راحيل تناقش الخطاب الشعري لدى محمود درويش ويتسحاق لئور

دراسة ناهد راحيل تنهض على فكرة انزياح الحدود بين الفنون المختلفة


مجموعات يتسحاق لئور الشعرية تتناول في أغلبها الواقع الإسرائيلي الحالي من منظور سياسي نقدي ساخر


الشاعران استعارا من تقنيات الفنِّ المسرحي ما يمكنُ تطويعهُ لخدمةِ تجربتهمَا الشِّعرية

يناقش الكتاب ظاهرة تداخل الفنون في الخطاب الشعري لدى الشاعرين محمود درويش ويتسحاق لئور، وكيفية الاستعانة بأبجدياتها المتعددة وتقنياتها المختلفة وما تقدمه من عناصر تسهم في تشكيل النص الشعري لكل منهما، المحور الرئيسي لكتاب الناقدة د. ناهد راحيل "الشعر والفنون - دراسة مقارنة في آليات التداخل" والتي اختارت الشاعرين لما يحتلانه من مكانة مميزة في كل من الأدبين العبري والعربي؛ حيث رأت أنه على مستوى الرؤية، عاصر الشاعران الأحداث نفسها وجمعتهما قضية واحدة هي قضية الصراع العربي/ الإسرائيلي، كما أن التوجهات الفكرية والأيديولوجية كانت عاملا مهما في اختيار الشاعرين؛ حيث تبنى كلاهما الأفكار الشيوعية الماركسية. وعلى مستوى الشكل، واكب الشاعران تجربة الحداثة واتضحت مظاهرها في نصوصهما الشعرية.
تنهض الدراسة التي صدرت أخيرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وفقا لـ راحيل على فكرة انزياح الحدود بين الفنون المختلفة، حيث ترى  راحيل "لم يقف الشعر بمعزل عن الفنون والأنواع الأدبية المختلفة؛ فلتعدد التجارب الإبداعية حدث انزياح بين الشعر والفنون المختلفة؛ فاستعار الشعر من الفنون الأخرى تقنياتها ووسائلها التعبيرية لعرض تلك التجارب، وربما يرجع هذا التداخل إلى ضرورة حداثية تطلبت من الذات المبدعة الولوج بخطابها الشعري إلى آفاق لم تكن تعهدها من قبل. فقد أفاد الشعراء من تقنيات الفنون المختلفة في تطوير مستويات بناء القصيدة المعاصرة وتشكيلها، وعملوا على تطويعها بما يخدم طبيعة الخطاب الشعري وخصوصيته. ومن هنا تميزت لغة الشعر الحديث بالأشكال الحوارية الممتزجة بالنزعة القصصية والمسرحية، كما تميزت القصيدة بتحقيق البنية البصرية داخل النص الشعري المكتوب مفيدة من تقنيات الفنون البصرية السينمائية والتشكيلية". 

الشاعران عمدا إلى توظيفِ تقنيات الفنِّ التشكيليِّ في قصائدهما، فاستفاد كلاهما من تقنية الفراغ أو البياض في الخروج عن الشكل الكتابيّ التقليديِّ، الأمر الذي عمل على استحضار الصوت والصورة معًا

