سرور علواني خريف مثمر وشتاء ماطر

سرور علواني تلميذ في الفن وأستاذ جامعي إذ يعمل محاضراً في كليات الفنون والعمارة لسنوات طويلة.


فنان سوري يحدق في أفق تتسارع الفصول في إرسال النبض فيه


أعمال تنبض على امتداد الفيضانات وخرائبها

سرور علواني كما نعرفه فنان مجتهد له قدرة عالية على فرز المعادلة الفنية بين معطياتها الإبداعية ومعطياتها الحرفية، فرغم أنه يقدم نفسه كتلميذ في الفن باحث عن الجمال في خلق رب الجمال، وهذه تسجل له، فالفنان الحق يبقى خاشعاً ومتواضعاً مهما علا شأنه. 
أقول رغم أنه يقدم نفسه كتلميذ في الفن فهو الأستاذ الجامعي أيضاً، إذ عمل محاضراً في كليات الفنون والعمارة لسنوات طويلة، سرور اسم لا يمكن تجاهله، فهو يصعد بحركات مشبعة بالحس أشبه بذلك الضوء الذي يسطع من أعماله، وهو يمتص منا كآبتنا ليضعنا في أجواء لا تزال خضراء في أرواحنا، يلفح دواخلنا بلغة لا تكاد تفرش ملامحنا على نحو إستثنائي حتى يبدأ الفرز الذي يريده، فيضع أمامه وأمامنا تلك الحرفية الكبيرة بتقنيتها التي تقتل النعاس في العمل المنتج وتبقيه في حالة النبض على امتداد الإنتماء لبحر الجمال وآفاقه اللانهائية، تبقيه تربة خصبة وغنية لأسئلة جديدة، لفصول تبحث عن ألوانها، فالتأثيرات الزمنية في أعماله لها أطوارها التي لا تتلاشى في ملامحها، ولا في قيمها فحسب، بل تسافر كالسراب في لحظاتها الدائمة الإحاطة بسمواتها التي لا يمكن القبض عليها إلا وهو ممتلىء بالدهشة.
ونحن معه ممتلئين بسر هذا التأثير المسافر فينا كأغنيات رددها الأولون حين كانوا يفكون الكرب عن تلافيف قلوبهم، حين كانوا يلمسون الروح من سريرته بحثاً عن جذور ممتدة في الضياع، حين كانوا يحدقون في أفق تتسارع الألوان في إرسال النبض فيه، فعلواني له لغته التي يصر على عدم سقوطها في الإفراط اللوني، فكل مساحاته لها خلفيات غير هادئة، ولهذا تشكل فصوله ملحمة منها يستلهم نشاطه الإنفعالي الجميل مع القدرة بالسيطرة على حالات الصعود والهبوط وما يرافقهما من أصوات، وكأنها معزوفات ناي لفنان غارق في العشق حتى قصباته، كأنها معزوفات تؤكد على قدرته في الوصول بفلسفة تحمل إرثاً من التفاعل الذي به تزداد مفرداته ألقاً، كإشارات غير معقدة، كإشارات لها كل المقدرة في كشف ما يوحي بأن الإنتماءات المختلفة تخلق في لحظة ما، هي بوابة العبور من / إلى هذا العالم المضطرب بنا.

