شخصيات تهدِّد نجيب محفوظ

السمَّاح عبدالله يتوقف في كتابه 'شخصيات تهدِّد المؤلف' عند الاديب المصري الفائز بنوبل وعند بعض أعماله الإبداعية من وجهة نظر سردية وكأنه يقص علينا شيئا من سيرته الذاتية من خلال حياته وأعماله.

يرى الشاعر السمَّاح عبدالله أن نجيب محفوظ هو النموذج الحقيقي للمبدع كما ينبغي أن يكون، وأنه إذا أردنا أن نحدث أبناءنا عن السمات المميزة للمبدع، يكفي فقط أن نفرجهم على صورة لنجيب محفوظ، وهو يمشي على كورنيش النيل، أو وهو يجلس على المقهى، أو وهو يسلم على أبناء السبيل، وقد كانت حياته ثرية جدا.

لذا توقف السمَّاح عبدالله عند شخصية نجيب محفوظ وعند بعض أعماله الإبداعية، من وجهة نظر سردية، وكأنه يقص علينا شيئا من سيرة محفوظ الذاتية، من خلال حياته وأعماله.

وهو يبدأ كتابه "شخصيات تهدِّد المؤلف" بسينما نجيب محفوظ، سواء من خلال تأثير نجيب محفوظ على السينما، أو تأثير السينما عليه، ففي عمر الثانية عشرة كان الفتى نجيب يجرب اختراع السينما التي أدخلها إلى حجرته من خلال بعض الأدوات البدائية التي اشتراها من مصروفه.

كما يعرض الكتاب إلى تمرينات محفوظ على كتابة الرواية من خلال الأعمال التي كان يقرأها في صغره ويحاول تقليدها، فكان يقرأ "الأيام" لطه حسين، فيقلدها تحت عنوان "الأعوام" ويكتب عن القرية ولاعب كرة القدم، ولكن سلامة موسى الذي اطلع على هذه التجارب رفض نشرها لضعفها وسذاجتها، وينصح الفتى ألا يكتب إلا عن الأشياء والتجارب التي يعرفها، قال له: "سأنصحك نصيحة عليك أن تعمل بها إن كنت راغبًا في التفرد، لا تكتب عن شيء لا تعرفه"، فانصرف محفوظ عن الكتابة عن الريف لأنه لا يعرفه ولم يعش فيه.

كان نجيب محفوظ وقتها يكثر من قراءة الحياة في مصر القديمة فعرف عنها الكثير، وكتب رواية بعنوان "أبناء خوفو" وعرضها على سلامة موسى فاقتنع بها ولكن غيَّر عنوانها إلى "عبث الأقدار" وكانت أول رواية تنشر لنجيب محفوظ عام 1939.

وتتنوع فصول الكتاب لتشمل "أحلام الثراء" وأم كلثوم نعمة الدنيا" و"الأناشيد في زمن الوباء" وفيه يعرض الكاتب لملحمة "الحرافيش" وحكاية عاشور الناجي وسلالته. ثم حكاية "بدرية المناويشي" ودموع زينب ابنة توفيق الحكيم، والرجل صاحب الحصان، ويقصد به الحاج فهمي صاحب مقهى الفيشاوي بالحسين.

أما المقال الذي عنونَ به الكاتب كتابه وهو "شخصيات تهدِّد المؤلف" فهو عبارة عن سرد وقائع حدثت بالفعل في حياة نجيب محفوظ عندما اختار بعض الشخصيات من واقعه وكتب عنها في رواياته، وعرف بعضها أن الروائي يقصدها ويشير إليها، مثل أحمد عاكف في "خان الخليلي" وحسين بدر الدين الذي كتب عن شخصيته في رواية "السراب" فكان كامل رؤبة لاظ، ولكن إحسان عبدالقدوس كشف الأمر في مقال له بمجلة روزاليوسف، وكاد الرجل يقتل نجيب محفوظ الذي كان ماشيا في العباسية فرآه حسين بدر الدين فجرى في اتجاهه وهو يشهر مسدسه وينادي عليه ويسبه بأفظع الشتائم وأقسى الألفاظ، مؤكدًا أنه سيقتله لا محالة. فركب محفوظ رجليه وطار في الشوارع كلها هربًا من هذا القاتل الشرير، واستمر متخفيًا تماما عن العباسية كلها حتى هدأت الأحوال. يقول محفوظ "إن تسعين في المائة من شخصيات رواية (الثلاثية) لها أصول في الواقع".

