دعوة إلهام شاهين للتبرع بالأعضاء تفتح الحديث عن تجديد الخطاب الديني

ضجة كبيرة أثارتها الفنانة إلهام شاهين على مواقع التواصل الاجتماعي بعد إعلانها إعلانها عن رغبتها التبرع بأعضاء جسدها بعد الوفاة لإنقاذ المرضى، الأمر الذي أحيا فتاوى تحرّم التبرع وكشف عن ترسّخها في عقول الناس مقارنة بفتاوى حديثة رسمية تجيز التبرع باعتباره عمل إنساني وصدقة جارية.


فتاوى التحريم مترسخة أكثر من فتاوى المجامع ودور الافتاء الرسمية المحللة للتبرع


الحسم في مسألة التبرع بالأعضاء والقضايا المجتمعية في صلب تجديد الخطاب الديني


التجديد يعني التصويب لا المس بالنصوص القطعية

القاهرة - أثارت تصريح الفنانة المصرية الهام شاهين حول تبرعها بأعضائها جدلا يتجاوز حدود موضوع التبرع بحد ذاته لينفتح على حوار أوسع يتعلق بتجديد الخطاب الديني ومجالات هذا التجديد والحدود الفاصلة بين النصوص القطعية والتراث والتقاليد المجتمعية.

العلاقة بين الجدل حول التبرع بالأعضاء وفكرة تجديد الخطاب الديني طرحتها الآراء المنقسمة حول هذا الموضوع. وجاءت المقاربة من خلال جولة في مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت فضاء رحبا لكل طرف ليدل بدلوه ولاستكشاف كيفية تعاطي الفئة الأكثر تأثّرا وتأثيرا في المجتمع مع مثل هذه المواضيع. وأيضا جولة بين مواقع الفتاوى والاستفسار في الدين والتي تكشف انقساما حول الموضوع وفق انتماءات كل موقع وتوجهاته وعلماءه المراجع.

اللافت في متابعة الجدل الذي أثير ليس الآراء المنقسمة بين مؤيد ورافض، بل كيفية التعاطي السلبي للرافضين للفكرة مع الأمر الذي وصل حد التكفير في المجمل والتجريح الشخصي للفنانة بشكل خاص، وكيف يبرر هؤلاء الرفض بحجج تجاوزها الزمن وأفتت بعكسها جهات متخصصة.

قالت الفنانة إلهام شاهين: «أنا أعلن إنه إذا كان مني أي حاجة تصلح للتبرع، لأن التبرع له سن معين، فأي جزء يصلح مني فأنا بتبرع به وأعلن ذلك على الملأ، وأتمنى أن نعمل كده، لأنه في الآخر جسمنا هياكله )سيأكله( الدود فالأولى يعيش إنسان بسببه".

لا يحمل التصريح ولا الخلاف حوله جديدا، لكن التفاعل الذي صاحبه أعاد طرحه من باب الحديث عن تجديد الخطاب الديني خاصة وأنه جاء في نفس الوقت مع جدل أثير حول إفتاء الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف بجواز توريث الأب لبناته، وأثارت الجدوى جدلا مماثلا من حيث التداخل بين الغايات المجتمعية المتوارثة والمقاصد الدينية في أحكام المواريث..

وكانت الكاتبة وعضو مجلس الشعب فريدة الشوباشي من أول من تفاعل مع تصريحات إلهام شاهين حول التبرع بالأعضاء، حيث حين نشرت فيديو على صفحتها على موقع فايسبوك تعلن فيه "تبرعها بكامل أعضائها بعد وفاتها لكم من يحتاج لها. كما قالت في تصريحات صحافية إن «التبرع بالأعضاء ليس حراما وأنا أشجع وأبارك فكرة التبرع للحفاظ على حياة إنسان آخر». وأشارت إلى أن هناك قانونا ينظم عملية التبرع.

وكانت الكاتبة المصرية صرّحت أيضا ف حديث تلفزيوني بأن «التراجع الديني محزن جدا، بالإضافة إلى تراجع القيم»، مشيرة إلى أنه«من أهم آيات القرآن الكريم بأنه من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».

التبرع قانوني

سنّ المشرع المصري في سنة 2010 قانونا ينظّم التبرع بالأعضاء، وهو أمر معمول به قانونيا في عدة دول عربية، حيث تُجيز السعودية والإمارات ولبنان والمغرب وتونس والعراق والأردن وقطر وغيرها نقل وزارعة الأعضاء والأنسجة البشرية، وفق شروط ومعايير يحدّدها القانون بما يمنع تحوّل الأمر إلى تجارة غير قانونية بالأعضاء.

وعلى صعيد التشريع، أفتى عدد من علماء الدين منذ سنوات بجواز التبرع بالأعضاء. وكان عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الشيخ خالد الجندي تدخل في الجدل الذي أثير بعد تصريحات إلهام شاهين قائلا إن "التبرع بالأعضاء ليس حراما"، وتساءل: «هل هناك أسمى من إنقاذ حياة إنسان؟ إنها رسالة كبرى".

