زيارة السوداني لعُمان: مصفاة للولاية الثانية وتكرير أميركي لصادرات الظل
بغداد - فضيحة رجل الأعمال العراقي وليد السامرائي بتهريب النفط الإيراني عن طريق خلطه بنظيره العراقي، وغسل أرباحه المقدَّرة بقيمة 300 مليون دولار سنويًا لصالح الحرس الثوري الإيراني، كانت كرة سكواش تصلح للارتداد والتنقل السريع بين الشاشات ومنصات الإعلام، للتغطية على سابقتها الأشهر، المعروفة بفضيحة "أوميد" في يوليو الماضي، والمقدَّرة بمليارات الدولارات.
السكواش السامرائية انطلقت خلال أعمال زيارة رئيس الحكومة العراقية إلى سلطنة عُمان. أهمية مسقط تكمن في قدرتها على تخفيف قدرة تهريب النفط، التي سنطلق عليها "صادرات الظل"، من قبل طهران وميليشياتها العاملة في العراق، وجعلها في قبضة واجهات أخرى تنجح في فحص السونار الأميركي.
"سومو".. الكبش الحكومي لقرون إيران النفطية
هذه الشركة العراقية مسؤولة عن تصدير النفط العراقي. وبحسب القوانين النافذة، هي تتعامل مع "ملاك المصافي لا مع وكلاء". اتُّهمت خلال الأيام القليلة الماضية بأنها مسؤولة عن إصدار وثائق لشركات وأفراد مرتبطين بإيران، سهّلت تهريب النفط الإيراني الخام عن طريق خلطه بنفط عراقي.
رئيس الحكومة محمد شياع السوداني كان قد وافق في يوليو/تموز 2023 على مقايضة الغاز الذي يحصل عليه العراق من إيران مقابل النفط الخام العراقي، لتسديد المستحقات المترتبة على بغداد من استيراد الغاز، نتيجة عدم القدرة على دفع المستحقات ماليًا بسبب العقوبات الأمريكية على طهران.
السوداني وجّه "سومو" بتنفيذ صفقة المقايضة باستثنائها من الضوابط. وبحسب هذه الصفقة، يُعطى النفط لأفراد وشركات مختارة من قبل إيران حصراً، تقوم هي ببيع هذا النفط الخام ومشتقات معينة مثل النفط الأسود، ودفع أقيام البيع لإيران. كان من المفترض إنهاء صفقة المقايضة بعد تسديد المستحقات الإيرانية البالغة 11 مليار دولار.
المفارقة أن عملية الاحتيال التي تقوم بها طهران كُشفت لأول مرة في مارس/اذار 2020. بالتالي، صمّمت إيران المقايضة من أجل الالتفاف على العقوبات الأميركية وأهداف أخرى وردت في مقالي السابق "ما وراء قرع أنخاب مقايضة النفط العراقي بالغاز الإيراني؟".
فضيحة وليد السامرائي عبارة عن رأس الجليد الغاطس في فضيحة "أوميد"، التي خرجت للعلن في الثالث من يوليو/تموز الماضي. رجل الأعمال سالم أحمد سعيد، المعروف باسم "أوميد"، كان قد بدأ أعمال بيع النفط الخام الإيراني المهرّب بعد خلطه مع نظيره العراقي منذ عام 2021.
اتساع الأعمال التي كان يقوم بها، والخوف من تسريبها للعلن، دفعه – كما يبدو – إلى تأسيس أسطول ظل مخصص لهذه العمليات. الفضيحة دفعت لجنة التحقيق إلى غلق الملف بعد اثني عشر يومًا. وكان تقليل حجم كميات النفط العراقية المعطاة للواجهات الإيرانية بحجة تسديد ديون طهران سببًا آخر مهمًا لطمر الفضيحة. اتهام "سومو" وفضيحة السكواش السامرائية شبيه بإطلاق إحدى وعشرين قذيفة مدفعية لتوديع "أوميد".