وتضيف يمكن التعرف على الشاعرين عبر تقسيم مسيرتهما الشعرية إلى مراحل استنادا إلى العلاقة بين الشاعر والنص الشعري،  يعتبر محمود درويش (1941- 2008) أحد الشعراء الفلسطينيين البارزين في الشعر العربي بشكل عام والشعر الفلسطيني بشكل خاص، وقد عكس خطابه الشعري التجربة الفلسطينية على مدار تاريخها، ولذلك فلا يمكننا فصل "الأنا" و"النحن" أو الذات والمجموع في قصائده، إنما هي مسألة تغليب. اتسمت نصوصه الأولى التي اتصلت اتصالا مباشرا مع القضية الفلسطينية بالخطابية المباشرة، ومالت إلى توظيف تقنيات أسلوبية مثل التناص والرمز التراثي وغيرها من التقنيات التي تخدم مضمون الرسالة الشعرية التي هيمنت عليها الأيديولوجيا الماركسية، كما اتضح في "أوراق الزيتون" و"عاشق من فلسطين" و"العصافير تموت في الجليل". 
وتوضح راحيل أن نصوص درويش اللاحقة حملت سمة البينية، حيث كمن بها بعض سمات المرحلة السابقة مع انفتاح النص الشعري على دلالات أوسع وفضاءات أرحب وظهور ما يمكن تسميته بفاعلية الرمز التي اتضحت في عناوين المجموعات الشعرية وقصائدها، مثل "حبيبتي تنهض من نومها" و"أعراس"، كما انفتح النص على التراث الإنساني الذي طوره مفهوم المنفى؛ فاكتسب إحالات واضحة إلى التاريخ والدين والأسطورة. لتأتي المرحلة التي انفصل فيها النص الشعري لدرويش عن الخطاب الأيديولوجي المباشر بشكل واعٍ وبطرق أكثر فنية ظهرت في مجموعتيه "ورد أقل" و"هي أغنية"؛  وظهور النزعة الذاتية التي تم الكشف عنها من خلال الابتعاد التدريجي عن صوت المجموع عبر استنطاق الماضي واستدعاء الذاكرة البعيدة، كما في مجموعته "لماذا تركت الحصان وحيدا"، وعبر موتيف الموت كما في "جدارية". وظهر ما يمكن تسميته بـ "الخطاب الأنثوي" المتمثل في مجموعته الشعرية "سرير الغريبة". كما شهدت هذه المرحلة مطولات درويش الشعرية مثل "مديح الظل العالي" و"مأساة النرجس وملهاة الفضة" و"جدارية" و"حالة حصار" و"لاعب النرد".
أما يتسحاق لئور (1948) فترى راحيل أنه يحتل مكانا رئيسا في الأدب الإسرائيلي، وتتناول مجموعاته الشعرية في أغلبها الواقع الإسرائيلي الحالي من منظور سياسي نقدي ساخر، وقد عكس خطابه الشعري منذ بدايته رؤية مختلفة للصراع تحكم فيها انتماؤه إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ركاح- القائمة الشيوعية الجديدة) الذي انفصل عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي) عام 1965، ليمثل الجناح الأكثر يسارية وراديكالية وفقا للأيديولوجية الصهيونية الماركسية.
