رثاء أعزل في انتظار موت مؤجل

ليس للعراقيين مَن يرثيهم. هم يتامى على مائدة لئام العالم.


انتهى مشهد ولم ينته الفيلم: جملة يقولها القتيل والقاتل معا


ألا نصدق أن الأحياء يحسدون القتلى على موتهم المشرف؟


إن كنت ترغب في اعلان غضبك على إيران فما عليك سوى التظاهر أمام سفارة الارجنتين

يموت العراقيون قتلا. يغادرون شبابا ولما تكتمل في أفواههم الصيحة. أتباع وحراس الملك العاري لن يسمحوا لأحد منهم بأن يصدق عينيه.

في العراق تقتلك الحقيقة. البلد الأخير في العالم الذي لن ينجو فيه صاحب عقل ينسى في لحظة غفلة أن يغلف عقله بالكلام الغامض.

ليس مسموحا هناك أن تُسمى الأشياء بأسمائها. فإن كنت ترغب في اعلان غضبك على إيران فما عليك سوى أن تتظاهر أمام سفارة الارجنتين.

هناك قوائم معلنة وجاهزة للقتل والاختطاف. وهناك نصائح طيبة. لا تقتربوا من الخطوط الحمراء. ولكن الخطوط الحمراء هناك كثيرة. السيء في الأمر أن هناك خطوطا لم يعلن أحد أنها حمراء. إن اجتازها المرء فلا يلومن إلا نفسه حين تُغلق أمامه الدروب.

صار القتلى على موعد تقريبي لموتهم وهم يشيرون بأصابعهم إلى الجهات التي تنوي تنفيذ تصفيتهم بعد أن صدر قرار اعدامهم.

ما من مرة تراجع فيها القتلة عن ذلك الموعد من أجل أن يكذبوا القتلى، كما لو أن الطرفين قد اتفقا مسبقا على ذلك اللقاء الذي يمكن اعتباره جزءا من فيلم لولا أن هناك جثة لن تتحرك بعد أن تُطفأ الاضواء. جثة رجل برؤى وأحلام وأفكار وشهوات وأمنيات ومشاريع نزقة وصبوات محملة بالعشق ودنيا تخترق حدود يأسها لتنعم برخاء ربيع متخيل.

انتهى مشهد ولم ينته الفيلم. جملة يقولها القتيل والقاتل معا. نحن على موعد قادم قريب. سيكون هناك قتيل يُمحى اسمه من القوائم. يبتسم القتلة وهم يضغطون بأصابعهم على أزرار هواتفهم. مَن يقف على الجهة الأخرى؟ بالنسبة للعراقيين ولشباب الاحتجاجات الذين تُطلق عليهم تسمية "ناشطين" فإن عدوهم لا يمانع من أن يكتسب لقب قاتل معروف. لا لشيء إلا لأنهم سموا سيده، عدوهم ومحتل بلادهم باسمه.

ما لا يفهمه الآخرون أن هناك عقدا مبرما بين القاتل والقتيل ينتهي بجريمة لن يُعاقب عليها القانون. ذلك ما يعرفه الإثنان. القاتل قبل أن يرتكب جريمته والقتيل قبل أن يسقط جثة هامدة.

ليست هناك جهة محلية مؤهلة للاقتصاص من القتلة ووضع حد للجريمة.

ما من جهة عالمية تجاوزت الاعراب عن قلقها وخرجت من دائرة التنديد وتبنت مشروعا لفرض العدالة من خلال لجان محايدة ليست مسيسة ولا علاقة لها بالمصالح التي انزلقت بالعراق إلى الجحيم.

القاتل والقتيل يعرفان ذلك وأكثر.

لن يكون هناك قتيل أخير ولن يتكرر القاتل. فالمسافة التي تفصل بيننا وبين خط النهاية لا تزال طويلة وما من بارقة أمل. سيزداد عدد القتلى وسيبدل القتلة أقنعتهم بل ووجوهم ليساهم الجميع في "عرس الدم". تلك بلاغة لن يتمكن من ايفاء حقها أحد. فلا أحد يمنع أحدا من أن يموت قتلا ولا أحد في المقابل في إمكانه أن يمنع القاتل من أن يكون قاتلا. لقد دُرب كل طرف على تمثيل دوره باتقان.

الكربلائي ايهاب الوزني قال "إنهم سيقتلوني". لم تكن تلك نفحة ذكاء. كانوا سيقتلونه إن قال ذلك على سبيل النبوءة أو لم يقله خشية أن يسمعه عزرائيل وهو الذي أشك أنه يحضر في لحظة القتل. ذلك لأن اختصاصه في انهاء الحياة البشرية قد تم الاستيلاء عليه والتصرف بموجبه من قبل آخرين لن يتمكن من عقابهم قبل أن يرتكبوا جريمتهم.

نهذي لأن رجلا لا يزال في مقتبل العمر قد سبقنا إلى الموت ومحا كل معنى تنطوي عليه شيخوختنا. نحن الكبار من غير معنى. المهددون بالعمى بعد أن فقدنا بصيرتنا. النائحون في الجنائز الخطأ.   

العراقيون يموتون قتلا وإلا فإن موتهم كمدا سيكون جزءا من عارهم التاريخي. ألا نصدق أن الأحياء يحسدون القتلى على موتهم المشرف؟ على الأقل قالوا كلمتهم التي هي كلمة الله في عدالته وفي رحمته وفي هدأته وفي تعاليه ورفعته وفي نزاهة عاطفته.

العراقيون وقد تخلى العالم بغربه وشرقه عنهم ينظرون بحسد إلى قتلاهم. ليس لأنهم الاسبقون الذين لن يلتحق بهم أحد بل لأنهم وهبوا نومهم معنى اليقظة الحارسة التي تجمع الليل بالنهار في سلة تسوق واحدة. كم كانت صلاة الغائب مليئة بأجراس القيامة لو تسنى للقاتل والقتيل أن يصلياها معا في لحظة وعد إلهي؟

ليس للعراقيين مَن يرثيهم. فهم يتامى على مائدة لئام العالم.    

هذه هي وصية القاتل والقتيل معا.