حجم ولاية الفقيه النفطية
هناك صعوبة في الحصول على بيانات موثوقة تخص أحوال النفط العراقي، بسبب السرية المفرطة من قبل وزارة النفط العراقية. لذلك يصعب تحديد حجم تهريب النفط العراقي الخام والمشتقات النفطية. لكن حاكم الزاملي، وهو سياسي عراقي ينتمي للتيار الصدري، أعلن في الخامس من يونيو/حزيران 2022 أن "كميات النفط المهرّب خارج العراق تصل إلى نصف صادرات العراق النفطية".
قيمة "صادرات الظل" النفطية، بحسب تقديرات الزاملي، تصل إلى 56 مليار دولار أميركي تقريبًا، محسوبة وفق ميزانية 2021 التي بلغت 103 مليارات دولار أمريكي. العراق عاش سنة 2022 بلا موازنة رسمية، إذ شهدت تلك السنة فضيحة "سرقة القرن" بطلها رجل الأعمال نور زهير.
انعدام الموازنة في 2022 كان إجراءً وقائيًا، لعدم إجراء مقارنات بين قيمة الموازنة السنوية و"سرقة القرن"، وتحسبًا لإمكانية الكشف عن المزيد من سرقات القرن. العراق الذي يستورد الكثير من المشتقات النفطية كالبنزين والديزل، يشهد يوميًا عمليات تهريب لسبعة ملايين لتر من البنزين، أي ما يقارب نصف إنتاجه المحلي المقدَّر بخمسة عشر مليون لتر يوميًا.
تسيطر إيران أيضًا – وقبل صفقة المقايضة – على تجارة نقل المشتقات النفطية، لأنها المسؤولة عن تحديد شركات النقل لهذه المشتقات. أما ميليشياتها المسلحة فهي تسيطر على اثنين وسبعين حقلًا نفطيًا في العراق، خاصة في الموصل وصلاح الدين.
تستخدم الحكومة العراقية قسمًا كبيرًا من هذه المشتقات المستوردة، خاصة وقود الديزل، لدعم المشغلين لمولدات الكهرباء الأهلية. تبلغ قيمة الدعم الحكومي السنوي لقطاع الكهرباء في العراق 20 مليار دولار أمريكي، بحسب تصريح لوزير الكهرباء العراقي الأسبق لؤي الخطيب خصّ به كاتب هذه السطور.
توقيت فضيحة السامرائي
توقيت تسريب فضيحة رجل الأعمال العراقي وليد السامرائي إلى الإعلام أثناء زيارة السوداني لسلطنة عُمان استند إلى طبيعة الدبلوماسية العُمانية، التي تمتاز بسمتين هما "الهدوء والتأني المفرط"، بحسب الأكاديمي العراقي ميثاق خير الله جلود.
سلطنة عُمان لم تُعِد فتح سفارتها في العراق إلا في عام 2019، رغم أنها حافظت على علاقات دبلوماسية جيدة مع النظام السياسي في عراق ما بعد 2003. زيارة السوداني إلى مسقط في 2025 هي الزيارة الثانية لأرفع مسؤول تنفيذي في العراق؛ الأولى كانت من نصيب رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي عام 2007، بحسب سفير العراق في عُمان.
كان من الممكن تقييم توقيت الفضيحة كصراع سياسي مع قرب موعد الانتخابات النيابية المفترض إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني القادم. لكن عند خلط خام الفضيحة مع سمعة الاتفاقات الدولية لبغداد، المشهورة بإبرام العديد من مذكرات التفاهم الموقَّعة "بلبن العصفور"، نجد أنها غالبًا لا تصل إلى مرحلة الاتفاقات.
مصير معظم مذكرات التفاهم السابقة لبغداد، والتي بلغ عددها 135 – دون أن نضيف إليها الأربع والعشرين الجديدة التي وقّعها السوداني في مسقط – كان له تداعيات. على الأقل استدعى من الرئيس السوداني تطمين الجانب العُماني قائلًا: "الاتفاقيات لم تكن إجراء بروتوكوليًا، وإنما وفق دراسة وبحث متواصل وزيارات ميدانية على مستوى الوزراء والمسؤولين في كلا البلدين"، في لقاء له مع إحدى الفضائيات العُمانية.
