ذاكرة المكان الفلسطيني في شهادة يحيى يخلف

الكاتب الفلسطيني يؤكد أنَّ مدونات كثيرة لا تزال محفوظة في ذاكرته الطفولية، طالما غرف منها عندما أدركته هواية الكتابة.


دينامية الخيال أنعش الذاكرة، وولَّد لغة شعرية في السرد، وفي وصف المكان، وخلق شخصيات وأحداث، وقدَّم شهادة على لحظة تاريخية


من ذاكرة المكان الأليف وظَّف الكاتب الفلسطيني جذاذات تحتفظ بها الذاكرة في روايات أخرى

أوضح الكاتب الفلسطيني يحيى يخلف في شهادته الأدبية التي ألقاها ضمن فعاليات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي "الرواية في عصر المعلومات"؛ أنه نظرًا إلى أنَّ هذه الشهادة ليست دراسة أو بحثًا أكاديميًّا، وإنما شهادة ذات بعد خاص بتجربته ككاتب فلسطيني، فإنه سيتحدث باختصار ودون إسهاب عن تجربته في الكتابة التي تندرج في موضوع ذاكرة المكان.
وقال: تفتَّح وعيي باكرًا بعد السنوات الأولى لنكبة فلسطين عام 1948، حيث هجَّرت عائلتي من قريتنا "سمخ" الواقعة على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبرية بعد أن احتلتها العصابات الصهيونية، وعشنا في مواقع الشتات.
تعلَّمت في البيت البسيط الذي يغمره دفء الأبوة، وحنو الأمومة ما لم أتعلَّمه فيما بعد في المدرسة.
وأضاف يخلف أن السنوات الأولى كانت للجوء والشتات شديدة القسوة، فقد ضاع الوطن، واحتلت البلاد، وهجِّرت عائلتنا، وأصبحنا لاجئين، أصبحنا أرقامًا في سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة.
ويؤكد على ذلك بقوله: كانت السنوات الأولى سنوات شقاء، وكان عليَّ أن أحمل عبء الشقاء على كتفيَّ، وعلى الرغم من ذلك لم يخل الأمر من بعض الفرح والاستمتاع في اللعب مع أقراني من الأطفال اللاجئين مثلي والمغلوبين على أمرهم.
ولعلَّ أحلى لحظات عشتها، تلك التي كان والدي يصطحبني معه الى سهراته عند أصدقائه من أبناء بلدنا "سمخ" الواقعة على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبرية كما أسلفت، حيث يتجاذبون أطراف الحديث وذكريات البلد وحكاياها وقصصها والبحيرة وأسماكها وطيورها ونباتاتها وزهورها، وبقولها وقمحها وشعيرها، وقطيع خرافها وأغنامها، وأبقارها التي تلد عجولاً في مواسم الربيع.
كانت البحيرة هي أم الحياة، فقد كانوا يقولون إنَّ سطحها يشبه بطن الغزالة.
ويشير إلى أن ذاكرته كانت تلتقط كلامهم وتخزِّنه، فعقل الطفل صفحة بيضاء، وعلى هذه الصفحة دوَّن مخزون ذاكرة، ومن أبرز ما خزنته الذاكرة في تلك الأيام قصص رجال حملوا البنادق وقاتلوا في ثورة 1936، وقاتلوا في جيش الإنقاذ عام 1947، قصص فيها عظة وعبرة وبطولة قيم.

دينامية الخيال أنعش الذاكرة، وولَّد لغة شعرية في السرد، وفي وصف المكان، وخلق شخصيات وأحداث، وقدَّم شهادة على لحظة تاريخية

