"سلالم ترولار" تكشف كيفية التلاعب بالشعوب

رواية الجزائري سمير قسيمي تدور في أجواء سريالية عبثية ساخرة في فترة ما قبل الحراك الثوري الجزائري الذي أطاح بحكم الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.


الرواية الجريئة والسياسية بامتياز تقوم على فكرة اختفاء الأبواب بشكل مفاجئ، لتنقلب الحقائق ظهراً على عقب


السارد يغوص في عالم الكاتب غريب الأطوار، الذي اختار لأسباب مجهولة، أن يعطي أعماله لرجل بلا موهبة، ليكتب هو رواياته باسمه

في أجواء سريالية عبثية ساخرة تدور أحداث رواية "سلالم ترولار" للروائي الجزائري سمير قسيمي، الصادرة عن منشورات المتوسط، والتي وصلت مؤخراً إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية لعام 2020.
منذ بدايتها تتخذ الرواية، الواقعة في 168 صفحة من القطع المتوسط، من العاصمة الجزائرية مسرحاً لأحداثها التي تدور في فترة ما قبل الحراك الثوري الجزائري الذي أطاح بحكم الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، ولكن في إطار واقع موازٍ من مخيلة الكاتب، تطغى عليه الفانتازيا والسخرية والرمزية.
بلغة قوية وسلسة في الوقت نفسه، رسم الكاتب في روايته "سلالم ترولار" بجدارة معالم بائسة لمدينة تتداعى بالفعل؛ حيث يعيش أهلها في فقر شديد يدفع أعدادًا كبيرة إلى التسول في الشوارع، أو أن تقتات على مخلفات الطعام الموجودة في صناديق القمامة، بينما يتوقع بقية السكان أن يسوء بهم الحال ليحذون حذوهم.
وفي إشارة إلى تفشي الجهل والثقافة الاستهلاكية والجشع يحدثنا سمير قسيمي عن انتشار الأبناء غير الشرعيين والإلحاد، في تلك المدينة الدولة المتداعية، التي تفشت فيها المطاعم بشكل جنوني على النقيض من المكتبات والسينما والمسارح الآيلة للإنقراض، وحتي المراحيض العامة، يصف سكانها بأنهم "كروش" ممتدة دون رؤوس، تحكمهم فئة ديكتاتورية حاكمة تسكن في الأعالي، أسماهم "الآلهة"، وأن رئيسهم قد تحول لما وصفه بـ"الزومبي"، موضحاً أنهم قد سلبوه روحه وقتلوه حياً بتقييد سلطاته وإخفائه عن الأنظار، حين كشف لهم عن رغبته في التنحي عن الحكم.

 "سلالم ترولار" ليست بالرواية المبهجة، لكنها بمثابة صرخة تحذيرية من أديب جزائري، كان يرى أن وطنه سقط في عمق الهاوية، متنبئاً بوقوع تغيير ما في المستقبل القريب

