وتتعدد محتويات الحكايات والقصص في مرحلة ما قبل النوم مثل: القصص الاجتماعية: والتي تدور حول العالم الواقعي المحيط بالطفل، وقصص الحيوان التي تتسم بالرمزية، وفي ظاهرها المتعة والتسلية، وقصص الخيال والخرافة التي  تعتمد على تنمية الخيال، أما القصص الفكاهية فهي من أهم ما يدخل المرح والسرور على نفوس، علاوة على قصص الخوارق، والقصص الديني: الذى يحكى سير الأنبياء والصحابة والصالحين، ولهذا النوع فوائد عقائدية، وروحية، ولغوية، وجمالية وافرة، تتناسب مع عظمة وجلال وتفرد النسق القرآني بنظامه الفريد المعجز.
الأثر النفسي للحكي:  
 ويرى  بعض علماء النفس مرد إعجاب الأطفال بالقصص والحكايات إلى أنها لون من ألوان اللعب الإيهامي الذى يحتاج إليه الأطفال الصغار احتياجًا شديدًا؛ نظرًا لتشبع الأطفال بعنصر الخيال، وقدرتهم على التجسيد إلى جانب ذلك أنها تشبه الحلم بالنسبة للأطفال؛ حيث يجدون في كل قصة شخصيات تشبه - من قريب أو بعيد - الشخصيات التي يقابلونها في الحياة. 
ومن عوامل إعجاب الطفل بالقصة وشغفه بها؛ ما تثيره شخصيات أبطالها من مشاعر في نفسه؛ فإذا ما أعجب بشخصية ما استطاع أن يتخيلها مجسدة أمامه؛ يفرح لفرحها، ويقلق لقلقها، ويشاركها همومها ومخاوفها؛ فإذا ما وصلت إلى الحل، وتهيأت لها السبل؛ شعر بسعادة غامرة؛ تنقله من حالة التوتر والترقب إلى حالة الهدوء والاسترخاء.