وأستطيع أن أؤكد أنَّ مدونات كثيرة لا تزال محفوظة في ذاكرتي الطفولية، طالما غرفت منها عندما أدركتني هواية الكتابة.
ويعود يخلف إلى غاستون باشلار ويتناول قبسًا من فلسفته الجمالية، ورؤيته لشعرية المكان أو جماليات المكان، وهو في كتابه لا يتحدث عن المكان العادي الذي نعيش فيه، وإنما المكان عنده هو المكان الأليف، والمقصود بيت الطفولة، وهناءة بيت الطفولة، أي أنَّ بيت الطفولة عنده هو جذر المكان، ومهمة الإبداع أن يجعل المتلقي يستعيد تجربة مكانه الأليف.
وكما يقول غالب هلسا في مقدمة ترجمته لكتاب باشلار: "وينطلق ذلك من دينامية الخيال، أي أنَّ الصورة الفنية والمكان الأليف والذكريات المستعادة ليست معطيات ذات أبعاد هندسية، بل مكيَّفة بخيال وأحلام يقظة المتلقي".
وأنا أوافق هذا المفكر الفرنسي في هذا الجانب من فلسفته، فلسفة المكان الأليف، أو مكان الطفولة الأليف، فلقد كان زمن طفولتي في بيت العائلة حيث الدفء والحنان ومخزون الذاكرة هو المكان الأليف.
من مخزون ذلك الزمن الأليف كتب يحيى يخلف روايته "تفاح المجانين"، وقصته "تلك المرأة الوردة، ومجموعة روايات البحيرة: "بحيرة وراء الريح"، و"ماء السماء"، و"جنة ونار"، و"نهر يستحم في البحيرة".
ومن ذاكرة المكان الأليف وظَّف الكاتب الفلسطيني جذاذات تحتفظ بها الذاكرة في روايات أخرى.
وعن الصهيونية تحدث يخلف وقال: راهنت الصهيونية التي احتلت أرض فلسطين ونفت وهجَّرت واقتلعت شعبها على طمس الهوية الفلسطينية، وإلغاء شخصيته الوطنية، وهناك مقولة لجولدا مائير أطلقتها بعد حرب 1948 وقيام دولة إسرائيل مفادها: لم يبق هناك شعب اسمه الشعب الفلسطيني، فالكبار يموتون والصغار ينسون.
أي أنها ومعها مؤسستها العسكرية كانت تراهن على نهاية الذاكرة الفلسطينية وذوبانها في مجتمعات دول اللجوء والشتات، وبالتالي انقراض شعب، وإنهاء هويته وحقوقه الوطنية.
ويؤكد يخلف أن مقولة جولدا مائير كانت واحدة من الخرافات التي تندرج في إطار التمنيات، وواحدة من الأكاذيب التي حفل بها القاموس الصهيوني ومنها: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وعلى الرغم من احتلال معظم الأراضي الفلسطينية وحلول دولة إسرائيل فوقها، وإلحاق ما تبقى منها (الضفة الغربية) بالنظام الأردني، و(قطاع غزة) بالإدارة المصرية، فإن الذاكرة الفلسطينية ظلَّت ذاكرة خصبة، وذاكرة حية وإبداعية تتجدد بتجدد الأجيال، تنتقل بخصوبتها من الآباء الى الأبناء بحنينها وأنينها، بأحلامها وأمانيها، بإصرارها على حقوقها والكفاح والتضحية من أجل هذه الحقوق.
وعن الذاكرة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال قال الكاتب الفلسطيني: تمثلت خصوبة الذاكرة الفلسطينية في المجال الثقافي في الإبداع الشعري والسرد القصصي والروائي وإحياء التراث الشعبي، وفي مجال الفن التشكيلي والموسيقى والمسرح، حيث تصدر الإبداع فكرة الحفاظ على المكان الضائع، وتحويله إلى وردة في ديوان شعر، ولا شك أن المبدع غمس قلمه وريشته بمداد قضية شعبه، وعبَّر بشكل مبدع وخلاق عن الغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى.
كتب الشعراء بمرجعية الذاكرة الخصبة عن المكان والهوية والحرية والعودة، ونما في الشتات وداخل الأرض المحتلة عام 48 شعراء خرجوا من جرح النكبة، رحل الكبار، لكن الصغار لم ينسوا. واجهوا مكر التاريخ وواجهوا مكر الصهيونية ولم ينسوا.
ويذكر يخلف رموزا كثيرة عبَّرت عن قوة الحياة في روح الشعب الفلسطيني، من جيل الآباء عبدالكريم الكرمي، وهارون هاشم رشيد، ويوسف الخطيب، ومن الأجيال الشابة: محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زيَّاد، أحمد دحبور، مريد البرغوثي، عزالدين المناصرة، غسان زقطان وغيرهم. وفي مجال السرد غسان كنفاني، سميرة عزام، جبرا إبراهيم جبرا، إميل حبيبي، محمود شقير، رشاد أبوشاور، إبراهيم نصر الله، سحر خليفة، ربعي المدهون، وكاتب هذه السطور وعشرات غيرنا. وفي مجال الفنون عديد من الرواد والأجيال الجديدة، وكذلك في مجال إحياء التراث والفلكلور.