هو كفنان لا يترك اللثام أبداً، بل يحركه ضمن أسس ثابتة من الخطورة بمكان مقارنته بمرئياته المتألمة جداً، القريبة من الذات المليئة بالإنكسارات، القابلة للإحتمالات كلها، الهادئة والصاخبة في الآن ذاته، هي رؤاه للعالم كجزء وككل، يعمل للكشف عن ذاك السر الذي يجعله يهد كل الجدران التي تقف في طريق تجربته وبالتالي في طريق طموحاته، وهذا ما يجعل أعماله تنبض على امتداد الفيضانات وخرائبها، فعلواني لا يمكن أن يهدأ فمشاهده المرئية هي تكوينات لشظايا عناصر حاسمة لا من وجهة نظره فحسب بل من وجهة نظر متلقيه أيضاً، ومشاهده غير المرئية هي من طبيعة دواخله الخاصة تجعله سيداً للتأمل وللمسافات التي تمضي نحو محور الأشياء محققاً عملاً فنياً بمناخات جديدة، فيه تتلاحم الرؤى والقدرة على تحريك الوقت بإستراتيجيات جديدة تعزز تجربته وحضورها بما يليق بها.
إن عطاءات علواني تتميز كقيمة إبداعية / فنية بوصفها تسجيلات لإحساساته باللون والشكل، بإيقاعات خاصة مستمدة من طريقته في العزف محافظاً على الوزن في مقاطع تشكيلاته فهو مدرك أن الوزن يضفي نظاماً خاصاً على الزمن، وفي أحيان يندفع بسرعة مفاجئة وكأنه في سباق مع / بين الألوان، يعزف من خلال تلك السرعة التي تشتمل على دقة زمنية تجعل عمله أكثر إحكاماً بعيداً عن أية مبالغة، فهو يعتمد على مثيرات سيكوفيزيقية ولهذا تتردد أصداؤها بإيقاعات هادئة تماماً أو صاخبة تماماً، ومن الممكن أن يزيد ذلك من الإستجابة لإحتمالات جمالية كافية إلى حد كبير للإهتمام بتلك المتغيرات الموقفية وتأثيراتها في الحالة / حالة العمل وحالة المتلقي. 
أقول إن عطاءات علواني تتميز كقيمة إبداعية / فنية بوصفها تسجيلات لإحساساته باللون والشكل، باللون كأحد أهم الثوابت في الطبيعة، وأحد أهم المعايير التي نحكم من خلالها على الأشياء، فلونه يملك الثراء كله، وبالتالي يملك طاقة تجعل المتلقي يستمتع بها على نحو كبير، وبالشكل الذي يملك الإيحاء أكثر من التنبيه المرتبط به والقائم على إستثارات تفضيلية إنبساطية منخفضة حيناً أو إنكسارية مرتفعة في حين آخر، فهو يتوجه به نحو مصدر الضوء، وإلى مناطق التضاد بين العتمة والضوء حتى يبدو وكأنه منهمك في إظهار عملياته بردود أفعال إرادية، على حين اللاإرادية هي التي تحرك مشهده كله حتى كاد أن يتحول إلى نمط بصري مختلف مهما ظهرت فيها التضادات، وبذلك كأنه يؤكد أن الإهتمام الشديد بكل تفاصيل العمل من شأنه حشد عناصر أساسية في الحياة، كما تتميز أعماله كقيمة معرفية منها تتدفق الشلالات بتركيز عقلي يحمل الكثير من المهارة الحركية بمدى أوسع وذاكرة أدق نحو فكرة عامة مفادها إن أي إحساس بالجمال، وأي استكشاف للعالم البصري لا بد من وجود التذوق للفن كتعبير آخر عنه، فطموحات علواني تعزز وجوده الخاص وحضوره الراسخ، وتتآلف مع قوى خاصة بالسعي نحو توسيع حدود التعبير بضخ حركات جديدة برؤى فنية جديدة تعطي بدورها إحساساً بصرياً جديداً خاصاً بالمكان بعناصر جديدة (كتلة، حركة، ضوء، ....) ستشكل لاحقاً الصيغ البصرية لأعماله والتي ستثير داخلنا ما ينبغي أن يكون في حالة إتصال مع لا شعورنا الخاص، وقد يكون ذلك كافياً لحدوث متعة جمالية تجعلنا نندمج في تحولاته الخاصة، فعلواني يعي أن أي عملية إبداعية ينبغي لها أن تضع متلقيها في حالة إتصال مع لا شعوره الخاص، ولهذا فهو يرتقي بمتلقيه مع عمله الفني موجهاً به نحو اكتشاف عمليات خاصة كمفاتيح لخزائن المتعة الجمالية.

سرور علواني يهتم بتطوير أسلوبه، ويصر على إظهار الإحساس الجمالي فيه / به، وعلى نحو خاص خلال تلك المواجهة أو الإلتقاء الذي يحدث بين المتلقي وعمله الفني، موظفاً تفاعلاته وتلميحاته كإلماعات ضمنية متبادلة بينه وبين عمله من جهة، وبين المتلقي وعمله من جهة ثانية، وتتطور تلك الإلماعات كلما تطورت العلاقة التشاركية بين العمل وخالقه ومتلقيه، ويزداد التعلق بينهم على شكل إقامة صلات وروابط إبداعية بين عوالمهم جميعاً، تلك العوالم التي تتشكل كلما ازداد اللعب الخيالي كجسر مهم يربط بين تخيلاتهم، وهنا يبدأ دور علواني في إستثمار تلك التخيلات وما تحمله من موضوعات وتهويمات عبر خبراته الثقافية والجمالية، حينها تبدأ العلاقة بين مفرداته والتي تتسم بالألفة والمتعة والحميمية، وعلى نحو عام فخطوات علواني المتدرجة منها والمتلاصقة خطوات مبدع محترف يبتعد عن المألوف ولا يتردد في السير في طريق مختلف، فخريفه مثمر جداً، وشتاؤه سيكون ماطراً جداً.