شاعر يغني لكي لا ينام

"أغني لكي لا أنام" للشاعر التونسي احميدة الصولي ملحمة الشاعر للصباحات وقد ضجت الجهات بالنكبات وفي النفس ذكرى ونبض بلون الاحتراق.


الشاعر لا يعدم الأمل ويبقي على إشراقات الحلم وهو ما يرد في تصدير المجموعة الشعرية "أغني لكي لا أنام"


سفر شعري في عوالم محفوفة بالجراح والأماني

ماذا تقول الكلمات لقائلها القلب هذا المسافر في ليل الأمكنة والمأخوذ بالفجيعة والسقوط والتداعيات حيث الحلم فكرة تظل تضيئ رغم ما حل بالأحوال من زيف وجراح وسقوط مريب؟ وماذا تقول العبارات لسيدها الشاعر وهو يحاورها تقصدا للغد الجميل معلنا سفره في الجهات بحثا عن ذاته الأخرى المكللة بالنشيد وبالأمنيات العالية.
"وتذوي على وجنتيك الأماني 
تآكل وجه الزمان على حدقاتك.
ما زلت تستنهض المعجزة 
تآكلت في المد والجزر
تستعطف المخبزة
عيونك هذي تذكرني بضياعي 
وجرحك أكبر من خفقات يراعي
تشيد ما زلت في كلماتك 
برج التحدي. 
وفي وجنتيك يهيج الصداع 
فمالك عندي ومالك بعدي
........
........
تذكرني الآن بالسفر المر
في رحم الزفرات
وأنت على راحلات عجاف تسير
وحولك في كل خطو يجيف المصير
وتنتحر الأغنيات تباعا...".
هكذا هي اللغة في حيزها الشعري المفعم بلون من رومانسية الفجيعة واللوعة والذهول تجاه حال الذات والأوطان وما السفر هنا إلا ذلك العزاء. إنها القصائد تجاه لعبة الوردة والسكين حيث الشاعر يرى المشهد وفي قلبه شيء من الغناء. إنه الغناء الذي كان لا بد منه في اللحظات الموجعة، الغناء في شجن. الغناء كي يظل متيقظا يتابع هذا السيل من المواجع والحسرات والآه. إنه يغني لكي لا ينام.
هذا هو الشاعر احميدة الصولي في مجموعته الشعرية الصادرة عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع في 115 صفحة من الحجم المتوسط وبعنوان هو "أغني لكي لا أنام" والتي من قصائدها نذكر "تائهات الغيوم تجف" و"في انتظار الذي لا يجيئ" و"ذاكرة الصمت" و"أغني لكي لا أنام" و"سابحا في حمأة الوقت" و"ذاكرة للاغتيال" و"في حضرة البحر" و"شهقة الأعماق" و"المسح على جبين الشمس" و"الطريق". 
وفي تجربة الشاعر عديد الإصدارات وهي "صوتي مقلوع الأظافر" و"الحضور في زمن الغياب" و"الحريق حتى الاخضرار" و"ملصقات على جدار الذاكرة" و"نزيف العلاقات الدموية" و"أوجاع أزمنة الصمت" و" قمر على الشفاه" و"حديث الصمت". وذلك إلى جانب "دراسات نقدية" و"المتلقي والعمل الفني" و"إيقاعات الضوء واللون" ضمن اهتمامات الشاعر الدراسية والنقدية في المجال الأدبي والفني التشكيلي.
الشاعر احميدة الصولي خلال هذه التجربة الشعرية التي كانت لها خصوصية ضمن جيله أخذته القصيدة إلى عوالمها الموجعة في واقع عربي مربك وقد ظل على هذا الدأب وفي كل مجموعاته الشعرية منذ "صوتي مقلوع الأظافر" الصادرة سنة  1978 وإلى الآن شاعرا يرى العناصر والأشياء والأحوال موجعة في بلاد ضمن وطن عربي تربكه التداعيات ويمزقه الصراع والفرقة، ولكنه لا يعدم الأمل ويبقي على إشراقات الحلم وهو ما يرد في تصدير هذه المجموعة الشعرية "أغني لكي لا أنام":
أنام على هدهدات الإبر
وأحلم بالقبرات وبالفجر يأتي
ويقسو على اللحظات القدر
وأحلم بالسفر المستفز شجر 
وأحلم يأتي الوليد
على شفتيه قمر.

