"سرديات تأملية" يستعرض أعمالا فنية جديدة

المعرض الخريفي يحتضن أعمال أربعة فنانين وأربع رؤى لعلاقة الإنسان بالواقع ولإفتراضي والطبيعة والميتافيزيقا.


الفنانون أريج قاعود وأيمن زيداني وجميري ورجاء خالد يحظون بشهرةٍ واسعة في دولة الإمارات.


جميري يركز في ممارساته الفنية علــى صنــع الموســيقى وتأديتها


أيمن زيداني يطرح نظرة متأملة حول مفردات الطبيعة والتكنولوجيا من خلال عمل تركيــبي فني 

يستعرض المعرض الخريفي "سرديات تأمليّة" الذي افتتح أخيرا برواق الفن، المتحف الأكاديمي في جامعة نيويورك أبوظبي، أعمالاً فنية جديدة من إبداع أربعة من الفنانين المقيمين في دولة الإمارات، الذين يقدمون منظوراً متفرداً لدولة الإمارات والمنطقة بشكل عام، حيث نجحت أعمالهم في اكتساب شعبية وتقدير عالميين بفضل المقاربات التي يقدمونها لعالمنا المعاصر بتصورات غير تقليدية. ومن خلال استعراض أعمال هؤلاء الفنانين البارزين، يُجسد المعرض منصة غير مسبوقة من جهة حجم الأعمال الفنية الجديدة، والمنظور والطروحات التي تقدمها.
ويحظى الفنانون أريج قاعود وأيمن زيداني وجميري ورجاء خالد بشهرةٍ واسعة في دولة الإمارات، حيث نجحوا في استقطاب اهتمام عالمي كبير. وتتيح أعمالهم الجديدة تجارب مميزة إذ يمكن النظر إليها كتصورات مادية ومجازية في ذات الوقت، كونها تترجم رؤية الفنانين الإبداعية. ومن خلال استلهام الأفكار من مشاهد الحياة في دولة الإمارات ومختلف أنحاء المنطقة، يُقدم الفنانون نظرة فريدة للعالم المحيط بنا من منظور المخاطرة "أريج قاعود"، والواقع الافتراضي "جميـري"، والعلاقات بين الإنسان والنبات "أيمن زيداني"، والتقاطـع مـا بين التسـويق وأجسـامنا الميتافيزيقية "رجاء خالد".
ويتمحور المشروع الفني لأريج قاعود حول مفاهيم المخاطرة والتحضر لمواجهة الطوارئ، والتي تكتسي، وفقاً للفنانة، بطابع كوميدي من شأنه التخفيف من سوداوية الظروف الصعبة التي قاستها عائلة الفنانة الفلسطينية. وقد قام رواق الفن بتكليف عملين جديدين لأريج قاعود في هذا المعرض. فنجد في أول الأعمال قبة في وسط الغرفة هي جزء  مطاطي ٍمنحوتة تفاعلية عنوانها "أمن مجهول". وتتميز هذه القبة بسطح منحــدر مشــابه لما تجده في الملاعــب. واختارت أريج اللون الأحمر الناعــم للمطــاط، فهــو لــون الحذر. ولا توجد تعليمات ولا مؤشــرات حول كيفية اســتخدام العمــل الفنــي. فهل الغرض منه التحذير، أم هو ملعب أو أرض أكثــر ارتفاعــا؟ أي نوع من البيئات هي هذه المســاحة؟ً ما الذي يعنيه الاستعداد للمجهول؟ هل يعني ذلك الاستعداد للأسوأ؟ وما الذي يمليه ذلك السيناريو الأسوأ؟ وما الذي ستحتاج إليه للاستعداد؟ 