مسقط تمتلك كذلك أسطولًا كبيرًا من ناقلات النفط، وقد تعاقدت على شراء المزيد منها خلال السنين القادمة. الاتفاق بين بغداد ومسقط سوف يضرب مصالح أساطيل الظل المملوكة من قبل الواجهات الاقتصادية للأحزاب العراقية والميليشيات الإيرانية.
تحاول كائنات الظل البحرية هذه المحافظة أيضًا على أعمال نقل صادرات النفط العراقي للخارج. تسعة وتسعون في المئة تقريبًا من النفط الخام الذي تقوم البلاد بتصديره يعتمد على النقل البحري. كذلك فإن واردات العراق من البضائع المختلفة، والتي تبلغ قيمتها السنوية خمسين مليار دولار، تأتي عن طريق البحر. لهذا لا يمتلك العراق أسطولًا ولا سمعة بحرية!
مسقط هي الخامسة عالميًا في قدرة التخزين النفطي بواقع 200 مليون برميل. المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم العُمانية تطل على بحر العرب والمحيط الهندي، مما يعطي بغداد مرونة في تصدير نفطها الخام. أشار السوداني كذلك إلى رغبة العراق في بناء مصافٍ نفطية بالمشاركة مع الجانب العُماني.
كشف ذلك، وبطريقة غير مباشرة، عن عدم قدرة المصافي الموجودة في العراق على توفير الاحتياجات المحلية من المشتقات النفطية. واردات المشتقات النفطية تستهلك مليارات الدولارات الأمريكية من موازنة البلاد السنوية.
الانتخابات وترامب
الخبير النفطي النرويجي أحمد موسى جياد، وهو من أصول عراقية، قيّم الأداء النفطي لحكومة الرئيس السوداني مع شركة شيفرون الأمريكية بالقول: "منذ عقد خمسينيات القرن الماضي ولغاية تاريخه، لا أعتقد بأن الحكومة العراقية/ وزارة النفط قد وقعت اتفاقية مبادئ مبهمة وغامضة ومفتوحة النهايات، كما هي عليه الحال في اتفاقية المبادئ هذه".
جياد رأى أن حكومة العراق الحالية تتوجه نحو منح عقود تطوير بعض الحقول الشمالية إلى الشركات الأنجلو–أمريكية (BP, HKN, Chevron). وتساءل: "لماذا؟ هل لهذا التوقيت أية علاقة بالانتخابات العراقية في شهر نوفمبر لهذا العام؟ وهل ذلك استجابة لضغوط الرئيس الأمريكي ترامب؟".
حمّل الخبير النفطي بعدها مجلس النواب العراقي مسؤولية تمحيص الاندفاع النفطي المتأمرك لحكومة السوداني قبل انتخابات نوفمبر، قائلًا: "إن رئيس مجلس الوزراء ووزير النفط من المرشحين لخوضها. أرى أن على مجلس النواب الحالي الطلب من الحكومة ووزارة النفط الحصول على النسخة الحقيقية لاتفاقية المبادئ هذه"، في إشارة إلى شركة شيفرون.
هناك احتمال كبير بأن ينجح رئيس الحكومة الحالية في إعادة هيكلة نسبة لا بأس بها من "صادرات الظل" النفطية للعراق. مقدار النجاح سيعتمد على الضغوط الأميركية التي تريد واشنطن ممارستها على طهران. أما الأحزاب العراقية التي تمتلك ما يعرف بالمكاتب "الاقتصادية الخاصة" في معظم وزارات ومؤسسات الدولة، فستستفيد من عملية إعادة الهيكلة.
مؤسسة "تشاتام هاوس" ترى أن "الفساد المقبول سياسيًا في العراق هو العقبة الرئيسية التي تواجه الإصلاح". والمؤكد أن السوداني سيكون بهذا الاتفاق، الذي يهدد مصالح الكثيرين، قد نجح في صناعة جرعة من لبن العصفور لحظوظه السياسية. أما مصير العصفور – المواطن العراقي – فهو غير معلوم بعد قطع شجرة "تشرين" عام 2019.