خطاب اجتماعي مُعلَّب في قالب بصري بلا روح 'خلف أشجار النخيل'
تقدِّمُ المخرجة مريم بن مبارك في عملها الثاني "خلف أشجار النخيل" إطاراً سينمائياً يُعالج ظواهر اجتماعية مُحدَّدة، وذلك بعد النجاح الذي حققه فيلمها الأول "صوفيا" على مستوى الجوائز، بينما تُثيرُ هذه العودة تساؤلات حول مدى قدرة المخرجة على تطوير خطابها البصري وتجاوز حدود الطرح المُسبق، خاصةً وأن الفيلم يندرج ضمن قسم العروض العالمية الأولى بمهرجان مراكش، إذ تُشيرُ المعالجة السينمائية إلى نزوع نحو التناول السطحي لموضوعات مُستهلَكة، جعلته أقرب إلى أفلام التسعينات المخصصة للمراهقين، ويُمكنُ وصف هذا التموضع بأنه اكتفاء بـ تجميع الكليشيهات ضمن قالبٍ بصريٍّ مكشوف، وخالي من أي حسٍّ جمالي أو وعيٍ إجرائي بمُتطلبات سينما المؤلف. ويتبلورُ السرد المركزي لفيلم "خلف أشجار النخيل" حول ثنائية التناقض الطبقي والاجتماعي المُتمثّلة في العلاقة بين "مهدي" و"ماري"، وهو مسار قصصي يتسم بالنمطية والتوقع المسبق.
ويسعى العمل إلى بناء تباين حاد بين فضاءين متناقضي، ضيق الحياة الشعبية في الأزقة والبيوت البسيطة، ورحابة الفضاءات البورجوازية المُمثلة في الفيلات الفخمة والاحتفالات الراقية، ويُعزِّزُ اختيار مدينة طنجة هذا التباين بكونها فضاءً جغرافياً وثقافياً يتأرجح بين الهويتين الأوروبية والمغربية، ليُكرِّس فكرة الازدواجية الأخلاقية والاجتماعية، ويُحوِّلُ هذا التباين البصري والفكري الصارخ لاحقاً إلى خطاب اجتماعي وعظي، ويُختَتَمُ هذا المسار بتحميل البطل "مهدي" رمزية الغراب الذي يُحاول تقليد الحمامة، وهي استعارة تُعيد إنتاج الدرس الأخلاقي التقليدي بشكل مباشر.
يُسجِّلُ التحليل انخفاضاً ملحوظاً في "درجة التوتر" الكاميري والدرامي مقارنة بالعمل السابق للمخرجة، إذ كانت "صوفيا" تفكك النفاق الاجتماعي بحدّة بصرية عالية.
وتُعيدُ بن مبارك في هذا الفيلم تدوير القالب الفكري ذاته، مُنخرطةً في خطابا نسويا انتهازياً ومرتبطاً بتقديم سردية التحرّر ضمن إطار استشراقي أنيق يُناسب التلقي الخارجي.
وتتَّسِمُ البنية الشكلية بغياب أي مغامرة بصرية حقيقية أو استكشاف لخطة ضوء مُبتكِرة أو تشظٍّ لزمن السرد.
وتُؤطر متتاليات المشاهد على نحو يُثير الريبة احيانا، مُفضِّلةً الحفاظ على مسافة آمنة دون الاقتراب من هشاشة الوجوه أو ملامسة اضطرابها الداخلي. ويُنتِجُ هذا البرود البصري صمتاً يُخفِّف من النبض الإنساني للمشاهد، مُحوِّلاً الجمال الشكلي إلى بديل عن العمق المعنوي.