وتشير إلى أن لئور بدأ مسيرته الشعرية عام 1982 بصدور مجموعته الشعرية "ارتحال"، إلا أن بدايته الحقيقية كانت بظهور مجموعته "فقط الجسد يتذكر" التي كُتبت على خلفية حرب لبنان الأولى 1982 والتي تعد نقطة الانطلاق الحقيقية لشعره. وحاول لئور الفصل بين المشروع الفني وبين مصطلح الشاعر السياسي الذي يؤطر الفني ويجعله في أحيان كثيرة منساقا للمضمون. وغلب على نصوص هذه المرحلة سيطرة الخطاب الأيديولوجي بجانب الاهتمام بالشكل الفني الذي يخدم المضمون بشكل واضح كما ظهر في "ليلة في فندق غريب ". 
وترى راحيل أن نصوص لئور اعتمدت على توظيف التقنيات الأسلوبية كالتناص المستمد من العهدين القديم والجديد واستدعاء الشخصيات الدينية، كما غلب على الخطاب الشعري في تلك المرحلة توظيف عناصر البنية السردية وذلك لاقتراب الذات الشاعرة من وصف الحدث، وقد ظهر ذلك في المجموعات "فقط الجسد يتذكر" و"قصائد في وادي الحديد" و"مُحب الأيام". ومن الممكن القول بأن هذه المرحلة تعادل المرحلة التي ابتعد فيها النص الشعري الدرويشي عن الخطاب السياسي المباشر، وربما يرجع ذلك إلى تلبية الخطاب الشعري في تلك الفترة لمتطلبات النسق الثقافي الذي وجد داخله، والضرورات الفنية التي تحكمت في تشكيله.
وتلفت إلى أن الشاعر لئور استمر في الاتصال بالماركسية وتحميل الخطاب الشعري بأفكارها ومبادئها، وغلب على هذه المرحلة المراوحة بين الذاتي والسياسي، تلك المراوحة التي بدأت ظهورها في مجموعته "كاللاشيء"، وتأكدت في مجموعتيه "مدينة الحوت" و"سيقف ابني"، ثم انفصل الخطاب الشعري للئور عن المجموع الذي يمثله صوت المؤسسة الصهيونية كما اتضح في مجموعته الأخيرة "كتاب القطيع". وقد اتسمت تلك النصوص بتوظيف الحوار المتكئ على استدعاء الشخصيات التراثية والأسطورية من ناحية، وتوظيف المونولوج لاستبطان الذات وكشف جوانبها النفسية من ناحية أخرى، وهو ما اتضح في مجموعته "مدينة الحوت".
وتقول "لا يجب أن نستثني إمكانية تأثر يتسحاق لئور بالشاعر الفلسطيني محمود درويش، أو نستثني إمكانية وجود نقاط تلاق بينهم؛ فبجانب انضمام كلاهما للحزب الشيوعي الإسرائيلي وتأثرهما بالأفكار الشيوعية الماركسية، وبجانب ارتباطهما بقضية واحدة، نجد أن الشاعر محمود درويش قد ذهب في حوار معه إلى أنه مطلع على الشعر العبري وعلى معرفة بعدد من الشعراء الإسرائيلين، كما أن الشاعر يتحساق لئور قد كتب فصلا عن درويش بعد رحيله في كتاب "محمود درويش شاعر الأوديسة الفلسطينية". 
وقد جاء الكتاب في مقدمة ومدخل تمهيدي وبابين رئيسين، يتبعهم خاتمة الكتاب والنتائج التي خلص إليها. وخلصت راحيل إلى عدة نتائج مهمة في تجربة الشاعرين، منها: 