Poetry
أجهش بالصمت حتى يجف الكلام 

في إيقاع تشكله خيبات وطن مفجوع بالهزائم والتشتت وجراحات العرب يلوذ الشاعر احميدة الصولي بصمت بهي بليغ مولد للإصرار والأمل يتقرى صمته الدفين وذاكرته الخصبة لا يلوي على غير القول بالنشيد المحفوف بالشكوى وبالأرق نشدانا للأحلام وهي تولد حبلى كل ذلك في لغة هي بمثابة النواح الخافت والزفرات. هي ملحمة الشاعر يرتجي إشراقة الصباحات وقد ضجت الجهات بالنكبات وفي النفس ذكرى ونبض بلون الاحتراق :
"على أناملي يحط الصمت مسكونا 
بأطياف تطير 
وفي دمي 
يخفق نبض في الشرايين احترق 
تسألني الشكوى :
لماذا اختل وعي الضمير 
........
.......
لي نجمة سكرى سدى تخاتل الغسق
من زفراتي تخرج الأطيار
تفزع الأفق
في أمنياتي
تولد الأحلام حبلى
تختفي بين غلالات الأرق".
بين الحلم والذكرى وأشواق الحياة تتحرك قصائد احميدة الصولي معبرة عن دواخله، وهو يصف حالاتنا التي يمزقها التيه والضياع وانحدار الوعي ليقف تجاه تفاصيل من جراح سابحا في حمأة الوقت شجيا يحمل الريح بأحضانه وأعباء الطريق.
إنها حرقة الشاعر الذي ترهقة الأسئلة وتقتات من حالاته الشتى الموزعة بين الوطن وامتداده العربي في عالم معطوب يسوده التوحش الذي منه ما حل بالعراق:
"أطلت رؤوس الأفاعي 
معمدة بلعاب الخيانات
تحفر في صلب هذا الرماد شروخا 
وتحفر في زئبق الكلمات رسوخا
أمتشح أنت باللعنات
وتلعن صوت المساء
ركام الهزائم تكتم أنفاس من أعلنوها 
.............
............
كتمت تجاويف شكي 
نهار تنادى جلاوزة الوقت
تسعفهم هفهفات الفراش
تعالوا لنبني العراق فهل ذا العراق الأبي قفار
وبابل أكبر من أدهر الزيف والانحدار 
فكم أجّج الخوف فينا سماسرة الوهم
يا عولمات الدمار".
هكذا هو الشاعر احميدة في هذه القصائد يملك إصراره من إصرار الكلمات تجاه الواقع والآتي قانعا بالحلم القادم محتفلا بالصدى يرفع أصواته المتعددة:
"للضوء أصوات ولي صوت الصدى
يبحر في وجهي تائها في رسمه
وينطفي في اللون عابرا وفي الأصداء ...".
قصائد شعرية وفية لشواسع الشاعر احميدة الصولي الذي هام بالحلم العربي بل جعل منه عنوانا لافتا لحالاته الشعرية والوجدانية في وطن عربي ترنو أجزاؤه للقاء الذي شكل أمنيات أجيال إلى يومنا هذا. الشاعر يستنهض الهمم والضمائر معلنا وفاءه الدائم لفكرة اللقاء الوحدة:
"للقاء العربي العمر غنيت
وحبري لم أزل فيه أريق
يا صديقي يا صديقي يا صديق
هذه تبقى
وتبقى هذه ضوء الطريق".
في هذا اللون الشعري الذي طبع القصائد بالشجن والانكسارات والأمل يصر الشاعر على الغناء كملاذ رغم  فداحة الخسارات والخيانات والسقوط. هو يغني لكي يتواصل الحلم وحتى لا تموت الأماني تجاه وطن ممزق ومأزوم.
"أغني لكي لا أنام
وأجهش بالصمت حتى يجف الكلام 
كأني أجدف في الريح
أرصد أنات هذا الفحيح
.............
............
أغني بأحضان موتي
وأكبر متحدا بالسراب 
فكم نجمة روعت في هدير الضباب
ترى أن ذي ساعة الوجع
تحنو كقلب اليباب
فأورق في فمها مشهد
وتلاشى عباب".
"أغني لكي لا أنام" سفر شعري في عوالم محفوفة بالجراح والأماني حيث الكلمات تسعى كالمياه تنحت مجاريها في صخور الإحباط والانكسار.. لأجل الخلاص أو الحلم به. 
شعر في سياق تجربة الشاعر احميدة الصولي الذي تخير الانتصار للأمل رغم جراحات الذات. والشعر هنا هو هذا الصوت الشجي المحتفي بخساراته. هذا الغناء في مواجهة موت الأوطان.