حياة قاصدي .. أرطوفونيا الدلالة

تسربل الدلالة والمدارات، وتستنطق المأمول والموئل معا لتعكس صفحة الماء الآسن إلى مرآة وسناء أفق ورافد أمل.


لا تخلو قصيدة من قصائدها من مناجاة التي خلقت من ضلع آدم


لفيف بوح ملائكي في زمكانية الماورائية

لم تفتح مرسيليا يوما صالوناتها للمزاد العلني أبدا، ولا مرافئها أصيلا لتحليقات  السنونو عبثا ولا قمح العشية المصدّر لأفريقيا مددا.
الشاعرة والروائية، حياة قاصدي انطلاقا من محميات مرسيليا، تصنع القمح نذرا للعشية وللحمام بمشارف ميناء ذات المدينة النائمة على سهاد الحرف والدلالة. وهي لا تصدّر كساد المعنى، ولا المساءلة بقدر ما هي مدير عام دار الأمير للنشر مسؤولة، لا مشلولة، تحتوي في كنه مدارجها وبوارجها رحيق الصلابة، ودفء أرطوفونيا الدلالة لمن تعسر عليه الحديث بوحا. ترتدي نون النسوة أمّا وأختا وصديقة، ترتديه حنانا وعطفا وجهدا مبذولا على أصعدة كل المدارات، فهي لا تذخر ما لديها من جهد وإمكانيات بمجموعة "دار الأمير للنشر" لإبراز ونفض الغبار عن القدرات والمؤهلات الشبابية راعية لهذه المواهب، بصدق ووهج طفولة، وتفان ودراية معرفية، فهي تحتضن الجميع وإن لاحظت هنّات ببعض الأعمال، فلا تعير لهذه الإخفاقات الفنية، ما يجرح أصحابها أو ينقص من عزيمتهم وطموحاتهم في معانقة الحرف، فهي لا تحفر الحُفر، ولا تصب الماء في الزيت، بل تسعى لرفع الغبن عن الصامتين، المغمورين، تستأثر وتستمرئ إنعاش الأرطفونيا : نغما وبوحا سمفونية وأناشيد للأجيال القادمة .
لا تلبس أبدا أردية المجارف، حين تقف إزاء عمل ما، تعقيبا، تثمينا، أو ترويجا ولو على حساب بعض الهفوات في عمل ما، سردا، شعرا، أو حتى بوحا نثريا خافقا .
يحلق كما سنونو المرافئ بمرسيليا نبضها، وهي التي اكتوت بهجير ولهيب الغربة فتصدر هذا النبض حنانا لرص الصفوف، بحكمتها واتزانها، وحتى الماء الراكد في بِرك الغربة، تستنطقه وهي التي تكتب عن الغربة، وعن مواجع المرأة، وعن منفى الذات منها إلى ذاتها التواقة .
تسربل الدلالة والمدارات، وتستنطق المأمول والموئل معا لتعكس صفحة الماء الآسن إلى مرآة وسناء أفق ورافد أمل.
الشاعرة، الروائية حياة قاصدي لا تتغدى بتراب الحفر، ولا بفضلات الطيور، فهي تحمل الورد غذاء والشفاعة للحرف وشاحا ولواء للوطن الأم / الجزائر، بل بالعكس هي من تغذي كل "حالة" أرطوفونية لينطق صاحبها أو صاحبتها، وتحمل أزاهير الأمل، تنطق بأفواه الشعراء وبلسان حال المرأة المكبوتة.
خير دليل قصيدتها " من قال أنت أنثى " انعكاس لمثل هذه الرزايا وهذه المرايا "الارطوفونية " أي من قال أنات أنثى ."  وغيرها من قصائدها في هذا المنحى .
مفاوز بيداء ومغانم وشفاعة قلب حنون
على فنن الكرز تنسج زفراتها لتحمر بلون الرمان أنوثة مقهورة، فيحرج الصوت من فم " الارطروفونيا" سيمفونية المأمل.. وماء زلالا.
توقظ منمنمات الصياح لتزهر ربيعا وسناء .. وحديقة فيحاء .. وحقيقة مجسدة..
إذا كان الشاعر الفرنسي العطوف آلان بورن Alain Borne يوزع هو الآخر على العامة والعشاق قمح السنابل مواجع ومؤانسة ومؤازرة شأنه شأن نظرائه ومعاصريه وأحبابه لويس اراغون وبول ايلوار، كل واحد منهم حسب منعطفاته ومنطلقته الفكرية، الإيحائية يوزع قمحه وسنابله، وحتى تمرد بول إليوار ضد غزو النازية لفرنسا وهو، يوزع شظايا مواجعه وتذمره من صوت القنابل، فإن الشاعرة الأديبة الروائية حياة قاصدي تنثر سنابل القمح بأرصفة مرسيليا لتصل مؤونة في كل مطمورة شاعر وشاعرة موهوبة، فتنسج له مخابئ لحروفه ليقتات وطيوره من حقول دار الأمير.
هي من توفر الدفء / شفاعة للمرأة، للموهوب الشاب على مد مداراتها.
ففي روايتها" خريف عمر فقد أوراقه" عصا الذاكرة والأحلام نفوق للمواجع، تسدي فيها للمرأة دلالة المنحى سردا وسرودا للأخريات، اللواتي لم يضعن حملهن بعد.
إلى ذوات الأحمال تغني، إلى المقهورات تغني، وتنشد إلى المنسي تنشد، إلى كينونة البقاء والصيرورة، تنشد وتشد عضد كل مشتاق إلى الحرية والإنعتاق، حتى يعلو الصوت من عنق " الأرطوفوينا ".
لا تخلو قصيدة من قصائدها من مناجاة التي خلقت من ضلع آدم، تسديها ملح الجيرة والمؤزارة وطعام المنافي.
الشاعرة حياة قاصدي لا تتوانى لا تفتأ لحظة من أجل السعي إلى إيصال الصدى والقمح المقموع بين قضبان النفي إلى مسامع المدارات.
تقول في إحدى قصائدها من أحد دواوينها وهذا أبلغ دليل لمرافعتها: "