ويتضح عبر السرد الذي اعتمد فيه قسيمي على أسلوب الراوي العليم، مدى اتساع الفجوة بين الفئة الحاكمة وسكان المدينة الذين تحولوا من "إنديجان"، ثم "غاشي"، ثم إلى رعية، وأخيراً إلى شعب عظيم مشكّل من رجال أفضل، حولتهم الحكومة إلى هيئة "المواطن بلا رأس"، وصاروا مقسمين إلى "أبناء الفاميليا" المولودين لأبوين، وهم المرتبة الأدنى التي تتعرض لمضايقات رجال الأمن، ومجاهدين وحركيين، كوافا، كعب، والذي لا يعرفون آباءهم، بعد مرور 60 عاماً على ثورتهم العظيمة - في تلميح من الكاتب لثورة التحرير الجزائرية.
تضم الرواية، التي تنتمي لأدب ما بعد الحداثة، عدداً من الشخصيات الرئيسية هي: "جمال حميدي، أولجا، الكاتب، الرجل الضئيل، عصام كاشكاصي"، وأخر فرعية مثل: "إبراهيم بافولو، الرجل صاحب اسمه، موح بوخنونة، إيلاغين وصهره، أميرة.."، تتشابه كلها في كونها قبيحة ومرسومة بقلم كاريكاتوري ساخر، وجميع حيواتها تتقاطع أو تتناسخ في نسيج أحداث "سلالم ترولار".
وتقوم تلك الرواية، الجريئة والسياسية بامتياز، على فكرة اختفاء الأبواب من عالم الرواية بشكل مفاجئ، لتنقلب الحقائق ظهراً على عقب وتظهر إلى العلن كافة الأسرار المخفية حتى المشينة منها، فيفضح أمر كثير من رجال السياسة والدين، ويختفي الحد الفاصل بين العهر والشرف، وتعم الفوضي ويسود السلب والنهب في البلاد، وتختفي السجون والمحاكم ويهرب رجال الشرطة وتتعرض البنوك للسرقة بعد اختفاء أبواب الخزن، وتطالب العاهرات برد الاعتبار بعد اختفاء بكارات العذارى، ويعرف "جمال حميدي"، الذي صار عميداً للبوابين، طريقه لصانع القرار ومهندس السياسيين، الذي أخفى الكاتب اسمه واكتفى بوصفه بالرجل الضئيل، ليجعل منه رئيساً للبلاد، بعد هروب الطبقة الحاكمة إلى ما وراء البحر وإعلانهم وفاة الرئيس "الزومبي".
ويكشف قسيمي في عمله الروائي التاسع، عن ماضي أبطاله واحداً تلو الآخر، فيكشف عن قصة زواج  "جمال حميدي"، الذي عمل بواباً لوزارة الثقافة، بالشاعرة المغمورة "حورية"، التي أطلق عليها اسم "أولجا"، ويعود بنا إلى ماضيها كطفلة رضيعة لقيطة، تنتمي لعالم من وصفهم بـ"الآلهة"؛ فهي حفيدة " الرجل الضئيل"، الذي كلّف "إبراهيم بافولو" بتبنيها واخفاء ماضيها.
وشخصية "عصام كاشكاصي" الرجل المسن الذي يقتات على ما يجده من مخلفات الطعام في صناديق القمامة، والذي كان قد تعرض للاعتقال من قبل بتهمة سياسية، ولكن عند اختفاء الأبواب يمتهن السرقة والسلب والنهب، ويهتم بجمع الذهب.
ويغوص السارد في عالم الكاتب غريب الأطوار، الذي اختار لأسباب مجهولة، أن يعطي أعماله لرجل بلا موهبة، ليكتب هو رواياته باسمه، ويراقب رحلته للصعود والشهرة على سلم المجد الأدبي، بينما يستمتع بممارسة غطرسته تجاهه والتحكم في مصيره كالدمية، بينما يطلق عليه لقب "الرجل صاحب اسمه"!
ويتتبع الراوي مصير عملة نقدية قديمة جاءت عبر البحر من عالم أكثر تحضراً لتقع في إيدي إنسان بدائي يدعى "إيلاغين" كان يعيش على تلك الأرض نفسها، التي أقيم عليها مستقبلاً حي "ترولار"، أحد أشهر الأحياء الشعبية بالعاصمة الجزائرية، والذي اتخذه سمير قسيمي مسرحاً لأحداث الرواية.
ويتطرق الكاتب لمسألة تراجع اللغة الأم في مواجهة لغات ما وراء البحر، محملاً السلطة التي وصفها بـ"الآلهة الجديدة" مسئولية الأمر، في إشارة منه لتفشي اللغة الفرنسية بين الجزائريين مقارنة بالعربية والأمازيغية.
وفي الثلث الأخير من "سلالم ترولار" يعالج قسيمي في روايته عبر حكاية هزلية من نسج الخيال، كيف يمكن التلاعب بالشعوب الجاهلة تحت مسمى الدين، عبر شخصية رجل بدائي مصاب بالفصام العقلي والصرع، يزعم أنه يتلقى وحياً من السماء ويستمع لأصوات الملائكة والشياطين، ويقود بذلك مجتمعاً من البدائيين الجاهلين، ويصل به جنونه لطعن "إيلاغين"، خطيب ابنته، وإلباسه ثياب الملك المتوج بالشوك صاحب العملة النقدية الغريبة، الذي غرق قاربه بالبحر، وجرفته الأمواج نحو الشاطئ، ليعثر عليه الخطيب المغدور. 