fine arts
تأملات متراكمة

ويبث "تصعيــد"، وهو العمل الثانــي المكلف للمعرض، صوت الفنانة الهــادئ مــن خلال فتحتين صغيرتين في الجدار، وذلك من خلال تســجيلين أحدهما باللغة العربية والآخر باللغة الإنجليزية دون أن يكونا ترجمة حرفية عن بعضها البعض. ويعد "تصعيد" عملا أدائيا تتحرر قاعود من خلاله من الحوادث الصغيرة للحياة اليومية مثل "الجروح الورقية" التي تتصاعد في مخيلتها لتكون فجأة صدمة كبيرة "بتر، نزف". تكتب الفنانة مشيرة إلى بث التسجيلات للسيناريوهات الأسوأ التي يحبكها خيالها على هيئة "تصعيدات فكرية" تناقض أحلام اليقظة، وذلك من خلال اعتمادها على مشاعر الفرد المستمرة تجاه تصور الأسوأ.
ويحيط عملها الثالث "صفارات إنذار صامتة" 2018 بالعملين السابقين، وهــو عبــارة سلســلة من لوحــات LED المضيئــة تمت برمجتهــا بعبارات عربيــة عاميــة يولدهــا كل صنــدوق مضيء عبر شاشــاته بشــكل وامض وكأنهــا تحذيــر من نــوع ما، لتحمل في بعض الأحيــان معنى مزدوجا عند تغيرهــا. فتبــدو عبارة "معليش" وكأنها "مش"، و"قــوي قلبك/ قلبك قوي" وجميعهــا عبارات تســتخدمها الفنانة كمــا تعلمت من والدتها لتهدئة نفســها خلال المواقف المثيرة للتوتر. وبذلك ترســل هذه العبارات المضيئة باللغة إشــارة لتوخي الحذر حتى وإن لم يكن المشــاهد ملما باللغة العربيــة، وهــو ما يدعمه وضع تلك العبارات بأســلوب مشــابه لوضع علامــات الخروج والتحذير.
وتعد الحياة اليومية بالنسبة لقاعود بيئة من الاحتياطات أو «المحفزات» للتصعيد الذهني. إذ وعند النظر إلى العالم من خلال منظور من الصدمات، يصبح كل مخرج للطوارئ، وزر إنذار، وتدريب على الحريق، وسيارات الشرطة والإسعاف بمثابة تذكير بتلك الصدمات. وفي الوقت الذي يستقر فيه الناجون من الكوارث الوطنية في مدن أجنبية حول العالم ومنها دبي، تنقل ممارسات قاعود أحاسيس يشعر بها المشاهد. إذ يبحث الفرد على الدلائل في الأرض الغريبة: فهل من أبسط تجلي الآمن اللعب هنا؟
في عمله الفني الضخم الجديد المُسمى "فاصلة"، يُقدم الفنان جزءاً من العالم الفريد الذي أبدعه على أرض المعرض، ويطرح تساؤلاً حول مصير الذكاء الاصطناعي بعد فناء المكونات المادية التكنولوجية. ويحمل العمل الزوار في رحلة عبر 20 طناً من الرمال الصناعية المصبوغة بلون وردي فاقع، والذي يشيع استخدامه في منتجات ثقافة البوب وتصورات نهاية العالم. وينظر جميري إلى الزوار بوصفهم "كيانات ذكية" تدخل إلى فضاء افتراضي، حيث يتواصل الزوار مع العمل بصورةٍ مشابهة لتواصل الأصدقاء الافتراضي عبر "فيسبوك".
