"صلاة خاصة" تعيد الحقبة المسيحية إلى السياق المصري

صبحي موسى يدخل إلى صلب الديانة المسيحية ليضعنا في مواجهة عالم يعد غامضا إلى حد بعيد بالنسبة للقارئ المصري والعربي.


هبة فهمي: "صلاة خاصة" تشكل أيقونة في عالم الرواية الحديثة، والروائي أبدع فيها في رصد المسألة المسيحية أو الفكر المسيحي وتطوراته


كمال زاخر: الرواية استطاعت أن تعيد الحقبة المسيحية إلى السياق المصري


رشا صالح: الرواية لا تعد رديفا للتاريخ، ولكنها بحث دائم في عناصر وحفريات التاريخ وفي حقبه الغائمة

تجلى الروائي صبحي موسى في روايته "صلاة خاصة" مقدما عالما ثريا وموضوعا أكثر ثراء، حيث دخل إلى صلب الديانة المسيحية ليضعنا في مواجهة عالم يعد غامضا إلى حد بعيد بالنسبة للقارئ المصري والعربي، فالكثيرون لا يعرفون التاريخ الذي مرت به المسيحية وما شهده المؤمنون الأوائل بها من اضطهادات، وأيضا اختلافات إيمانية فيما بينهم، هذه الاختلافات التي تنسحب إلى الواقع الراهن. 
وقد ألقت الندوة التي أقيمت أخيرا حولها الضوء على أفكارها ورؤاها الأساسية وأزمنتها المتعددة وعلى طرائق السرد التي لجأ إليها الكاتب. وأكدت الإعلامية هبة فهمي التي قدمت الندوة على أن الرواية تشكل أيقونة في عالم الرواية الحديثة، وقالت إن الروائي أبدع فيها في رصد المسألة المسيحية أو الفكر المسيحي وتطوراته، ليجعلنا نقرأها بصورة مغايرة، حيث قدم لنا شخصيات تحاكي فترات تاريخية وأمكنة مختلفة وربط بينها بمهارة وحرص شديدين على مستوى الكتابة والسرد.
حول تجربة الرواية قال صبحي موسى: لدي تجربة طويلة مع الكتابة التاريخية، بدءا من روايتي الأولى "صمت الكهنة"، لكن أبرز معالمها كانت "أساطير رجل الثلاثاء" التي رصدت جماعات الخروج في التاريخ الإسلامي والحديث، وأبرز تجلياتها مع جماعات الإخوان المسلمين والقاعدة، ثم "الموريسكي الأخيرة" التي ربطت بين فترات خروج المورسكيين من الأندلس والواقع الراهن لوصول الإخوان المسلمين للحكم، حيث كنت أحذر من أن ما جرى للموروسكيين في الأندلس قد يجري لنا لو أن جماعة إسلامية قامت بالحكم على أساسي ديني، وتأتي "صلاة خاصة" استكمالا للمشروع، حيث إن الأقباط ليسوا جماعة منعزلة عن النسيج الوطني بل إنهم أحد الخيوط المهمة والبارزة فيه، ولعبوا دورا مهما في التاريخ المصري خلات فترات مختلفة، وكانوا الفكرة المصرية في مواجهة الاحتلال السياسي الروماني، كما شاركوا في تشكيل الفكر المسيحي القائم الآن في العالم. من هنا جاءت فكرة الرواية ممثلة أحد ألوان النسيج المصري وهو المسألة القبطية في التاريخ المصري. ولم يكن همي مناقشة الفكرة القديمة قدر مناقشة هموم الأقباط الراهنة وتقاطعها مع هموم الوطن ومأزقه بعد ثورة 25 يناير وفكرة الثورة وإلى أين نمضي كوطن بشكل عام.

سمير مندي: قصة أوريجانيوس مقحمة على الرواية بالكامل وكان من الممكن اختصارها أو حذفها أو دمجها في متن الرواية

