حمدي عابدين لا يرى تفوقا لنوع إبداعي على آخر

الكاتب المصري يواصل تجربته الروائية دون أن يتخلى عن كونه شاعرا تميزت رؤيته بتألق مدهش في اتكائها على تجليات مواجهة المهمش والمسكوت عنه.


الكتابة القصصية وليدة رغبة ملحة في الاستئناس بالحكايات، وحب الحواديت منذ الطفولة


شخصية جداوي النطع، فيها بعض الملامح الحقيقية، وهو موجود في كل مدن مصر

يواصل حمدي عابدين تجربته الروائية دون أن يتخلى عن كونه شاعرا تميزت رؤيته بتألق مدهش في اتكائها على تجليات مواجهة المهمش والمسكوت عنه في الحياة وتناقضاتها المثيرة، حيث يذهب إلى الرواية بمخزون من الحكايات الإشكالية في الواقع ورؤية عميقة نرى عليها آثار الشاعر في نظرته لدواخل الذات ورصده لتناقضاتها. 
بدأت تجربة عابدين منتصف الثمانينيات حيث كان حاضرا بقوة في المشهد الشعري، ولا يزال له حضوره من خلال مشاركاته في مجمل الفعاليات التي تحتفي بالشعر والرواية بشكل خاص. وقد قدم خلال هذه المسيرة روايتي "حجر جهنم" و"بيت مخلوع النعل"، وعدة دواوين منها "لكننا لسنا دائما على ما يرام"، "صانع العاهات" و"رجل الهاي لوكس" وفي هذا الحوار معه نتعرف على جوانب مضيئة في هذه التجربة.
بدأ عابدين من الشعر حيث قال "أحب كتابة الشعر، أما الآن فأجدني أفضل كتابة الرواية أكثر، لكني رغم ذلك لا أرى تفوقا لنوع إبداعي على آخر، فالشعر بالنسبة لي كالرواية، لا أرى أن أحدهما أفضل من الآخر، كل منهما يمنحني متعة من نوع خاص، ولا ألتفت للشعارات التي تنطلق لتميز فنا منهما على آخر، وأراها استهلاكية أكثر منها وجهات نظر نقدية تسعى لتطوير الفن، وزيادة مساحة تلقيه لدى الجمهور والترسيخ له. 

الرواية تعطيني الكثير من الحرية، فأنا أصنع الشخصيات، وأرسم ملامحها، وأدخل في حوارات طويلة معها، وأشكل بعضا من مصائرها  

وأضاف "نعم لديّ ديوان شعر انتهيت منه منذ فترة، وقد كان مفروضاً أن يصدر قبل رواية "بيت مخلوع النعل"، لكنني فضلت أن أنشر الرواية أولاً، بعدها سوف أدفع الديوان للنشر، لكن ذلك يحتاج لبعض الوقت، حتى أتيح لنفسي حرية التنفس، ومراقبة ردود أفعال القراء، والنقاد، لأني بالفعل أحب أن أستمع لوجهات النظر التي لا أرى فنا قادرا على النمو أو التطور بغيرها، هذا الكلام أعني به النقاد المخلصين الذين يقدرون دورهم ويعرفون قيمة ما يقومون به، مثلما يعرف الشاعر أو الروائي قيمة أعماله، لكن أصحاب الأكشاك ومحلات البقالة من باعة قصاصات النقد فأنا لا أعيرهم اهتماما ولا أسعى للاقتراب منهم.
وحول روايتيَّ "حجر جهنم" و"بيت مخلوع النعل" أشار عابدين إلى أنهما لم تكونا أول علاقة له بالكتابة السردية، وقال "سبقتهما رواية كنت قد أوشكت على الانتهاء منها، كانت مخزنة على جهاز الكمبيوتر، إلا أن أحدهم حذفها ووضع مكانها بعض الألعاب الإلكترونية لتسلية أبنائه، فعل ذلك لأنه رآها غير مفيدة وبها مشاهد وصفها بأنها "قليلة أدب".  
وأوضح أن الكتابة القصصية عندي وليدة رغبة ملحة في الاستئناس بالحكايات، وحب الحواديت منذ الطفولة، فقد كانت أمي وخالتي في زياراتها القليلة لبيتنا، وأخي الكبير منير هم منبع الونس ومصدر التسلية العجيبة والمدهشة، وما زلت حتى الآن أتذكر حكاية "أورير صاحب الوزتين والطير"، و" أمنا الغولة"، فضلا عن مسلسلات الإذاعة التي كنا ننصت لها في ساعات الظهيرة، وشكلت الكثير من خيالاتنا، وجعلتني أحب الاستماع للحكايات أكثر من مشاهدة التلفزيون، ففي الأولى أنا أشارك في رسم المشهد وأتخيل شكل الأشخاص وهم يتحدون، لكن في الثانية، تكون مساحات المشاركة محدودة جدا.
وأضاف: نعم في "بيت مخلوع النعل" و"حجر جهنم"، قبلها، توجد مساحة كبيرة لما يمكن تسميته، تفاصيل من أيام عشتها، ذكريات، وشذرات كثيرة حاولت لملمتها، لأصنع منها ما يمكن أن يقيني شرور كثيرة، أهمها النسيان فهو عدوي الأول، الذي أعمل على مواجهته يوميا، كي لا أسقط في براثنه، وأتعلم مما مر بي، كيف أعيش الحياة، وأتقيها في الوقت نفسه، أغالب بالكتابة الروائية، الظلام الذي يمكن أن يلف عقلي، وأسعى لكشف وفضح من مروا بي، ومررت بهم. 

