'سفاري سراييفو' أعاد فتح جرح السياحة الحربية بقنص المدنيين

أثرياء من دول غربية، بينهم إيطاليون وألمان وفرنسيون وبريطانيون، دفعوا مبالغ طائلة لقناصة صرب خلال حرب البوسنة مقابل المشاركة في إطلاق النار على المدنيين.

روما - يكشف الكاتب الصحفي الإيطالي إتسيو جافاتسيني النقاب عن تورط أثرياء من دول غربية بقنص مدنيين خلال حرب البوسنة، وذلك بغرض التسلية، ضمن ما عُرف آنذاك باسم "السياحة الحربية".

وقرر جافاتسيني رفع بلاغ رسمي بعد مشاهدته الفيلم الوثائقي "سفاري سراييفو" بالعام 2022، الذي تضمّن شهادات لأشخاص التقوا ببعض أولئك القناصين أو شاهدوا أنشطتهم.

وتابع "هذا الموضوع ظلّ في ذهني منذ منتصف التسعينات، لكن الفيلم الوثائقي أعاد فتح الجرح، ومنه بدأت بحثي الصحفي الذي قادني إلى هذه الحقائق الصادمة".

وقال جافاتسيني إن أثرياء من دول غربية، بينهم إيطاليون وألمان وفرنسيون وبريطانيون، دفعوا مبالغ طائلة لقناصة صرب خلال حرب البوسنة مقابل المشاركة في إطلاق النار على المدنيين.

وهؤلاء الأثرياء كانوا يسافرون بأعداد كبيرة في عطلات نهاية الأسبوع إلى سراييفو، أثناء الحصار الذي فُرض على العاصمة البوسنية بين عامي 1992 و1995، وفق المتحدث.

والتحقيق الذي فتحته النيابة العامة في مدينة ميلانو الإيطالية (شمال) يعيد إلى الواجهة واحدة من أحلك صفحات حرب البوسنة، المتمثلة في حصار سراييفو وما رافقه من جرائم قنص استهدفت المدنيين.

وأوضحت وثائق التحقيق أن بعض الإيطاليين كانوا يدفعون ما يعادل 80 ألف إلى 100 ألف يورو للمشاركة في إطلاق النار على السكان الأبرياء، مستغلين الحرب كمصدر "تسلية دموية".

وأوضح الكاتب أن "العملاء النموذجيين" لتلك الرحلات كانوا من الأثرياء البارزين وأصحاب الشركات والمحترفين الذين يهوون السلاح والصيد.

ويشير إلى أن هؤلاء الأثرياء كانوا يُنقلون إلى مناطق النزاع، خصوصًا سراييفو، وموستار، وسربرنيتسا وبالي، مقابل دفع مبالغ ضخمة.

وفي وصفه لعمليات القتل، أوضح "لم يكن هناك أي تمييز في الأهداف، كانوا يطلقون النار على الجميع، أطفال ونساء ورجال". وتابع "القتل كان جزءًا من متعتهم الوحشية، بينما يقوم مرافقون محليون بتأمين تحركاتهم ومواقع إطلاق النار".

ويقول الصحفي الإيطالي إنه لا يملك رقمًا نهائيًا لعدد المشاركين بهذه الجرائم المروّعة، لكن المصدر الذي زوّده بالمعلومات أبلغه بأن الحديث يدور عن مئات الأشخاص.

وأشار جافاتسيني إلى أنه قدّم في فبراير/شباط 2025 بلاغًا مكونا من 17 صفحة إلى النيابة العامة الإيطالية في مدينة ميلانو.

ولفت إلى أن النيابة درست الملف على مدى عدة أشهر قبل أن تفتح تحقيقا رسميا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وتنقله إلى وحدة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. متابعا "لو أرادت النيابة إغلاق الملف لفعلت لكنها لم تفعل، بل قررت المضي في التحقيق، وهو ما يؤكد أن ما عُرض من أدلة يستحق المتابعة القضائية".
وتأتي هذه التطورات بعد نشر مقاطع مصوّرة بالعام 2021 أظهرت قناصة صرب وهم يستهدفون مدنيين في سراييفو، ما أعاد إلى الأذهان سنوات الحصار التي استمرت 3 سنوات ونصف وأسفرت عن مقتل أكثر من 11 ألف مدني، بينهم 1600 طفل، إضافة إلى دمار واسع لِلبنية التحتية والمعالم الثقافية للمدينة.

واختتم الكاتب في حديث للأناضول "ما حدث في سراييفو لم يكن حربًا تقليدية، بل تجارة دموية شارك فيها من أراد أن يشتري الموت كهواية. واجبنا أن نكشفهم واحدًا تلو الآخر حتى لا يفلت أحد من العدالة".

وارتكبت القوات الصربية العديد من المجازر بحق مسلمين، خلال حرب البوسنة التي بدأت بالعام 1992 وانتهت في 1995 بتوقيع اتفاقية دايتون، وتسببت في إبادة أكثر من 100 ألف شخص، باعتراف الأمم المتحدة.

كما دخلت القوات الصربية، بقيادة راتكو ملاديتش مدينة سربرنيتسا في 11 تموز/ يوليو 1995، بعد إعلانها منطقة آمنة من قبل الأمم المتحدة، وارتكبت خلال عدة أيام، مجزرة جماعية راح ضحيتها أكثر من 8 آلاف بوسني.

ووصفت محكمة العدل الدولية في لاهاي، في قرارها الصادر عام 2007، ما حدث في سربرنيتسا وضواحيها بأنه "إبادة جماعية"، وذلك تماشيا مع أدلة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.