ويعرف بناء السيناريو فحص البنية النصية والدرامية للفيلم ضعفاً هيكلياً يتمثّل في غياب الوظيفة الدلالية للعديد من العناصر السردية والبصرية المُقحَمة، كما يُعاني بناء الحوار من فراغات قاتلة، ويفتقرُ إلى الثراء المعرفي أو العمق النفسي الكافي لتأسيس شخصيات مُقنعة أو دفع مسار القصة الى الامام، بينما هناك فشل في توظيف مشاهد جنسية لا تخدم السياق الدرامي الضروري، وتظهر كـ إقحام مجاني يهدف إلى الإثارة السطحية دون أن يكون لها مبرر فني أو دلالي واضح ضمن رؤية المخرجة.
وتُشكِّلُ هذه المشاهد الحسية وهيكل الحوار المهزوز دليلاً على أن العمل يفتقد لـ الرسالة المُتكاملة أو الفكرة الجوهرية التي تبرر إنتاجه.
ويَنتُجُ عن هذا الضعف السردي شعورٌ بأن العمل فقد بوصلته الأساسية ورسالته المُعيّنة.
ويُفاقِمُ من الإشكاليات البنيوية للفيلم الاختيار الصوتي غير المُوفَّق، والمُتمثِّل تحديداً في توظيف موسيقى الشاب عمر ضمن سياقات شهوانية، إذ يَكشِفُ هذا التضمين عن تناقضٍ حادٍ؛ فبدلاً من أن تعمل الموسيقى الشعبية كـ مُعزِّز دلالي أو كأداة توثيق إثنوغرافي للمشهد الاجتماعي كما يُلاحظ في مقاربات نبيل عيوش أحياناً، فتتحوَّلُ إلى عنصر مُقحَم لا يخدم الأسلوب البصري الرصين الذي تحاول المخرجة تأسيسه. ويَبتعِدُ هذا الاستخدام عن حساسية سعيد حميش بن العربي أو مريم التوزاني كتوجه فرونكوفوني في توظيف الفضاءات والموسيقى كمُكوِّن عضوي للسينما، لكنه واضح المعالم الممولة.
وتُؤكِّدُ هذه النماذج أن الفيلم صُنع ليُرضي النظرة الأوروبية المُنتظِرة لنمط مُحدَّد من التناقضات مثل الكبت والنفاق الاجتماعي، عوض من التعبير عن رؤية داخلية أصيلة.
ويبرز الأداء التمثيلي للغالبية مع حالة البرود البصري، ونوع من الحياد الانفعالي الذي يفتقر إلى الصدق في التشخيص.
وتُبرز الممثلة نادية كندة استثناءً، كونها تطرح حضوراً يفيض بالمحاولة الجادة في الاداء . وتُعتبَرُ المفارقة هنا هي تهميش هذه الطاقة التمثيلية المُتَّقِدة داخل البنية السردية الشاملة، بالرغم من قدرتها على لعب دورها بصدق .
ويُهيمنُ على الفيلم ما يمكن تسميته بـالنظرة المزدوجة، ابي تنتمي المخرجة إلى المجتمع لكنها تصوّره بمنظور خارجي استعلائي. ويَنتُجُ عن هذه الازدواجية خطاب وعظي مُكرَّر، يسعى لانتقاد الذكورية والازدواجية الأخلاقية، لكنه يفعل ذلك بطريقة تُلبِّي التوقعات الغربية المُسبقة عن الكبت والنفاق الاجتماعي.
ويبقى الفيلم المغربي ذو الانتاج الاجنبي المكثف يُعاني من إشكالية غياب الفكرة والرؤية الاخراجية والابداع السينمائي، ليُشكِّلَ فيلماً يتنكّر في صورة السينما المغربية المغربية.
ويُشيرُ طابع الإنتاج البلجيكي الفرنسي المغربي المُشترك إلى غياب هوية بصرية أو ثقافية واضحة للعمل، كونه يَستهدِفُ بشكل ضمني إرضاء نظرة الآخر وتصوراته السلفية، بدلاً من الدخول في مُقارَعة نقدية أو فنية مع الذات.