حول مدنية الدولة السودانية

تنظر الخرطوم إلى انضمام الحلو لقافلة السلام على أنه يسد واحدة من الثغرات الأمنية.


حسم توقيع البرهان على إعلان المبادئ الجدل الدائر حول رفض المؤسسة العسكرية مبدأ تعميم الدولة المدنية


قلل القرار الهواجس بشأن مواصلة فلول البشير تأثيرهم على القرارات المصيرية


الخطوة عززت الانسجام والتفاهم بين المكونين العسكري والمدني في السودان

قطع اتفاق إعلان المبادئ الذي وقعه الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في جوبا مع عبدالعزيز الحلو قائد الحركة الشعبية-شمال، الأحد، الطريق على من يريدون العودة للمتاجرة باسم الدين في البلاد، حيث قضى الإعلان بفصل الدين عن السياسة والتأسيس لدولة المواطنة التي ينكرها التيار الإسلامي.

ظل الحلو متمسكا بفكرة علمانية الدولة السودانية وتضمينها في الدستور كي يمنع حدوث التفافات في المستقبل من قبل قوى متعاطفة مع نظام الرئيس السابق عمر البشير، تتبنى طروحات تصب في خطابه السابق الذي استحسن الركون للدين لتحقيق أغراض سياسية مختلفة، بما أثر سلبا على وحدة البلاد وجار على حقوق جماعات عرقية في الهامش والأطراف عانت من عواقب استمرار التوترات والنزاعات.

بعث توقيع البرهان والحلو برسائل في أكثر من اتجاه. فهو حسم الجدل الدائر حول رفض المؤسسة العسكرية مبدأ تعميم الدولة المدنية، وقلل الهواجس بشأن مواصلة فلول البشير تأثيرهم على القرارات المصيرية. وأزال مخاوف قوى سياسية استشعرت أن هناك رغبة لسيطرة الجيش على مفاصل الدولة المدنية، والنكوص عن الوثيقة الدستورية وتعديلاتها، والتي تدار بموجبها المرحلة الانتقالية.

كما أن الخطوة عززت الانسجام والتفاهم بين المكونين العسكري والمدني في السودان. فقد سبق أن وقع عبدالله حمدوك رئيس الحكومة على إعلان مماثل مع الحلو في أديس أبابا، في سبتمبر الماضي، ولم يتم البناء عليه في حينه، وجرى لغط حول وجود خلافات هيكلية بين مكونات السلطة الانتقالية منعت تنفيذه.

وبتوقيع رئيس مجلس السيادة قبل أيام تتزايد القناعات المشتركة وتفتح المجال لاستكمال الوصول إلى سلام شامل. فدخول شخصية بوزن عبدالعزيز الحلو عملية المفاوضات برعاية جوبا الأيام المقبلة يعد إضافة للجهود الرامية لاستيعاب جميع الحركات المسلحة في دولاب الدولة، ويفتح الباب أمام من يريدون تحقيق السلام.

أثمر توقيع اتفاق جوبا للسلام بين الخرطوم والجبهة الثورية التي تضم حركات مسلحة وتنظيمات سياسية في أكتوبر الماضي، عن نتائج ملموسة ساعدت في تخفيف حدة التوترات في إقليم دارفور، وفي غالبية المناطق التي نشط فيها المتمردون، ووضع حدا لتطلعات البعض للدخول في سرديات عسكرية جديدة، خاصة أن بنود الاتفاق الأول تسير بوتيرة جيدة، رغم التعقيدات التي خلفها حمل السلاح فترة طويلة.

أصبحت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية السلام جزءا من السلطة بشقيها، مجلسي السيادة والوزراء، ويدور نقاش حاسم حول اختيار أعضاء المجلس التشريعي، وولاة الولايات حاليا وفقا لتقسيمات وحصص ارتضاها الجميع، بما يحفظ للدولة وحدتها، ويمهد لإجراء انتخابات عامة تضع البلاد على طريق الأمن والاستقرار.  