يركز جميري الذي ولد ونشأ في دبي، يشتق "اسمه الفني" من محل إقامة أسرته الأصلي في منطقة جميرا بمدينة دبي، في ممارساته الفنية علــى صنــع الموســيقى وتأديتها، لدرجة صنعه وتســجيله أغنية جديدة كل يــوم لمدة خمســة أشــهر متتالية دون توقف خــلال إحدى الفترات. وتجدر الإشارة إلى تطور أعماله في جزء منها نتيجة لافتتانه المبكر بنجوم البوب الأميركيين، وإدراكه بعدم مقدوره المشاركة في عالم نجوم البوب هذا.
يستخدم جميري الانترنت كماسحة افتراضية لعرض شخصيته الأخرى وهي شخصية جميري، فنان البوب الشهير الذي يعشق هذه البيئة الإلكترونية. والــذي أنتــج فــي "كون جميري" ألبومات غنائيــة حازت على أهم وأكبر الجوائــز الموســيقية فــي العالم، وله بضائع ومواد إعلانية تحمل اســمه الشــهير متاحة للشــراء من خلال موقعه على شــبكة الإنترنت لتصل إلى العالم الملموس. وبالتزامن مع ذلك، يحافظ الفنان على سريته في حياته الطبيعية وكما عبر عن الأمر قائلا: ّ يمث، «أردت تكوين كون يمثل جميري نفسه فيه بصدق ودون أية قيود". 
كون جميري هو كون أطلق عليه  BRZ5 أو "برزخ" في إشارة إلى موقع انتقالي، ومساحة تكمن ما بين العالم المادي والعالم الروحاني. وهنــا فــي هذا العالم يختبــر جميري تجاربه الفكرية متســائلا: أين يذهب الــذكاء الاصطناعــي عنــد موت التكنولوجيا؟ ما الذي ســيبدو عليه برزخ تكنولوجياتنا الميتة، وكيف ستكون الأصوات الساكنة فيه؟ ويتخذ هذا العالم المتخيل هوية بصرية مميزة من خلال بيئته الصحراوية ذات الألوان البنفســجية والورديــة الشــبيهة بالألوان التي يتمتــع بها كوكب المريخ "الكوكب الأحمر". كما يشار إلى وجود عوالم أخرى في كون جميري هذا، يتعاون فيها الفنان الموسيقي الشهير مع هيئات أخرى لها ذات الغنى من الألوان والشخصيات.
يطرح أيمن زيداني نظرة متأملة حول مفردات الطبيعة والتكنولوجيا من خلال عمل تركيــبي فني تم تكليفــه لهذا المعرض تحت عنوان "بين التشوش والتشابك" يشغل نصف غرفة في مســاحة العرض، غامرا المشــاهد فــي عرض ضوئي لفيديــو يبدو وكأنه عرض ضوئي تجريــدي، يقابلــه في الزاوية الأخرى مصابيــح مخصصة لحضانة النباتــات ونموهــا، وضعــت تحتها بعض النباتــات الجافة لتنمو في أواني مختبر زجاجية. وتشــغل منتصف مســاحة العرض أرائك بســيطة تدعو الجمهور للجلوس والتأمل.