ـ كان العنوان من أهمّ التقنيات التي استعارتها القصيدة الحديثة من فنّ الرواية، وقد استعارَه الشاعرانِ للكشف عن طبيعة النصِّ ومضمونه سواء كانت عناوين للدواوين والقصائد أو عناوين داخلية، وإذا نظرْنا إلى عناوين المجموعاتِ الشِّعريةِ الأولى للشاعرين، وجدناها تتصِّل اتصالًا مباشرًا بواقع الشاعرِ الأيديولوجيّ، ثم أخذت لاحقا منحًى رمزيّا وابتعدت عن المباشرة، فتنوَّعت ما بين موضوعاتية وإخبارية. وشكل الحدث مكونا مهما من المكونات الأساسية في البنية السردية في القصيدة الدرويشية، وبجانب ارتباط الأحداث بوجود الشخصيات، إلا أن الحدث في النص الشعري لدى محمود درويش لم يقف عند حدود الشخصية ولم يكن مرهونا بوجودها فقط، بل كان الحدث هو القصيدة نفسها كما نجد في مجموعته "مديح الظل العالي" و"حالة حصار"، كذلك تزخر قصائد لئور بالأحداث والمواقف والمشاهد، وكانت الحروب هي الحدث الرئيس والأكثر توظيفا في النص الشعري لديه، كما نجد في مجموعته "فقط الجسد يتذكر" التي تناولت حرب لبنان الأولى، بجانب ذكره لانتفاضة الأقصى عبر قصائد مجموعته "مدينة الحوت ".
ـ استعار الشاعران تقنية الحلم التي تثري البنية القصصية وتساعد على نمو الحدث حينا وتغيِر مسارهُ حينًا آخر، سواء أكان هذا الحلم رؤيا منامية أو حلم يقظة استشرافيا. وقد جاء الحلمُ لدى درويش مُحملا بمجموعة منَ السماتِ، أبرزها: كونهُ ملمحا استشرافيا ارتبط بسياقاتٍ تفاؤلية تخص حلمَ العودة، بينما ارتبط الحلمُ لدى لئور بسياقات تشاؤمية فجاء في صورة مشاهد كابوسية محملة بقلق الواقع وهمومهِ.
ـ يعد الاسترجاع من التقنيات التي استعارَتها القصيدةُ الحديثة من الفنِّ القصصيِّ وقامتْ بتطويعِهَا لطبيعة بنائها الفنيِّ. ولم يكنْ حُضورُ الاسترجاعِ قويًّا لدى لئور كما هو في النصّ الدرويشيِّ، وربما يرجع ذلك إلى رغبةِ درويش في توثيقِ الذاكرة واستعادتها للحفاظ عليها، خلافا لرغبة لئور في الانفصال عن ذاكرة الماضي في أغلب الأحيان.
ـ استعار الشاعران من تقنيات الفنِّ المسرحي ما يمكنُ تطويعهُ لخدمةِ تجربتهمَا الشِّعرية، فأضرمَ الشاعرانِ الصراع بالقصيدةِ للتعبيرِ عن تجاربهمَا الذاتيَّةِ، وقد اتَّخذ الصراع لديهمَا أشكالًا مختلفةً وارتبط ارتباطًا مباشرًا بتوجهاتِهما السياسيةِ. واتخذ الصراع عند محمود درويش أشكالا مختلفة تطورت مع تطور مسيرته الشعرية، فكان الصراع بشكله المباشر سمة غالبة في إنتاجاته الأولى حيث الصراع مع الآخر وتحديه وهو الشكل الذي فرضته طبيعة الاتصال المباشر بتجربة الاحتلال، ثم انفصل الشاعر تدريجيا عن الخطاب الأيديولوجي المباشر فاتخذ الصراع أبعادا جديدة أكثر فنية منفتحا على فضاءات أكثر إنسانية ليبرز الصراع مع الذات ومع الموت. 
وكان الصراع مع المجموع الذي انفصل عنه الشاعر يتسحاق لئور بشأن الصلاحية الأخلاقية لبعض الممارسات والقيم الذي يحاول غرسها في الأفراد، هو الصراع الرئيس الذي من الممكن أن نلمسه في أغلب مجموعاته الشعرية منذ بداية إنتاجه وإلى الآن، وربما يرجع ذلك إلى تبني الشاعر لأفكار المشروع الصهيوني الماركسي الذي يقوم على مبدأ التجاور والمساواة، ومن هنا انتفت لديه فكرة صراع الهويات واتضحت فكرة تمييع دور الأيديولوجيا الدينية والعرقية بوصفها محركا للصراع البشري.
ـ استمد الشاعران من الفن السينمائي بعض تقنياتِه الخاصة من أجل إثراء نصوصهما الشعرية ومدها بأساليب فنية جديدة، لذلك عمد الشاعران إلى طرق كتابة السيناريو السينمائي وتقنياته المختلفة؛ وذلك للتعبير عن الحدث الذي يكون دواله السردية أسرع في النص الشعري مما عليه في القصة، وللتعبير عن ذلك أفاد درويش من تقنية تقسيم القصيدة إلى مشاهد وتوزيع المشاهد إلى مناظر كما في مطولته "مديح الظل العالي" التي من الممكن اعتبارها قصيدة سينمائية - إن صح التعبير - فالديوان عبارة عن مشاهد منفصلة تكوّن بمجموعها سيناريو شعريا، والأمر نفسه نجده لدى لئور في عدد من قصائده مثل "مجرم الذي يقول"، و"ليلة في فندق غريب".
ـ كما عمد الشاعران إلى توظيفِ تقنيات الفنِّ التشكيليِّ في قصائدهما، فاستفاد كلاهما من تقنية الفراغ أو البياض في الخروج عن الشكل الكتابيّ التقليديِّ، الأمر الذي عمل على استحضار الصوت والصورة معًا. ولم يعتمد درويش في توظيف الفراغ على تشكيل المتن والحاشية، بينما اعتمد بشكلٍ أساسي على التشكيل البنائي للقصيدة عن طريق توزيع الجمل والمفردات داخل فراغ الصفحة، في حين لجأ لئور إلى تقنيةِ التفريع النصيِّ بوصفها وسيلةً من وسائل تقنية الفراغ.
-    عمد الشاعرانِ إلى توظيف أنماط التكرار المختلفة لتشكيل قصائدهما بصريا، الأمرُ الذي أدَّى إلى صبغ القصيدة بصبغة الأرابيسك التشكيليِّ، وذلك عبر تكرار الوحدات اللغويةِ في أنساقٍ وأنماطٍ متعددة. وبرغم استخدام لئور لتلك التقنية، فإنها لم تؤدِّ دورا ملحوظا في تشكيل النصّ الشعري كما وجدناها لدى درويش.