تنظر الخرطوم إلى انضمام الحلو لقافلة السلام على أنه يسد واحدة من الثغرات الأمنية في الجنوب، فالرجل تحت قيادته العسكرية قوات هي الأكبر عددا وعتادا في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وعدم انضمام الحركة لعملية السلام يجعل فوائده ناقصة، وربما تتحول إلى منغص في الخاصرة الجنوبية، وتعيد إلى الأذهان مرحلة سيئة من الحرب الأهلية تكبد فيها السودان خسائر باهظة.

تقع غالبية هذه القوات في جنوب البلاد، وفي منطقة ليست بعيدة عن إثيوبيا التي دخلت ميليشيات تابعة لها في حرب على الحدود مع السودان، بسبب استيلاء الأولى على منطقة الفشقة، وهي منطقة تابعة للثانية، وعندما استردها الجيش السوداني وتمكن من السيطرة عليها أبت أديس أبابا التسليم بهذه النتيجة، وتحرض عصابات الشفتة المدعومة من الجيش الإثيوبي بتهديد حياة المواطنين السودانيين في هذه المنطقة.

تخشى الخرطوم من أن تلجأ إثيوبيا إلى الحرب بالوكالة الذي أجادته في فترات سابقة، وأسهم في تغذية الصراعات على الأطراف، وكان أحد العوامل التي سهلت عملية انفصال جنوب السودان عن شماله.

وتعمل السلطة الحالية على تحاشي تكرار هذا السيناريو بالسعي لاستيعاب جميع القوى الراغبة في السلام، والتفرغ للبناء والإصلاح، ومواجهة التحديات الإقليمية، مقابل العمل على وضع لبنات أساسية لدولة تمنح الحق للجميع في مبدأ المواطنة، وتبغض التفرقة والعنصرية التي كانت أحد أسباب سلخ جزء من البلاد.

وصلت أصداء موافقة القيادة السودانية على إعلان المبادئ وما يتضمنه من قواعد ترمي لدولة مدنية إلى جهات غربية ساورها قلق من حدوث انتكاسة تؤدي إلى عودة الحركة الإسلامية لصدارة المشهد السياسي، وجعلها أكثر اطمئنانا في حفاظ السلطة الانتقالية على النهج الديمقراطي الذي تريد استمراره، بما يدفعها للتجاوب مع متطلباته وتخفيف حدة الأزمات الاقتصادية التي انعكست على شريحة كبيرة من المواطنين.

أكدت الإشارات التي جاءت من جانب قوى دولية متباينة والتلميح بفرض عقوبات على المتسببين في عرقلة السلام، في حض الحركات المسلحة على الانخراط في مسيرته، وهو ما أسهم في وضع حد للفوضى أو التعويل على العودة لصيغ قديمة في الاعتماد على قوى خارجية بحجة المظلومية الضغوط التي يكابدها سكان الهامش، وبالتالي فقد رفع السلاح في وجه الدولة منطقه الذي جرى العمل به لعقود طويلة.

عزز حرص السلطة السودانية على الأخذ بناصية السلام حتى نهايته في تضييق مساحة المناورات أمام الفصائل التي تتبنى خطابا يرفع شعار الحرب ويتجاهل التطورات الكبيرة التي حدثت في البلاد وقادت إلى تسويات نوعية لأزمات متعددة.

يعد إعلان المبادئ الأخير أكبر من حصره في مسألة فصل الدين عن الدولة أو مكايدة القوى الإسلامية المتربصة، لأنه حوى مضمونا يعالج الكثير من الإشكاليات التي لعبت دورا في استمرار نزيف الحرب فترات طويلة، وحالت دون الوصول إلى دولة قوامها المواطنة التي يحلم بها قطاع كبير من السودانيين.

في كل الأحوال، يمثل اتفاق البرهان- الحلو اختبارا عمليا لقوة المؤيدين للدولة المدنية والمناهضين لها، والتعرف على مدى ما يمثله المنتمون للحركة الإسلامية والمتعاطفين معها من وزن نسبي في السودان، بجانب القدرة على تنفيذ ما يتضمنه إعلان المبادئ من قيم أخلاقية ودولة عصرية لدى جميع الأطراف.