سنة أخرى غير عادلة بحق الصحافة

يعمل الصحافيون الحقيقيون ببسالة من أجل محاسبة الحكومات، والزمن كفيل بإعادة الكفة إليهم للمحافظة على جوهر الحقيقة وحرية تداول المعلومات بين الناس.


مرّ عام آخر والصحافة تعيش زمنا ليس عادلا بحقها، لأن المتلاعبين من السياسيين قد تعلموا كيفية طمس الحقيقة

 

نجحت الحكومات والسياسيون على مدار العام الماضي في طمس الحقيقة، عبر التهرب من الإجابات التي ينتظرها الناس وترويج الأكاذيب، ومع أن الصحافة الجيدة والمسؤولة هي كل ما تبقى للجمهور في اتخاذ طريق الحقيقية والتبادل الحر للمعلومات، لكن دم الحقيقة مازال يهدر، ولم تنجح الصحافة في منع عملية القتل المستمرة للحقيقة.

صحيح أن صانعي الأكاذيب في تصاعد والمتلاعبون بالعقول يقوّون مراكزهم بالمال، بل وصل الحال إلى أن وسائل الإعلام التي حافظت على الأخبار الصادقة القوية تمّ كسرها بقوة المال والسياسة.

مع ذلك يعمل الصحافيون الحقيقيون ببسالة من أجل محاسبة الحكومات، والزمن كفيل بإعادة الكفة إليهم للمحافظة على جوهر الحقيقة وحرية تداول المعلومات بين الناس.

وصحيح أيضا أن هناك القليل من الصحافيين الجيدين وقد لا يكون عددهم كافياً من أجل استمرار الصحافة بمسؤولية وحساسية عالية، لكن ذلك ما متاح لنا اليوم من أجل المحافظة على القيم.

مرّ عام آخر والصحافة تعيش زمنا ليس عادلا بحقها، لأن المتلاعبين من السياسيين “أضف إليهم رجال الدين في العالم العربي” قد تعلموا كيفية طمس الحقيقة.

فبدلا من أن يكون ما تنشره الصحف موضوعا للنقاش العام الشرعي والضروري، تقوم حكومات “ديمقراطية”! بمحاسبة الصحف على نشر المعلومات. بينما يتم اغتيال الصحافيين ومطاردتهم في العراق وإيران وتركيا… وهناك من أخذ زمام المبادرة للتنكيل بالصحافيين ومحاولة قلب الزمن وكأننا في عالم مغلق، كما يعتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فآخر إحصائية تشير إلى وجود 68 صحافيا في السجون التركية لأنهم خارج مزاج الرئيس.

إن الصحف وفق تعبير تشارلز فيرغيسون مخرج فيلم “ووترغيت” لا تستطيع كشف مواضع الفساد والتزوير ونهب المال العام، إن لم تكن قوية ماليا ورابحة تجاريا.

وهذا الكلام يفسر لنا لماذا لم نجد معادلا عربيا للإحصائية التي قدمتها واشنطن بوست بشأن الأكاذيب والادعاءات المضللة التي ارتكبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أول ألف يوم من وصوله إلى البيت الأبيض.

لقد قدمت لنا الصحيفة الأميركية 133535 ادّعاء كاذبا أو مضللا بعدما راقبت عن كثب تصريحات الرئيس الأميركي وهو يعمل متعمدا على ليّ عنق الحقيقة، ودعونا نتساءل معا ما الذي فعلناه في “صحافتنا العربية الرسمية” حيال الإخفاق الحكومي واستمرار السياسيين في دفع ضريبة الكلام المجرد!

لا يبدو أننا في موضع إعلامي متقدم عندما يتعلق الأمر بالخطوط غير الواضحة بين الحقيقة والزيف، الأخبار وكتابة الرأي، الحقائق والدعاية، الانفتاح والتخلف، المساءلة والإفلات من العقاب، الوضوح والارتباك.

بإمكان أيّ من القراء الأوفياء العرب أن يتخذ من صحف بلاده مثالا لتقديم قراءة عن الأكاذيب التي مارستها الحكومات وقدمتها كحقائق مسلّم بها.

تواجه الصحافة اليوم تهديدا اقتصاديا وجوديا في إعادة ضبط مكانتها في العالم. بينما يتصاعد الجدل المتشائم بشأن الإعلام والسياسة والديمقراطية، هناك تردد أكثر من أيّ وقت مضى بشأن تعريف الصحافة، ولماذا هي مهمة.

ففي عصر الفوضى المعلوماتية، بإمكان الحكومات ممارسة التضليل بقدر كاف ومحاصرة المعلومات وتجنّب المقابلات الصعبة التي تبحث عنها الصحافة المخلصة لجوهرها، وطرد الصحافيين المعارضين في فعل لا تعده ظالما، كما يمكن للحكومات أن تختار موقعا إلكترونيا يحترف التزييف لتقصّي الحقائق! لكن تلك الحكومات تفعل في الوقت نفسه ما بوسعها لاستجواب خصومها.

يصف ألان روسبريدجر رئيس معهد رويترز للصحافة، العصر الرقمي بعصر البساطة وليس التعقيد، لذلك تفعل وسائل إعلام حكومية لتضخيم كلام السياسيين بدلا من التشكيك به، فمثل هذه الصحافة أشبة بمن يقوم بتعليق ملصقات جاهزة وليس ممارسة عمل صحافي ينتظره الناس.

علينا أن نتذكر هنا سلطة الحكومات غير العادية على الصحافيين، بالإمكان ذكر العراق ومصر والسعودية… ويسهل على القارئ إكمال قائمة البلدان الأخرى.

يدافع روسبريدجر عن الجوهر الحقيقي للصحافة الجيدة أمام القمع الحكومي ويطالبها بالحفاظ على المؤتمرات الصحافية ولو بحدها الأدنى كي لا يتهرب المسؤولون من الأسئلة المنتظرة، كما ينبغي أن يختفي “الزملاء الصحافيون” الذين يظهرون في المؤتمرات الصحافية كديكور حكومي. يحدث ذلك عندما يوجد الصحافي الجيد في الموقع المطلوب، عندها لا ينتظر الناس ما يقول صحافي الديكور الحكومي.

فكرة البيانات الحكومية التي يفضلها المسؤولون على المؤتمرات المباشرة، لا تقول أكثر مما تريده تلك الحكومات، والصحافة ليست ساعي بريد لنقل تلك البيانات.

سبق وأن طالب كارل بيرنستاين الصحافي والكاتب الأميركي الذي ساهم في كشف تداعيات فضيحة “ووترغيت”، بضرورة مقاومة خطر وقوع الديمقراطية فريسة للاستبداد والديماغوجيا وحتى الإجرام من قبل القادة المنتخبين والمسؤولين الحكوميين. لأنه حتى الديمقراطيات الكبرى ليست حارسا أمينا للحقيقة التي ينشدها الناس. وهو نفس السبب الذي دفع الكاتبة البريطانية سوزان مور إلى مواجهة “كيس الأكاذيب” السياسي، بتخلي الصحافيين عن “فكرة التردد” فالعالم يخوض حربا ذاتية بشأن المعلومات، والصحافيون ليسوا خارج هذه الحرب لأن الحقائق موجودة وفي الوقت نفسه يسقط الناس في الأكاذيب.

صحيح أن الزمن ليس عادلا بحقها، لكن الصحافة الحرة يجب عليها أن تفعل ما في وسعها للحفاظ على احترام الحقائق والأحكام المتوازنة.