يطلق على النباتات الجافة القابعة تحت أضواء الحضانة "كف مريم" وهي نوع من النباتات تدب فيها الحياة بعد أن تبدو جافة ومغلقة على نفسها وكأنها ميتة لعدة سنوات، إلى أن توضع في الماء فتتفتح وتزهر. هنا، يضع الفنان النباتات رأسا على عقب، غامرا الأصابع في الماء وواضعاً الجذور في الأعلى. وهكذا تتفتح تلك النباتات في أوعية المختبر تحت ضوء غير طبيعي.
ويتواجــد بالقــرب من هذه النباتات الجافة صورة فوتوغرافية ليلية يكســوها ضوء بنفســجي، التقطها زيداني كجزء من سلســلة تناولت جزيرة النور في الشــارقة، حيث درس زيداني لعدة ســنوات التقاطع في الجزيرة بين الحياة الاصطناعية والنباتية. إذ تم تطوير الجزيرة كوجهة لمحبي الفن والطبيعة من خلال استيراد وزراعة مجموعة كاملة من شتى أنواع النباتات من جميع أنحاء العالم وتضاء الحدائق الناتجة عن استيراد هذه المجموعة من النباتات بأضواء متعددة الألوان تم تطريزها بين النباتات لتقديم عرض ضوئي في المساء.
ويقدم الفنان فــي عرض الفيديو كولاجا من المشــاهد من جزيرة النور بالشارقة يبــدو تجريديا في بعض من لقطاته إذ توحي الأضــواء المحبوكة في النباتــات بالشــرايين، ممثلــة لتقاطع بين النشــاط الحيوي والكهربائي.
ومن جانبه، يستعرض عمل "موجة هادئة" للفنانة رجاء خالد تصميماً إبداعياً لأحد استديوهات اليوجا في عام 2021، وتقدم الفنانة عروض أداء برفقة عدد من أبرز مدربي اليوجا، والتي تُعرض عبر إنستاجرام على الحساب الرسمي لرواق الفن @nyuadartgallery. ولكن الأمر الأكثر تميّزاً في العرض هو عدم وجود أي حركات يوجا. وستزدان المساحة بإبداعات من لون "الموجة الهادئة"، والذي من المتوقع أن يكون واحداً من الألوان الرئيسية الخمسة في تشكيلة ربيع وصيف 2021. 
وقد وُصف هذا اللون ضمن أوساط المبيعات بكونه "لون تفاؤلي ومستقبلي، ويُقدم المزاج الأمثل لبداية العقد الجديد"، ويعكس أيضاً اهتمام الفنانة في كيفية عمل قطاع الصحة والعافية على تحويل الصحة البدنية والنفسية إلى سلعة متداولة. وعبر الدمج بين المفاهيم التجارية ومفردات الصفاء والعافية لتقديم فرص متميزة للتأمل والترويج للمنتجات في الوقت ذاته، يُتيح العمل للزوار اختيار الطريقة الأمثل لتفسير هذه المناظر الإبداعية.
ومنذ إطلاق رواق الفن بجامعة نيويورك أبوظبي عام 2014، شكّلت المساحات البيئية (سواء كانت طبيعية أو بشرية الصنع) واحدة من المواضيع المحورية ضمن إطار العمل التنظيمي للرواق، بهدف تشجيع التأملات المتراكمة خلال تجارب الحياة في دولة الإمارات على الصعيدين المادي والثقافي. وعبر معرض "سرديات تأمليّة"، تعود مايا أليسون رئيسة القيّمين الفنيين المدير التنفيذي لرواق الفن لتتطرق إلى مشاهد الحياة المختلفة في دولة الإمارات عبر سلسلة من التأملات والتصورات المتعمقة التي يستنبطها الفنانون من البيئة والعالم المادي سريع التغير الذي يحيط بهم.
تقول أليسون "أتابع منذ مدة أعمال هذه المجموعة من الفنانين الصاعدين المتواجدين في دولة الإمارات، والذين يشكلون جزءاً من مجموعة أكبر نجحت في تقديم إبداعات جديرة بالاهتمام في مختلف أنحاء الدولة، كونها تمثل محاولة للإجابة عن الأسئلة المهمة والكبرى حول عالمهم. وأُعجبت للغاية بأعمال الفنانين الأربعة المشاركين في المعرض حيث إنها تقوم على مقاربة حوارية تفاعلية مع المحيط العام والأجواء الخاصة بدولة الإمارات، وتقدم تعبيراً غير مسبوق عن عالمنا المعاصر. 
ويُعد هؤلاء الفنانون من أهم المواهب الفنية الصاعدة في دولة الإمارات، وتشكل أعمالهم خيارات جديرة بالمشاهدة بالنسبة للمهتمين بالمشهد الفني المعاصر لمنطقة الشرق الأوسط (أو منطقة غرب آسيا). ووسط المشهد العمراني سريع التطور والتوجه الكبير لدولة الإمارات لتطوير البنية الحضرية، توصلنا إلى ضرورة أن تشكل أعمال المناظر الفنية موضوعاً رئيسياً بالنسبة لرواق الفن منذ تأسيسه عام 2014. ويسرني استجابة الفنانين لدعوتي باقتراح عمل تكليف فني جديد يتمحور حول موضوع ذي صلة وثيقة بالأسئلة المتعلقة بالمناظر المحيطة بنا".