رواية
كتبتها في ثلاث سنوات

وكشف عابدين أنه في بيت مخلوع النعل حاولت أن أستحضر ذكريات طفولتي التي عشتها في بلدتي مغاغة، كنا نسكن في منزل محاط بخليط من الجيران مسلمين، ومسيحيين، كانوا كثرة، وكان في نهاية الشارع كنسية كبرى، أظنها كانت ذات طابع أثري، كنا ونحن أطفال ندخل إلى ساحتها، لنحصل من الكهنة على القربان، وهو نوع من الكحك، كانوا يخبزونه في فرن بالداخل، لم يكن هناك في تلك المساحة الصغيرة التي يتشكل منها الشارع والكنيسة، سوى المحبة خالصة، وحقيقية، لم تكن النساء هناك يطبخن، أو يخبزن من أجل أسرهن أو عائلاتهن فقط، ولكن كان هناك دائما نصيب مقدر يصل لكل أسرة، كان بسيطاً أي نعم، لكنه ظل مصدر سعادة لنا نحن الأطفال الصغار. من هنا حاولت أن أستحضر هذه الروح بعد ما ساد في بلدتي والكثير من البلدان الصغيرة من حالات تعصب، رفضته، ورأيته غريبا على مجتمعاتنا، حاولت أن أضع أمام عيني وأعين الكثير، وضمائرهم، هذه الصورة المضيئة التي كنا نعيشها، وتملأ حياتنا بمعاني إنسانية أظن أننا كأهل حضارة جديرين بها، ونستحقها.
ولفت إلى أن شخصية جداوي النطع، فيها بالطبع بعض الملامح الحقيقية، وهو موجود في كل مدن مصر، هذا الشخص الذي لا يتمتع بأي قدرات خاصة على كسب المال، صاحب عقلية انتهازية، ولا قيمة عنده سوى للمال، وهو بهذه الطباع يتحرك كأنه السوس الذي ينخر في الجدران، أما فايق فقد رأيته، وأعرفه جيداً، وما زالت صورته ماثلة في خيالي، كان شاباً يمتلئ بالحيوية والنشاط، وسيما ومهندما في بذته العسكرية، رأيته مرات قليلة، ثم كانت غيبته طويلة، وعاد شهيدا محمولا على أعناق زملائه، وظلت أمه تنوح وتبكيه حتى رحلت هي الأخرى. 
وأكد عابدين أن هناك بالطبع مساحة عريضة من الخيال، على مستوى الشخوص والأحداث، لكنها ظلت محسوبة لخدمة العمل الذي سعيت لرسم عالمه، وتفاصيله، أما جغرافيا المكان، فقمت برسمها بدقة، حتى أنك لو زورت مغاغة، وأردت أن تذهب للأماكن التي يدور جزء من أحداث الرواية فيها، سوف لن تخونك قدماك، فقط أتبعها وسوف تصل إلى شارع الكنيسة، وقصر الأفوكاتو، الذي تم هدمه بالفعل، ولم يعد موجوداً.
وقال: كتبت "بيت مخلوع النعل" في ثلاث سنوات، ثم قضيت ستة شهور كاملة أعمل عليها، وقد قرأها عدد لا بأس به من أصدقائي الذين أثق فيهم، منهم الشاعر الكبير جمال القصاص، والناقد الدكتور يسري عبدالله، وقبلهما الإذاعية الكبيرة شيرين حبشي، التي شجعتني على النشر بمجرد الانتهاء من قراءتها في شهر فبراير شباط، العام الماضي ولولا تشجيع هؤلاء الكبار ما اتخذت قرار طباعتها حتى الآن، كما أن لصديقي الناشر محمد هاشم، مدير دار ميريت دور كبير في إصدارها في زمن قياسي، وقد شكل ظهورها في احتفال ميريت بمرور عشرين عاما على انطلاقها سعادة بالغة بالنسبة لي.   
ولفت عابدين إلى أنه "في "حجر جهنم"، أكتب حتى لا يصاب بالمرض، أو يموت، وقال: كانت الكتابة في تلك الأوقات بالنسبة لي نوعا من المقاومة، بعد أن وجدت نفسي في بلد لا أعرف شوارعها، ولا أسماء أحيائها، وأجهل طبيعة ناسها، كنت كمن يسعى لإثبات وجوده، وأنه ما زال موجوداً على قيد الحياة كل ساعة، وكل يوم، كتبتها في 6 شهور تقريباً، كانت التجربة الروائية الأولى بالنسبة لي، وظللت أعمل عليها طوال تسع سنوات، وقد وقعت عقد طباعتها مع أحد الناشرين، ثم سحبته، حتى جاءني صديقي الناشر الراحل أحمد إبراهيم، وقال لي لا بد أن تنتهي من هذا العمل، وتفرغه من روحك، ووعيك، وهذا لن يحدث إلا إذا قمت بنشره، لتبدأ في كتابة عمل آخر.
وأكد عابدين أن كتابة الشعر تحقق له متعة كبيرة، ولحظة الانتهاء من كتابة قصيدة لا تزال تشكل له متعة كبيرة، وقال: لكن الرواية تعطيني الكثير من الحرية، فأنا أصنع الشخصيات، وأرسم ملامحها، وأدخل في حوارات طويلة معها، وأشكل بعضا من مصائرها، لكنني أيضاً أشعر بكثير من السعادة حين أجد شخصية ما تستعصي على ما قررته بالنسبة لها، وتخرج عن إطارها ومسار الأحداث الذي رأيتها فيه، وترسم مصيرها بنفسها، في تلك اللحظات أضبط نفسي كثيرا وأنا أداعبها وأمزح معها.

