سيرة الألم العائلي عبر أربعة أجيال في 'البيت الفارغ'

رواية لوران موفينييه تغوص في آثار الكوارث الحميمة المتراكمة عبر أربعة أجيال داخل عائلة ريفية فرنسية، كاشفةً كيف يُعيد النظام الأبوي والحروب والصمت الاجتماعي تشكيل حياة النساء والرجال على حدّ سواء.

بيت مهجور يعاد فتحه عام 1976، لا شيء ميت تماما، ولا شيء حيّ حقا. بيانو، وخزانة أدراج ذات سطح رخامي متشقق، وميدالية وسام جوقة الشرف، وصور فوتوغرافية مشوهة. من خلال هذه الأشياء القليلة، يعود لوران موفينييه بالزمن إلى الوراء، ويكشف عن أجيال من النساء. تُقدّم هذه الرواية -الفائزة بجائزة غونكور لهذا العام- غوصا عميقا في آثار الكوارث الحميمة على الأجساد والكلمات والأحفاد. ثم يُصبح المنزل مفترق طرق، حيث تلتقي حربان عالميتان، وحياة ريفية في القرن العشرين، وعنف النظام الأبوي، وآليات القرى الصغيرة القاسية - التي غالبا ما تُصدر أحكاما وتُدين وتسجن.

في قلب "البيت الفارغ"، تتكشف كوارث حميمة: شابة يدمّرها الكحول وتشعر بالوحدة، وزوج يُودع مؤسسة للصحة النفسية، وابن يُنهي حياته - حيوات مُحطّمة يقلصها السجل المدني إلى بضعة إشارات. يكشف لوران موفينييه كيف تتجذّر هذه المآسي ببطء، من خلال تراكم الإحباطات والعار والتخلي. تتخلّل هذا الخراب الحرب العالمية الأولى والثانية، ويستمرّ بعد ذلك في المطابخ وغرف النوم الزوجية وصمت أيام الأحد. لا يأتي الشقاء أبدا منعزلا؛ بل تُغذّيه البُنى الاجتماعية والعادات ونظرة أهالي القرية. يُبنى نظام كامل يُفضل التضحية بالأفراد على التشكيك في النظام القائم.

لهذا النظام اسم: النظام الأبوي، الذي يفكك لوران موفينييه آلياته تدريجيا. تتغلغل الهيمنة الذكورية في المنزل بأكمله... الرجال ملّاك، يحملون الأوسمة، معترف بهم من الدولة والقرية. في المقابل، تُختزل النساء إلى الخدمة، وإنجاب الأطفال، والصمت. ما يتكشف على مستوى حميمي لا ينفصل عن آليات المجتمع الريفي المغلقة (امرأة تُزوّج، موهبة موسيقية يُضَحَّى بها، حياة تُحبط). في "المنزل الفارغ"، يكفي أن نتخيل من يتكلم ومن يصمت، من تعلّق صوره على الحائط -بزيّه العسكري- ومن لا وجود له في الصور. إن ويلات هذا النظام الأبوي الشامل موجودة كلها هناك، في قلب المنزل الصامت حيث تُمحى حياة النساء اللواتي حافظن عليه.

ومع ذلك، خلال كلتا الحربين، ذهب الرجال إلى الجبهة. عادوا مُصابين أو لم يعودوا أبدا. عُلّقت الميداليات في غرف المعيشة، ونُقشت الأسماء على النصب التذكارية. مَنَحَ المجد العسكري العائلات فخرا زائلا وثقلا رمزيا يتجاوز الأجيال. لكن لوران موفينييه مهتم بالجانب الآخر من العملة: الأرامل في سنّ مبكرة، الأطفال الأيتام، والرجال المنكسرون المحتجزون في مستشفيات الأمراض النفسية بدلا من مساعدتهم بشكل حقيقي وفعال في مواجهة معاناتهم. يسحق التاريخ القصص التافهة للأفراد، ويشكلها في الوقت نفسه. تُستغل الحروب كمبرر. تُبرر قسوة الآباء، وإدمان الكحول، والضرب، باسم ما عانوه. تكشف الرواية هذا الابتزاز الخبيث.

من جيل إلى جيل، يعاد تمثيل ديناميكيات القوة. بين الرجال والنساء، ثم بين الآباء والأبناء، وبين مالكي الأرض ومن يعملون فيها. يُركز منزل العائلة كل هذه التوترات. إنه مسرحٌ لنقل المعلومات المادية والرمزية. لكن الكاتب يُركز على إظهار كيف يُبنى الصمت في المقام الأول، وما يختار المرء قوله أو الصمت عنه. لا يُناقَشُ الانتحار بل المرض، لا يُناقَشُ العنف بل الشخصية. تصمد القرية، ويبقى مظهرها، لكن الثمن الذي يجب دفعه محفورٌ في الأجساد والذكريات.