لقد شكَّلت الثقافة عنصرًا مهمًّا في حماية الهوية ومظهرًا من مظاهر وحدة الفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة.
ويعود يحيى يخلف إلى الحديث عن مكانة الذاكرة في تجربته الروائية، وما منح له مخزون الذاكرة من تحفيز، ومن قوة دافعة لحركة السرد. ويوضح أن ذاكرة الطفولة والفتوَّة، ذاكرة البيت الدافئ هي الذاكرة الزاخرة بالحكايات والذكريات والحنين للمكان وارتباطه بالإنسان الذي يعيش فوق ترابه وبيوته وحقوله وفضائه، حقل سرد مليء بالعشب والنماء والفرح والحنين المبهج لدرجة تراجيدية جارحة.
حقل سرد حدوده بساتين أحلام، ومراعي خراف وبقر وعجول وخيول وعمق بحيرة طبرية بمياهها العذبة، هي أم الحياة، سطحها كبطن غزالة، وفي أعماقها أسماك من نوع فريد، وأعشاب وطحالب وحياة بحرية مليئة بالأسرار، وعلى ضفافها نوارس وطيور مهاجرة، وطلاب رزق حلال يحملون الشباك، ويتوكلون على المولى ويتأهبون لدفع زوارقهم إلى عمقها.
هي ذاتها البحيرة التي تقول الروايات إن المسيح عيسى بن مريم مشى على سطحها، حين تحققت المعجزة ولهيبته تجمَّدت الأمواج وحملته على أكفِّها.
لكل واحد من أهل قريتي سمخ الواقعة على الشاطئ الجنوبي للبحيرة حكاية، لكل فلسطيني من أهلها قصة، ما بين موَّال وعتابا وميجنا إلى سكَّة محراث يوقظ الأرض من سباتها. من زرع حبة قمح إلى بزوغ شمس سنبلة، من تضحيات المقاومين في الثورات المتعاقبة إلى الحصاد الوافر في الغلال وبطولات القيم. من حكايا العشق الحارق إلى دقَّات قلب الأرض الطيبة والحنون، من مواسم الأعراس والحصاد إلى النار التي تشتعل على رؤوس الجبال.
إن يحيى يخلف يرى أن تفاصيل وقصص وحكايات القرية تشبه ذهب الأساطير حفظتها ذاكرة الطفل والفتى، وكانت مادة ثرية لروايات كتبها عندما أدركته حرفة الأدب.
حفظ خريطة مكانها وأحيائها وشوارعها وأزقتها، ومحطة القطار التي تربط حيفا بها، وأسماء عائلاتها، وحكمائها وبهاليلها ودراويشها، والجبال التي تحيط بها، وفم بحيرتها الذي يخرج منه نهر الأردن مغسولاً إذ يخترقها من الشمال إلى الجنوب، ويلتقي مع نهر اليرموك في طريقه إلى البحر الميت، فيشكِّل النهران دلتا تحتضن القرية وسهولها الشاسعة.
ويمضي الكاتب الفلسطيني في شهادته الأدبية قائلا: غرفت من ذاكرة الطفولة روايتي "تفاح المجانين" رواية المخيَّم والحارة ومدارس وكالة غوث اللاجئين، وشقاوة الأولاد وعبثهم، وألعابهم وألاعيبهم من نطنطة وشعبطة، وبحث عن أسرار القوة، وجيل الآباء الفقراء والبؤساء وأحاديثهم عن البلاد المحتلة والضائعة، والخيول والحقول والأبقار التي كانت تلد عجولاً في ربيع مضى عندما كان الزمن مديدًا والحصاد وافرًا، والحياة تمضي، والأرض تدور.
استلهمت العنوان من تلك الثمرة البرية الشرسة التي تسمى: تفاح المجانين، وبالعامية: تفاح المجن والتي تسبب الجنون المؤقت لمن يأكلها، وتمنحه قوَّة خارقة يستطيع من خلالها أن يصارع ثورًا.
عكست الرواية أحلامنا كأطفال في البحث عن سر القوة، وكيف نمتلك شجاعة الأسود والنمور لاستعادة وطننا الذي احتله اليهود، وفي ذروة البحث عمد أحدنا إلى تناول تلك الثمرة اللعينة، فحوَّلته إلى سفود نار، ولكنَّها لم تمنحه قوة الثيران أو الأسود، وإنما حوَّلته إلى رماد.
لكننا فيما بعد عندما جاءنا فدائي من الفدائيين الذين جنَّدتهم القوات المصرية في قطاع غزة عام 1955 هاربًا من سجون الاحتلال، جاء مثلنا مكدودًا مثخنًا بجراح الروح، صادقناه واستمعنا إليه، وما رواه عن بطولات وجسارة الفدائيين. عرفنا منه أن سر القوة يكمن في ماسورة البندقية، ولم نكن قد شاهدنا بندقية مثل تلك التي حارب بها ذات يوم، ولم تعد تصاحبه، فرسمها لنا على الورق.