ورأى أن الشخص الذي يعيش على إبداع سواه، ويظل ينتظر حتى ينشر كاتب أو مبدع عملا، ثم يقوم بقرصنته، والاستيلاء عليه، ليحصد منفعة أيا كان شكلها، لا يقل في رأيي عن أي لص جبان، عاجز عن الكسب من عمل يده، هذا الشخص مثل حرامي الغسيل الذي يسرق ملابس، تتسخ في يده لأنه يحاول أن يهرب بها فيجرها في الطريق، فتتحول إلى ممسحة للشارع كلما زادت خطاه وسط الظلام، لكن للأسف هذا النوع من العائشين على إبداعات غيرهم، موجودين وبكثرة، ويتمتعون داخل مجتمعاتنا بأوصاف هم أبعد ما يكونون عنها، وهذا بالطبع بدعم مالي لا يعرف شيئا اسمه الضمير، ولا علاقة له بأي نوع من المبادئ التي من المفترض أن الفن يصنع من أجل ترسيخها، والعمل على غرسها في المجتمعات، لكن ما يجعل هؤلاء اللصوص يستمرون في جرائمهم هو غيبة القانون الذي يكون في حالالت كثيرة عاجزا عن إثبات حالات القرصنة، وعزوف الكثيرين من المعتدى على حقوقهم الفنية عن الدخول إلى ساحات المحاكم. 
واختتم عابدين حديثه بأنه يتمنى التعامل مع مؤسسات النشر الحكومية، فقد قمت بطباعة أول ديوان لي عام 2000 في هيئة الكتاب المصرية، وهو "لكننا لسنا دائما على ما يرام"، لكن الحقيقة أن هذا يحتاج إلى انتظار قوائم نشر طويلة، وبيروقراطية لا قبل لمثلي بها، كما أنني أحب أن أمارس حريتي كاملة في الكتابة، وهذا لا تتحمله مؤسسات وزارة الثقافة، فهي تبحث عن أعمال مقلمة الأظافر، ترسخ لها وتمنحها الجوائز، وتتباهى بما تضعه على وجهها من مساحيق، تخفي الكثير من البثور في وجه المجتمع، وتمنحه ملامح مستعارة.