بالمثل، قالت أستاذ الفلسفة والعقيدة بجامعة الأزهر آمنة نصير إن "إلهام شاهين على صواب، ولا مانع في الإسلام أن يكون هناك تبرع بالأعضاء لإنقاذ حياة شخص آخر"، مضيفة أن "التبرع عمل كريم يحيا به مريض، ويحمي الأعضاء من الفناء في المقبرة، مَن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".

وسبق أن حسمت دور الإفتاء في عدة دول مسلمة هذا الجدل. وقالت دار الإفتاء في مصر منذ سنة  أواخر السبعينات بجواز نقل الأعضاء شرعا، مؤكدة أنه من الوسائل الطبية التي ثبت جدواها في العلاج والدواء والشفاء للمحافظة على النفس والذات نقل وزرع بعض الأعضاء البشرية من إنسان لآخر، سواء من حي لمثله، أو من الميت الذي تحقق موته إلى الحي. وأثبتها شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي الذي أعلن تبرعه بقرنية عينه بعد وفاته.

وفي سنة 2009، اتفق أعضاء مجمع البحوث الإسلامية في مصر وعدة دول عربية والأطباء المشاركون في فعاليات مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف على جواز نقل الأعضاء من الإنسان “الذي يثبت موته موتا حقيقيا يقينيا طبيا وشرعيا وأن يقر ذلك ثلاثة من كبار الأخصائيين بالإجماع على أن يكون التبرع بدون مقابل مادي".

وأفتت قرار هيئة كبار العلماء في السعودية بجواز نقل عضو أو جزئه من إنسان مسلم حي أو ميت إلى مسلم آخر إذا دعت الحاجة إليه وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه".

الغلبة لفتاوى التحريم

يكاد يكون أمر تحليل وتحريم التبرع بالأعضاء حسم قانونيا وفقهيا، لكن الغالب يبقى لـ"التحريم" الذي بني على فتوى الشيخ محمد متولي الشعراوي التي قال فيها "لو الأعضاء ملك الإنسان لما عاقب الله المنتحر"، مؤكدا أنه لا يجوز التصرف بالتبرع أو الهبة أو البيع في شيء لا يملكه الإنسان.

وهنا بيت القصيد وفق الخبراء، ومكمن الانطلاق لتجديد الخطاب الديني. ويفسرون ذلك بقولهم إن التجديد لا يعني التغيير أو الإفتاء بما هو غير موجود أو المساس بالنصوص القطعيّة، بل هو "تصويب للخطاب الديني" على حد تعبير فريدة الشوباشي.

واعتبروا أن الحديث عن التجديد ظل مناسبتيّا، يستحضره السياسيون عند وقوع عملية إرهابية ذات بعد دولي. ثم يعود ليختفي دون توضيح أو تخطيط أو تحديد لمعنى هذا لتجديد والمطلوب تحقيقه، ما يجعل الكلمة فضفاضة ومحلّ انتقاد وتفسير معكوس من قبل السلفيين من جهة ومن جهة أخرى أنصار الإسلام السياسي الذين يتاجرون بدورهم بهذا المصطلح وفق ما تقتضيه المرحلة ويتعاملون معه مثل تعاملهم مع مصطلحات من قبيل "المدنية" و"الاعتدال".

ومن تعريفات التجديد إعادة النّظر في الموضوعات الرّائجة. وجدد الشّيء: صيّره جديدا حديثا.  وجاء في قاموس المنجد للويس معلوم أجدّ الأمر أي حقّقه وأحكمه واجتهد فيه.

ويلفت الخبراء إلى أن التجديد يجب أن يبدأ بتصحيح المفاهيم أولا وضبط السياقات، فمثلا تبقى فتوى الشيخ متولي الشعراوي الأكثر تداولا رغم قدمها مقارنة بفتاوى أخرى رسمية تجيز التبرع بالأعضاء نظرا لما يتمتع به "إمام الدعاة" من "قداسة" صنعتها السياسة والإعلام قبل كل شيء.

ويقول المفكر الدكتور خالد منتصر إن ما يقوله البعض بشأن أن «الجسد ملك لله» للتدليل على عدم جواز التبرع بأعضاء الجسد بعد الوفاة، يستهدف مغازلة تيار معين في المجتمع، كما أنها حجج أصبحت بديهية ومردود عليه".

موقع يوتيوب يزخر بفيديوهات الشيخ الشعراوي ومصطفى محمود، الذي حرم في برنامجه الشهير العلم والإيمان بدوره التبرع، وغيرهما من الشيوخ والدعاة من مختلف المشارب والتوجهات. ولا يمكن فرض وصاية على الناس وما يشاهدونه ولا منع تلك الفيديوهات، لكن دور التجديد يأتي هنا من خلال صنع التوازن لا بمهاجمة من اختلف الرأي معهم وبصنع محتوى معاصر قادر على ترك أثره، وبتجاوز مسألة "تقديس الماضي" فحتى الأعمال التي توصف بالدينية ظلت أسيرة تفسيرات السلف.

قضية مثل التبرع بالأعضاء مثلا نادرا ما تمت معالجتها في الدراما إلا في بعض الأعمال وتم التطرق إليها ضمن السياق العام للعمل لا كقضية مثار جدل وانقسام شأنها شأن قضايا كثيرة يتداخل فيها المجتمعي بالديني.