شرعنة التوحش
في المسلسل الأميركي "صراع العروش" هناك حوار يقول "يوجد داخل كل رجل وحش، ويظهر هذا الوحش عندما يمتلك الرجل سيفاً".
فلسفة القوة المنفلتة هي نتاج الفيلسوف الألماني "فردريك نيتشه" الذي يقول "الحياة للأقوى"، دون أن يضع للأخلاق والقانون أي اعتبار، فهو يعتقد أن الفرد إذا ما أراد أن يكون "الرجل السوبرمان" يجب عليه التعالي على القواعد الأخلاقية والقانونية التي تضبط سلوك الإنسان وتقيده.
فهو يشرعن التوحش ويمنح القوي سيطرة مطلقة على الآخرين. فكل المعايير الإنسانية والأخلاقية تصبح في مهب الريح دون اكتراث.
الولايات المتحدة تؤمن إيماناً قاطعاً أن الحياة للمتوحش القوي، فهم أول من روّج لفكرة الرجل الخارق القوي "السوبرمان".
وهذا ما تفعله إسرائيل، فهي تدمر وتشرد وتقتل الأطفال والنساء وتهدم البيوت وتقصف المستشفيات دون رادع من أخلاق أو إنسانية أو قانون دولي، فهي السوبرمان المتوحش.
نزعة التوحش التي يمتلكها هذا النظام تجعل العالم في سباق نحو التسلح، وتُدخِل البشرية في غابة وحوش تكون فيها الحياة للأقوى والأكثر فتكاً وإجراماً. إن غياب العقلانية في الفعل الإنساني ينقلنا نحو البهيمية.
تعتقد إسرائيل أن الانتقام المفرط من أعدائها سيجعلها في أمان ويبعد عنها شبح الزوال والخطر، وأن التوحش سيرعب مناوئيها ويجعلهم يتخلون عن فكرة مواجهتها. كما أنها تعتقد أن المواجهة محصورة بجيل واحد، وإذا تخلصت منه سيخلو لها الجو وتعيش بسلام.
دون أن تفكر، ولو لمرة واحدة، أن من يحاربها اليوم من جيل لم يشهد احتلالها لفلسطين عام 1948 وربما لم يتذكر حرب الـ67، لكنه يدرك أنها عدوه وتريد إزالته واحتلال أرضه.
وأن التوحش الإسرائيلي لم يزدهم إلا إصراراً على الاستمرار في مواجهته.
عبثاً تحاول تل أبيب أن تجد لها مكاناً في الشرق الأوسط عبر التوحش والقتل والتدمير.
ولن يكون لها مكان بين الأمم كما صوّر نتنياهو في كتابه "مكان بين الأمم".
فالحقد والكراهية والتوحش لن يوفر لدولته مكاناً بين الأمم.
وما دام يفكر بعنصرية، كما يقول في كتابه إن العرب أغبياء وكسالى ويحذر من القبول بهم أو الركون إليهم أو الاعتماد عليهم والتفاوض معهم، فلن ينعم بالسلام والأمن.
وإن إسرائيل مخطئة جداً لو اعتقدت أن التطبيع مع بعض أنظمة المنطقة سينجيها من غضبة "رجال الله". ومخطئة أيضاً إذا ظنت أن الأمن والاستقرار والسلام يأتي عبر التوحش.
نتنياهو الذي أخرج الوحش الكامن في داخله حينما امتلك سيفاً أميركياً، وظن أن النصر تحقق باغتيال قادة حماس وحزب الله، وراح يتبجح بأن يد إسرائيل طويلة وتصل إلى كل مكان تريده، أخطأ في حساباته، فالحياة ليست للأقوى فحسب، بل للأقوى والأعقل، وهذا ما امتلكه المؤمنون بالحق.
الرأي قبل شجاعة الشجعانِ.. هو الأول وهي المحل الثاني.