Cairo forum for creative fiction
غمست ريشتي بمداد الذاكرة

تلك الرواية خرجت من ذاكرة الطفولة، وشخصيات المخيم وأولاد الحارة. حازت الرواية على تقدير القراء وثناء النقاد، ودخلت في مناهج التعليم، وما زالت تدرِّس حتى الآن في المنهاج التونسي لطلاب المراحل الإعدادية.
ويروي يخلف أن مخزون الذاكرة كبر معه ورافقه حتى مرحلة الفتوَّة، وشكَّل بنية تحتية لبناء روائي ومعمار فني في تجاربه وأعماله الروائية عندما صار روائيًّا، ونال شهرة واسعة.
يقول: من الذاكرة كتبت رباعية (أي عمل روائي من أربعة أجزاء) هي حسب مراحلها الزمنية وإصدارها: "بحيرة وراء الريح"، "ماء السماء"، و"جنَّة ونار"، و"نهر يستحم في البحيرة".
وأوضح: تدور أحداث الرواية عشية قرار التقسيم عام 1947 ودخول جيش الإنقاذ الذي شكَّلته الجامعة العربية لإنقاذ فلسطين. كان يتعيَّن عليَّ أن أكتب عن قرية عامرة لم يحتلها الصهاينة بعد، كان يتعيَّن عليَّ أن أكتب عن شخصيات أعرفها، رجال ونساء، وعن أماكن لا تستقيم الرواية دون ذكرها ووصفها، وعن بحيرة يشبه سطحها الرقراق بطن غزالة، وكذلك أحداث وحكايات، وطقوس وعادات وتقاليد، ومواسم حصاد، وصفير قطارات.. الخ.
ويتذكر طقوس ما قبل الكتابة فيقول: قبل الكتابة غمست ريشتي بمداد الذاكرة، غمستها أولا بمداد ذاكرتي، لكنَّ الأمر لم يكن كافيًا، فاستعنت بذاكرة من تبقى من كبار السن من الأهل والأقارب والمعارف، وبعد عام من البحث والاستماع إلى شهادات حيَّة من أولئك المسنين، بدأت الكتابة.
أعدت جمع ولملمة ذاكرة مكان لم يعد موجودًا كمعمار، فقريتنا من القرى المهدَّمة التي اجتثها الاحتلال اليهودي من جذورها، هدمت جرَّافتهم بيوتها وشوارعها ومدارسها وجوامعها وبساتينها وحقولها، وسوَّتها بالأرض تمامًا.
وكان عليَّ عندما بدأت في كتابتها أن أعيد بناءها، أعيد إليها جماليات المكان، وشعرية وسحر البحيرة، وما يطير فوقها من طيور، وما يعيش في داخلها من أسماك المشط والمرمور والبلبوط وغيرها. بالذاكرة الجمعية التي توفرت لي كتبت الرواية، وأعدتها للحياة بمعمار فني فريد.
وقال: حازت الرواية "بحيرة وراء الريح" على جائزة فلسطين للآداب عام 2000.
وعندما أتيح لي أن أعود إلى الوطن بعد ستة وأربعين عامًا من الحياة في الشتات، وذلك بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، كان أول ما فكَّرت به أن أزور قريتي التي تقع داخل الخط الأخضر، فاستصدرت تصريحًا وقمت بزيارتها، وبالطبع صدمت عندما وجدتها وقد تغيرت معالمها وتحولت إلى مستوطنة، ولم تعد كما رسمتها في ذاكراتي والذاكرة الجماعية لأولئك المسنين، أعني صورتها كوردة في ديوان شعر، وكمعمار فني بنيت مداميكه بخيال ينبض كقلوب العشاق.
وكان ثمرة زيارتي وتداعياتها رواية عن تجربتي في العودة المنقوصة والشاحبة صدرت عام 96 وعنوانها: "نهر يستحم في البحيرة"، تنتمي إلى واقعية وفانتازيا وخيال.
ويعترف أن دينامية الخيال أنعش الذاكرة، وولَّد لغة شعرية في السرد، وفي وصف المكان، وخلق شخصيات وأحداث، وقدَّم شهادة على لحظة تاريخية.
وفي نهاية شهادته الأدبية قال يخلف: إنَّ الرواية بالإضافة إلى عنصر المتعة الفنية، يمكن أن تكون أيضًا وثيقة اجتماعية وتاريخية، ومرجعًا في الدراسات الإنسانية.