جيهان محمد علي وإعادة إنتاج الفعل الجمالي
وأنا أقف أمام الأعمال الأخيرة لجيهان محمد، تذكّرت الكاتب حسين راجي وهو يتحدث عن فاتح المدرّس في طرافة بداياته، فيقول بأن فاتح شارك في مسابقة أجنبية (فرنسية) وهو مازال في طور الإقلاع، ففازت لوحته وتم نشرها في الصحافة الأجنبية على نحوٍ مقلوب. فاعتقد فاتح أن الأمر قد يكون خطأً مطبعياً أو فنياً يخص الصحيفة التي نشرت اللوحة، ولكن بعد إعادة اللوحة إليه تبيّن له بأن اللوحة عُرضت على نحوٍ مقلوب. وحين همَّ إلى مقهى القصر التي كانت واحة المثقفين لزمنٍ قريب ليعرض عمله لأصدقائه، علّقها بالشكل الذي عرضها الفرنسيون، فاعترض الراجي بداية، ولكن إجابة فاتح أسكتته حين قال: "ليش نحن نفهم أكثر منهم؟"، ويقصد الأجانب بكل لجانهم وصحافتهم.
تذكّرت هذه الحادثة وأنا أقترب من أعمال جيهان الأخيرة، فهي هنا تقدّم اللوحة الدائرية التي تُقرأ وتُعرض من كل الجهات، وهذه سِمة تحتاج جرعة زائدة من الجرأة، ويبدو أنها تمتلكها. فهي تقترب من أشكالٍ تأنّقية تعكس حالات نفسية ومزاجاً رائقاً، تقدّمه لنا ضمن تحوّلاتٍ تصطبغ بشيء من الشاعرية والخيالية، فهي هنا في أقصى حدودها الحسية لوجود خلطةٍ لونية تتعامل معها بعمقٍ يضاعف تأثيرها على المتلقي، ويلزمه بالتوجّه على كيفية مفتوحة، على عكس اتجاه الساعة أو في اتجاهها، لا فرق، دون أن تستطيع شلّ ولو نافذة واحدة، فجميعها يجب أن تكون مشرعة للشمس وللريح معاً، حتى تحتفظ بأصابعها مفتوحة، فالقُبضة تقتل لا مشاهد اللوحة فحسب، بل منتجها أيضاً بكل ما تحمله من مضاعفاتٍ تعبيرية تجعلك بالضرورة تقرؤها بلغةٍ غير عبثية بل معاصرة، وإن كان ذلك سيوقعك في محاور عديدة، جميعها متاحة لنطقها بغزارةٍ محتملة وفي نطاقٍ غير محدود، ليمنحك لاحقاً قدراً من البحث والتركيز والإحكام.
وهذا ما يستدعي من جهاتٍ استحضار أدواتٍ تعبيريةٍ متباينة وتقنياتٍ مختلفة لرصد واقعها المتخيَّل بلغةٍ بصريةٍ غير قابلةٍ للتعميم، بل قابلةٍ لإحالة السياق لتأمل الخصائص الجمالية لديها تبعاً لسعيها إلى طرق المعالجة الفنية، مهما تباينت وجوه الرؤيا في اشتغالاتها، والإفادة من الطرح الذي يغوص في كثافة البنية الإنسانية لسبر حقائقها والقبض على لحظاتٍ هي الأكثر أثراً في استعادة التفاصيل المفقودة من النغمة المائزة للتحوّلات المولّدة لدوافعها في تعدّد أشكالها.
فجيهان ليست عاجزة عن التقاط الأنغام المتداخلة للحالة، فالزمن عندها غير واقفٍ وغير منتهٍ، ولهذا لا تتردد في احتواء شاعريةٍ عذبة بين ألوانها مع استطراداتٍ في بثّ حكاياتٍ فرعيةٍ لذيذة تنسجم مع ميول المتلقي وتفاعله في علاقات الإرسال والاستقبال بينه وبين العمل. وهذا ما ينطبق على المدى المجدي الذي تولده جيهان في الأفق المساق إليه ضمن عملية التدافع والتجاور للمكوّنات البنائية لحركية الاختيار في العمل، الذي يميل بمجمله إلى إعادة إنتاج الفعل الجمالي.