novel
أنوثة مقهورة

"منعت مروري
جداريات الخيانة
تعرف عهدي
أنا التي أحببت الأرض حين أحبتك ..
عشت حينا دون نبضك .
أملي فيك لا ينضب
وأنا التي وهبتك خصب نفسي
لن أحمل خارج أرضك
لن تُجهض أحلامنا
أجنتها
سنرسم معا في خيالنا
ربيعا موشحاً بالحنين..
وشتاء ماطرا " ..
وتقول أيضا من الديوان نفسه، في المرافعة نفسها في قصيدتها " أعترف":
"علمني درسك يا سيدي
كيف أبني المشانق للأحلام
وكيف أعانق الجرح
وأرسم لك صورا من دخان
كيف أعبر القارات
وأنا في سجن أسواره
من سنابل القمح
وقصب السكر
وأعواد الخيزران.
وفي روايتها "خريف عمر فقد أوراقه عصا الذاكرة والحالم " لا تفارقها تحليتها القزحية  وهي ترافع للمرأة للغبن الاجتماعي، خاصة المرأة المقهورة.
ضمن هذه المدارات يدور فلكها حول مداراتها ومدارات من حولها.
الشاعرة والأديبة الروائية، حياة قاصدي هي الحواس وهي الحالات الاضطرابية، الاصطبارية الهادئة، هي من توزع القمح كما يوزع التمرد الشاعر إيلوار محفوفا بالثورة الكامنة حيال الاحتلال النازي وعلى القهر الاجتماعي البورجوازي.
الشاعرة قاصدي تلتقي مع الشاعر إيلوار في عدة روافد، هو يحمل الثورة، بين مناكبه، وهي تحمل تلك الحمولة بين مناحيها ومشارف أسوارها لتبنى أسوارا أخرى تقي كل مغبون من ضيم ما وراء السور مهما كان.
هي من تعلن -  وقد قرأتُ أغلب نتاجاتها السردية والشعرية-  ولاءها للمعوزين والغلبة، هي من تحرس الملموس في المحسوس من ورائية زمكانية، لا تعدو إلا ثورة إيلوارية (نسبة إلى الشاعر الفرنسي بول إيلوار)، بكل المقاييس، وإن كانت ثورتها لينة، بالقياس مع صلابة إيلوار، فإنها تلتقي وإياه على عدة أمواه شلالات، وكذا مع أرغون.