سنة في قصر قرطاج

قيس سعيد بتلقائيته وثقة الناس فيه جزء من مقاومة التونسيين لهيمنة النهضة على مصير البلاد.


سعيد يملك القدرة على أن يحيط نفسه بمسافة تحفظ له استقلاليته وحريته في اتخاذ القرار


قيس سعيد حافظ على حياده بين الأطراف في بلد تبدو فيه الحياة السياسية أشبه بمركب تلعب به الرياح

كان قيس سعيد مفاجأة الانتخابات الرئاسية التونسية عام 2019.
فالرجل جاء من خارج الحياة السياسية تماما ولم يكن رفيقا حزبيا، لا في اليمين ولا في اليسار ولم تُعرف عنه ميول ثورية ولا أصولية.

رجل قانون. غير أن حماسته لكي يملأ منصبه كانت لافتة منذ الاشهر الأولى لدخوله قصر قرطاج رئيسا.

كانت مفاجأته الأولى أنه بعكس ما توقع الكثيرون لم ينزلق إلى إلى الموقع الذي يكون فيه مجرد واجهة فيما يتسع دور حركة النهضة كما أنه صدم النهضويين. ما بدا عليه من مظاهر محافظة بسبب التزامه بالحديث بالعربية الفصحى لم تكن تنسجم مع أفكارهم وسعيهم إلى الاستحواذ والهيمنة.

كان بطريقة أو بأخرى يملك القدرة على أن يحيط نفسه بمسافة تحفظ له استقلاليته وحريته في اتخاذ القرار الذي يراه مناسبا.

ذلك بدا واضحا حين اختار مرتين رئيسا للحكومة لم يكن ضمن الأسماء التي رشحتها الأحزاب وتم تداولها في مجلس النواب، الفخفاخ والمشيشي. نجح في أن يدفع الأول إلى الاستقالة بسبب تضارب المصالح اما الثاني فإنه اساء الفهم حين صار يراهن على الحياة الحزبية ودخل إلى متاهتها.

هل كان الرئيس سعيد على خطأ في المرتين؟

يبدو أن الرجل ليس حسن الحظ أو أن خبرته القليلة في عالم السياسة تخونه وتخذله وتجعله يضع يده على الرهانات الخاسرة.

غير أن الرئيس وإن كان لا يملك صلاحيات كثيرة ويتحرك في دائرة ضيقة فإنه كشف عن قدرة استثنائية في إقامة صلة مباشرة بالشعب الذي صار يثق به ويؤمن بنزاهته كما لم يفعل من قبل مع أي سياسي في مرحلة ما بعد الثورة.

ذلك ما يمكن اعتباره ظاهرة استثنائية.

لقد حافظ على حياده بين الأطراف في بلد تبدو فيه الحياة السياسية أشبه بمركب تلعب به الرياح. أحزاب لا تملك خبرة في السياسة تؤهلها لأن تكون أحزابا مقابل تنظيم ديني مراوغ. ما يخفيه أكثر مما يُظهره هو حركة النهضة التي سبق لها وأن حكمت في زمن الترويكا وهي لا تريد استعادة ذلك الزمن بل تخطط لالتهام الحياة السياسية كلها والهيمنة على الحكم كله بما فيه سلطة الرئيس الذي بدا متمردا عليها.

غير مرة أسمع سعيد الغنوشي زعيم تلك الحركة كلاما خشنا يتعلق بسلوكه في مجلس النواب بشكل خاص وفي الحياة السياسية عموما.

اما حين أرادوا ازعاجه والنيل منه فقد ظهر الرجل على الشاشات رابط الجأش وهو يكظم غيظه غير أنه قال ما أهانهم وجعلهم يلوذون بالصمت من بعد ما أعتقدوا أنهم قد أسكتوه بسبب اللغة الهابطة التي استعملوها.

ربما يبالغ سعيد في استعمال لغة تقع خارج ما هو يومي ولا يفهمها جزء كبير من الشعب التونسي غير أن المشاعر النزيهة التي تقف وراء تلك اللغة لا تخفى على الناس العاديين الذين لم يسقط على وجوههم قناع النهضة.

ما لا يمكن التحايل عليه أو اخفاؤه أن الرجل يتصرف بتواضع غير مفتعل. إنه رئيس من نوع مختلف. فهو يحرص على أن يكون رئيس كل التونسيين، بما فيهم أعضاء حركة النهضة الذين صار واضحا أنه لا يتفق مع أفكارهم.

كل ذلك ولم تمض سوى سنة عليه في الحكم.

تونس هي الأخرى بلد مختلف. فهي تتجدد كل لحظة في انتظار أن تصل إلى قناعتها النهائية وهي قناعة ليست منفصلة عن سياق الدولة المدنية الذي كانت فيه منذ استقلالها بالرغم من أن حركة النهضة تسعى إلى الانحراف بها عن مسارها وهو ما تقاومه.

قيس سعيد هو جزء من تلك المقاومة.