novel
رمزية صادمة 

ويزعم الرجل المجنون أن آلهته اختارت "إيلاغين"  ليكون وعاءً لتنفخ فيه الروح ويبعث من جديد، ويأمر بتحنيط جسده ووضع العملة في يده اليمنى، وبناء بيت للجثة من الطين، بلا منفذ، ليتحول فيما بعد لمقام يقصده البعض للدعاء!
ثم يعود سمير قسمي بالقراء مرة أخرى إلى الزمن الحاضر، في الفصل السادس من الرواية؛ حيث يعيد الأبواب إلى أمكنتها بشكل مفاجئ، بطريقة سوريالية هزلية؛ حيث بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى كلما أنهت شخصية "الكاتب" فصلاً من فصول الرواية الجديدة؛ ليرصد لنا السارد تحولات عالم الرواية بعد عودتها من جديد، ليعيد الشعور بالأمان والأمل معاً لسكان المدينة الدولة، وكأنه أراد أن يعطي رسالة أمل للجزائريين مفادها أن سقوط السلطة الحاكمة المتسلطة على حياتهم ربما سيجلب الفوضى، لكنها فترة مؤقتة ستعود بعدها الأمور إلى نصابها الصحيح.
ويشير الكاتب لكيفية صناعة الوهم، وتغييب الشعوب باستخدام الإعلام وخطابات السياسيين الكاذبة وكلامهم المعسول، وكيف يستخدمون كواجهات لصناع القرار ويتم تحريكهم كالدمى، عبر شخصية "جمال حميدي"، الذي تحول في يومٍ وليلة إلى زعيم شعبي وعالم ومنقذ للبلاد، يتظاهر الناس للمطالبة به رئيساً شعبياً للبلاد. 
وفي مشهدٍ قاسٍ يظهر سادية "الرجل الضئيل"، المهندس الأكبر صانع الحُكام، الذي صنع من  "جمال حميدي"، زعيماً يستعد لخلافة سابقه "الزومبي"، يستمتع برؤية تلميذه المُقعد وقد سقط أرضاً لفرط ضحكه وانقلب على ظهر كالسلحفاة عاجزاً عن النهوض، ليلقنه أول درس بعد الوصول إلى السلطة.
وفي الفصل السابع يفجّر الكاتب مفاجأة من العيار الثقيل، ليكشف عن أن "عصام كاشكاصي" لم يكن سوى عشيق "أميرة" ابنة "الرجل الضئيل" وسكرتيرته الصارمة وحافظة أسراره، والتي حملت منه سفاحاً في "حورية"، وأجبرها والدها على التخلي عن الطفلة، وبينما حاولت هي إنقاذ حياة العشيق من القتل، يعترف لها أبوها بعد مرور خمسين عاماً على الواقعة بعلمه بما فعلته وبمسئوليته عن مصير "كاشكاصي" البائس.
في الفصل الأخير، الذي حمل اسم "خاتمة"، يرفع الرئيس الجديد "جمال حميدي" شعار "الوطن للجميع"، ويظهر علانية بكرسيه المتحرك، معترفاً بإصابته العنة، ومعه زوجته "أولغا"، المصابة بمرض البرص، التي تخونه مع رفيق عمره "موح بوخنونة"؛ وذلك في إشارة من الكاتب لمدى قبح المرحلة.
وفي مشهد الختام الذي حمل رمزية صادمة جعل قسيمي شخصية "الكاتب" تكتشف فجأة حقيقة مخيفة، خالف بها كل توقعات القراء؛ حيث يتطلع إلى صورته في المرآة، فيجد أن لديه الملامح نفسها للرجل الزنجي المرسوم باللوحة التي اقتناها من متجر التحف، ثم يكتشف أن أبناء المدينة بأكملهم تحولوا إلى هيئة "العبيد في دولة تمتهن النخاسة"، كما يقول الروائي الجزائري في الصفحة 163 من روايته، لينتهي الكاتب بذلك من روايته الجديدة ويدون للمرة الأولى اسمه عليها، بعد اختفاء "الرجل الذي حمل اسمه"، ويتصالح مع ذاته وحقيقة عبوديته!
في الختام يمكننا أن نقول إن "سلالم ترولار" ليست بالرواية المبهجة، لكنها بمثابة صرخة تحذيرية من أديب جزائري، كان يرى أن وطنه سقط في عمق الهاوية، متنبئاً بوقوع تغيير ما في المستقبل القريب.
يشار إلى أن سمير قسيمي، روائي جزائري، نشرت له تسع روايات وترجمت أعماله لعدة لغات أجنبية.
ووصلت روايته “الحالم” إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد في دورة 2014، واختارت مجلة بانيبال الإنجليزية فصولا من روايته "في عشق امرأة عاقر" (2011) لتنشرها مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، ووصلت روايته الثانية "يوم رائع للموت" للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية في 2009، كما وصلت مؤخراً روايته "سلالم ترولار" إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية لعام 2020.