ويعرج الكاتب على عصر الفتوات، ويتحدث عن "عرابي" آخر الفتوات الذين شهدتهم أحياء مصر القديمة الشعبية. ويتوقف عن "فضيحة في القاهرة" ويقصد بها رواية "القاهرة الجديدة"، ونال نجيب محفوظ بعد نشرها عقابًا من رؤسائه بنقله  إلى عمل آخر في وزارة الأوقاف. وهنا نتوقف عند قول الكاتب "وهكذا عرف القاصي والداني أن هذا الموظف الشاب الذي لا يرتدي أبدًا رابطة عنق مثل غالبية موظفي الوزارة، هو الذي كتبها، وبدأوا يربطون بين شخصياتها وبين شخصيات حقيقية في ديوان وزارة الأوقاف"، وأتوقف هنا عند رابطة العنق، فقد كان محفوظ محافظًا على ارتداء تلك الرابطة طوال حياته الوظيفية، وهناك صور كثيرة للرجل وهو يرتدي رابطة العنق التي كان يحسبها من متطلبات الوظيفة، ولكنه عندما أحيل إلى التقاعد في سن الستين (عام 1971) خلع تلك الرابطة وانطلق حرا منها، ولم يضعها على رقبته بعد ذلك.

أيضا أشير إلى أن الكاتب ذكر في ص 23 أن محفوظ "كان يفضل النادي الأهلى"، ولكنه يعود في ص 112 ليذكر أن محفوظ "اكتفى بالفرجة على المباريات وتشجيع نادي الزمالك على (رغم) خساراته المتوالية". وأنه كان يتفنن في صد الهجمات الشرسة كحارس للمرمى أو كقلب دفاع لا مثيل له، ولكن محفوظ في الواقع كان أثناء لعب الكرة في صغره يلعب في مركز الهجوم، وقال عنه نفسه "إنه كان أسرع هداف في زمانه".

من الفصول الماتعة في هذا الكتاب، فصل "اللص الذي أشعل القاهرة"، وهو محمود أمين سليمان سفاح الإسكندرية الذي استلهم نجيب محفوظ من سيرته رواية "اللص والكلاب" إذ يكشف الكاتب مدى تأثر محفوظ بما كان ينشر في الجرائد عن هذا السفاح أو القاتل، وجعله يفكر في كتابة روايته التي تمثل علامة مهمة في المسيرة الروائية لصاحب نوبل، فقد شعر أن هذا النموذج البشري يمثل معادلا فنيًّا كان يفكر فيه.

بعد ذلك يتحدث الكتاب عن نجيب محفوظ المطرب، ومدى عشقه وحبه للطرب الأصيل، ثم يحدثنا عن محاولة الانتحار التي أقدم عليها محفوظ وصديق له، نتيجة اليأس والإحباط وعدم جدوى الحياة، ولكنهما تراجعا في اللحظات الأخيرة عن إلقاء نفسيهما في النيل، بعد لقائهما مع قارئ الطالع، فاستمع محفوظ إلى قول الرجل: "إن حياتك فيها أوراق وأقلام ورجال ونساء، وفيها أفراح كبيرة، وفيها مستقبل مزهر، أما من جهة الفلوس، فسوف تكون حياتك مستورة، ولا تطمع في أكثر من ذلك".

وعن الرواية الإشكالية "أولاد حارتنا" يرى السمَّاح عبدالله أن تلك الرواية كان المفترض أن تثير أزمات سياسية من العيار الثقيل، لكنها أثارت أزمات دينية، بعكس ما كان يتوقع نجيب محفوظ.

وينهي الشاعر كتابه، الذي صدر في ديسمبر/كانون الاول 2024، عن سلسلة "كتاب اليوم" التي تصدرها مؤسسة دار أخبار اليوم بالقاهرة، وجاء في 128 صفحة – بقصيدة كتبها عن نجيب محفوظ تحمل عنوان "ويكون لي هذا اليمام" وقرأها صاحب "زقاق المدق" وطلب مقابلة لقاء الشاعر الذي قام بإهدائه أحد دواوينه قائلا: "إلى الأستاذ المعلم الذي شرفت بأن تتلمذت على يديه دون أن يعرفني".