صحافي بهيئة ديكور حكومي


الصحافي المخلص لا يكسب الكثير من المال مقابل عمله، وأهم القصص التي يجتهد لنشرها ستنسى في غالب الأحوال مع الأيام، لذلك عليه أن يكون مستعدا للإحباط واليأس الذي سينتابه.


جوهر الصحافة هو القصة التي نصنعها، وكل ما عدى ذلك مجرد بريق زائف

من قال لا يوجد نموذج “الصحافي الديكور” بين مراسلي البيت الأبيض؟ ذلك أمر غير صحيح.

بإمكان الصحافيين إدراج قائمة طويلة من هذا النوع من الصحافيين الذين عادة ما يكونون مراسلين ثابتين في مقرات الحكومات العربية وناقلي نشاط السياسيين، لكن مثل هذا النوع موجود أيضا بين مراسلي البيت الأبيض في أكثر بلدان العالم ديمقراطية التي تُقدر وتُعلي من شأن الصحافة.

من المفيد هنا وأنا أدافع عن فكرتي أن أعيد استعارة كلام المراسل السابق لصحيفة نيويورك تايمز راسل بيكر بقوله “لا يوجد صحافيون يغطّون البيت الأبيض، بل يوجد صحافيون يغطيهم البيت الأبيض”. بينما أعرض لفكرة هاميلتون نولان أحد الكتاب الأميركيين في صحيفة الغارديان البريطانية، عندما يعرض نصيحته الثمينة للصحافيين من أجل ألا يكونوا ديكورا حكوميا.

الوظيفة الصحافية الأكثر شهرة هي أن تكون مراسلا في البيت الأبيض، لكنها هي الأسوأ أيضا في أحسن الأحوال، حسب وصف نولان الذي لا يرى أن الصحافي المخلص سيكسب الكثير من المال مقابل عمله، وأن أهم القصص التي يجتهد لنشرها ستنسى في غالب الأحوال مع الأيام وإن حققت انتشارا في حينها، لذلك عليه أن يكون مستعدا للإحباط واليأس الذي سينتابه لأنه ببساطة صحافي مخلص مع أن مجده اللاحق سيكون حب أناس لن يقابلهم أبدا، وليس مجرد ديكور حكومي تحت تسمية صحافي.

جوهر الصحافة هو القصة التي نصنعها، وكل ما عدى ذلك مجرد بريق زائف، وكلما أسرع الصحافيون إلى فهم هذه الفكرة كلما كان الحال أفضل من أجل الكرامة الشخصية والقيم الصحافية التي يعملون من أجلها، لأن الصحافي يأمل في النهاية أن يكون موضع احترام وكسب ثقة عالم اليوم ومثالا للأجيال القادمة وهو يؤرخ للحقيقة.

موهبة الصحافة حسب تعبير هاميلتون نولان هي الفرصة المتاحة لسرد قصص الأشخاص الذين يتوق الناس لرؤيتهم يغيرون الحياة إلى الأفضل، لهذا يطالب الصحافة بتجنب الكتابة عن الحكومات والهيئات التي تعتقد أن وسائل الإعلام وجدت من أجل أن تهدد قبضتها الصارمة على السلطة، وليس منع التغول والفساد.

لذلك من الأفضل أن ترسل وسائل الإعلام مراسلين لتغطية أحوال المشردين والأناس البائسين، أفضل من المؤتمرات الحكومية للمسؤولين التي لا تقول شيئا مفيدا أكثر من الكلام المراوغ. فمن شأن ذلك أن يوفر على الأقل الأمل في الحصول على نظرة ثاقبة حول ما يحدث في البلاد. وليس ممارسة دور الناقل لما يعلنه مسؤول حكومي لا يدفع غير ضريبة الكلام المجرد.

توجد في الصحافة اليوم، لسوء الحظ، فجوة واضحة بين أولئك الذين يرون أنها وجدت مثلما توجد وظيفة الممرض الحريص على صحة الناس ورجل الإطفاء الذي لا يفكر بأي ثناء وثمن وهو يجازف من أجل إطفاء النيران وإنقاذ الناس، وأولئك الذين يرون في الصحافة مهنة استعراضية تنتظر التصفيق قد تمكنهم من التقاط الصور مع أشخاص مهمين والحصول على صفقة كتاب في يوم من الأيام.

سيخبرك الصحافيون المخلصون بما يريدون الكتابة عنه، بينما سيخبرك الآخرون بمكان عملهم وأناقته وبهرجته. هذا الأخير، للأسف، هو الشائع اليوم. مع ذلك إن العالم مليء بالكتاب والمراسلين الممتازين الذين لم يحصلوا على فرصتهم من أجل إجلاء الغبار عن الحقيقة.

يعتقد هاميلتون نولان أن الصحافيين الحقيقيين لديهم الفطرة السليمة الكافية لمعرفة أن الأشخاص المسؤولين يكسبون المزيد من المال ولديهم المزيد من القوة ولكن من الواضح أنهم ليسوا أكثر ذكاء. هذا لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.

ويعترف خلال تجربته في العمل على مدار أكثر من عقد في الصحافة الأميركية بوجود عيوب في الصحافة تسبب الغثيان للجمهور، عندما تنشر بشكل مستمر الأكاذيب والمبالغة والأخطاء.

مع ذلك لا يبدو هذا الصحافي متشائما أكثر مما ينبغي لأنه يشجع من يرون في أنفسهم بذرة صحافي فعليهم أن يتمسكوا بها، في خضم هذا التنافر المعرفي، حيث تقوم اليوم مؤسسات إعلامية كبرى بدعم من رؤوس الأموال الكبيرة والحكومات بتحطيم العالم بدلا من إصلاحه.