يكمن إرث الجروح المتراكمة عبر أربعة أجيال في صميم "البيت الفارغ". من الضروري إعادة نسج خيوط الزمن لإحياء الجدات والأشياء المنسية. من خلال أشياء معينة، كالبيانو، أو لاحقا، وجه مقطوع من جميع الصور، يعيد الراوي بناء حياة هؤلاء النساء: الجدة، وجدة الجدة، وأمهاتهن (والرجال من حولهن). لا تنتهي جروح العائلة عند الشخص الذي يعانيها؛ بل تمتد، مُلقيةً بظلالها على الأبناء والأحفاد. تتكرر الأنماط دون أن يُلاحظها أحد.

من خلال فكرة العودة إلى "البيت الفارغ"، يصبح المنزل نفسه الشخصية المحورية. وباجتيازه، يُجري الراوي بحثه. يصبح كل شيء في المنزل جزءا من تاريخ يُعاد تنشيطه. بإعادة شكل المنزل المادي، يُعيد الراوي إلى الراحلين حضورهم. ما الغاية؟ يسعى للإجابة عن سؤال انتحار والده المُلحّ. لماذا اختار هذا الرجل إنهاء حياته؟ ما الجانب من تاريخ العائلة الذي دفعه لارتكاب فعل كهذا؟ ثم يفحص لوران موفينييه السلسلة بأكملها: الموتى، وطأة العار، الكلمات المُكبوتة، المُثُل الذكورية المُستحيلة، والنساء المحبوبات اللواتي أُسيء فهمهن. ثم يفتح سؤال الأب جميع الأسئلة الأخرى، إذ لا يستطيع الراوي الوصول إلى إجابة مُعينة إلا من خلال التعمق في الأجيال السابقة.

يبدو الخيال إذن السبيل الوحيد الممكن للوصول إلى حقيقة حميمة وغامضة. ولأن هذه مهنته، يفترض الكاتب ويتخيل ويملأ الفراغات. يتيح له هذا النهج لمس ما لا تستطيع الحقائق الخام نقله، كالنسيج العاطفي لعصر ما، أو النبرة العاطفية لعلاقة ما، أو كثافة حدث ما لمن عاشوه. يحرص لوران موفينييه على إظهار أنه لا يعرف كل شيء، وأنه يخترع أحيانا. إن فعل التخيل هو الأداة التي يحاول من خلالها إصلاح -لو بشكل طفيف- حياة محطمة، وإعطاء صوت لمن أُسكتوا.

 لو لم تكن الكتابة بهذه الجودة، لكانت رواية "البيت الفارغ" (La Maison vide) ناقصة. وهي، ببذخها وإتقانها، مؤلفة من جمل طويلة مصاغة بعناية، حيث كل جملة بين قوسين لها قيمتها. فكرتُ في زولا بسبب قوة الكاتب في وضع شخصياته في بيئاتها. مصائر الأفراد عالقة في كماشة من الحتميات الاجتماعية والتاريخية التي يُنيرها النص بدقة تكاد تكون طبيعية. وفكرتُ أيضا في بروست بسبب طريقة كشف الكاتب للذاكرة، وتمكينه للأحاسيس من الظهور، وتوقفه عند لفتة، أو شعاع نور. تتكشف الجملة، وتلتف حول الشيء المُراقَب، كاشفةً عن طبقات الزمن والعاطفة. يُحافظ لوران موفينييه على هذين التقليدين، ويوسعهما بترسيخهما في حداثتنا.

لا شك أن رواية "البيت الفارغ" ستصبح من روائع الأدب الفرنسي، وستترك أثرا لا يُمحى. فهي تلامس حقيقةً كونية: لكل فرد منزل، حقيقيًا كان أم مُتخيلًا، تحمل جدرانه قصصا لا نعرفها تماما. يشعر الجميع أن الصمت العائلي له شكل من أشكال السلطة على حياتهم الخاصة. علاوةً على ذلك، تُوفّق رواية "البيت الفارغ" بين الشخصي والجماعي. ما يحدث لهذه العائلة هو نموذجٌ مصغرٌ لما أنتجته فرنسا الريفية، والحروب، والأخلاق الكاثوليكية، والنظام الأبوي على مدى عقود. بهذا المعنى، تُخاطب الرواية كل الفرنسيين، بل وسواهم من الشعوب، حتى لو لم يكونوا من أبناء ذلك المنزل تحديدا.

تتميز رواية "البيت الفارغ" بجودة كتابتها وقوة أهدافها: تتبع أربعة أجيال في محاولة لفهم لفتة واحدة. وبهذا، تُنصف من محاهم التاريخ. يقدم لوران موفينييه نصا يحتضن الغموض، يملأ الفراغات بالخيال، ويذكرنا بأن الأدب أحيانًا هو الملاذ الوحيد لأعمق المصائر. إن نهج لوران موفينييه الصارم، سواء في اللغة أو في طريقة تصويره لشخصياته، هو ما يسمح للرواية بتجاوز مرتبة "الرواية الجيدة جدا" لتصل تدريجيا إلى مستوى التحفة الفنية.