أكد المفكر د. كمال زاخر أن "صلاة خاصة" استطاعت أن تعيد الحقبة المسيحية إلى السياق المصري، بحيث عندما أقرأها كمسيحي أو كمسلم أو غير ذلك أحس أن هناك تراكما ثقافيا ومعرفيا وفكريا وفلسفيا، وخاصة أن المسيحية ارتبطت بالفلسفة السائدة في القرنين الثالث والرابع الميلاديين. 
وأشار إلى أنه تعرف على الرواية من خلال بوست كتبه الروائي على صفحته بالفيسبوك وكان عبارة عن حوار بين شخصيتين مسيحيتين مصريتين، يشهد التاريخ على أنهما كانا في حالة صدام مروع، لدرجة أننا نجد أصداءه في المشهد المصري.
ورأى أن الرواية اشتغلت على إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة، لتخرج بفكرة الدين إلى المناخ العام. وهذه إشكالية قائمة وأزلية منذ وجدت السلطة ووجد المثقف، فالعلاقة بينهما تتراوح بين الوفاق والصدام، الوفاق قليل جدا على مدى التاريخ، فالمثقف لديه البراح لكي يطلق العنان لفكره بينما السلطة لديها محددات وقراءات أخرى.
وقال زاخر: عقب قراءة الرواية حدث بيني وبينها حالة إنسانية تأرجحت بين القبول والصدام حتى أنها تلبستني بشكل غير عادي، لقد ناقشت ثلاثة أحقاب زمنية متباعدة ومع ذلك مرر الروائي خيوطه وصنع نسيجه بذكاء، لقد استطاع أنسنة الشخصيات الطوباوية والأخلص في المنظومة المسيحية العامة المصرية، فمن بينها من أسهموا بشكل أساسي في تأطير الفكر أو الإيمان المسيحي، فيما يعرف بقانون الإيمان الذي وضع في القرن الرابع، وكان المبدع الأول فيه شاب مصري كان عمره بين 20 و25 عاما حيث قام بجمع كل القراءات المسيحية من مصادرها ووضع "قانون الإيمان". 
هذا الكتاب المسيحي الذي توافق عليه العالم كله، والذي يحدد الملامح الأساسية والضرورية التي من غيرها لا توجد مسيحية، أخرجه الروائي من أيقونته وأنسنه، فعل ذلك مع أوريجانوس الذي ذهبت السلطة في صراعها معه أن رأت أنه علّامة وليس قديسا، ولا يزال مثل هذا الصراع قائما حتى الآن، ومن يتابع الفيسبوك أو الإعلام الموازي يرى كم الهجوم على قداسة البابا تواضروس الثاني اعتمادا على كل المحاور التي اشتغل عليها أوريجانيوس، والتي فصلها بذكاء وحنكة الروائي.
وقالت الناقدة د. رشا صالح: إن الانطباع الأول الذي بادرها بعد قراءة الرواية تساؤل حول الحقيقة والظل، أين الحقيقة وأين الظل في الرواية؟ أيهما الذي يمكن الإمساك به .. المتن أم الهامش؟ ذات يوم قال شوبنهاور إن كل حقيقة تمر بثلاث مراحل، أولها تكون مثار سخرية، الثانية تواجه بمقاومة عنيفة، والثالثة تنتهي بالناس بالإقرار بها لتكون حقيقة واقعة، هذا الوصف هو تطور عرض الحقائق. المؤرخ يرى أن الحقيقة مقدسة والخيال يمكن انتهاكه بكل الصور، أم الروائي فهو يعتقد بأن الخيال مقدس وأن الحقيقة يمكن تلوينها. 
وأضافت: الرواية لا تعد رديفا للتاريخ، ولكنها بحث دائم في عناصر وحفريات التاريخ وفي حقبه الغائمة، هذا البحث هو تاريخ في حد ذاته، والروائي صبحي موسى ينقب دائما في التاريخ، بل إن التاريخ عنده هاجس أساسي، حتى لينصهر التاريخ والخيال معا في كل رواياته، إلى جانب من الفانتازيا ـ المعجزات والخوارق ـ التي أحيانا يعود إليها وأحيانا يخلق منها الحل، كأن يتجلى المسيح ويسمع كلب السماء الذي يقوم بدور التحذير أو التحريض على فعل شيء. وظهور قديس مات منذ زمن ليعطي أنطونيوس صليبا أو ظهور اللبؤة التي كانت مع الملاح حين بنى الدير مع أشبالها الأربعة وتنقذه من القتل.
وأوضحت د. رشا صالح أن السؤال الذي تثيره "صلاة خاصة": هل التاريخ الذي تبنيه هو الأصل الذي تنبي عليه الرواية أم أنه سبب أم تعله أمسك بها المؤلف ليضفي عليها صبغة أو صورة إقناع، على مستويي التقنيات والخطاب. إن الرواية تشتغل على ثلاث حقب زمنية أساسية، وقصصها متوازية ومتشظية ومتشعبة في ذات الوقت على هيئة فصول وحقب تاريخية وأزمنة وأمكنة، وأخيرا مشاهد كل مشهد ينتهي إلى نوع من التشويق حيث يطالعنا في المشهد التالي بقصة جديدة أو باستكمال لقصة سابقة، فالكاتب يجعل المتلقي في حالة مربكة.  

رواية مصرية
الصراع على المعنى

ولفتت صالح إلى أن الروائي رسم الخط الأساسي الذي ينطلق من دير الملاح من خلال ثلاث شخصيات تعيش في عام 2016 أولها أنطونيوس الذي كان طالبا جامعيا يعود ذات يوم إلى بيته فيجد المتطرفين الإسلاميين يطلبون الجزية من بيوت المسحيين في القرية، فيحرض على الرفض مؤكدا أن هناك دولة وقانون لكن لحظة الحسم لا ينقذه وأسرته شيء من بين أيدي هؤلاء المتطرفين، فيقرر العيش في الجبل ويعود ليطلق النار على أمير الجماعة المتطرفة ومن هنا يتحول إلى قاتل وقاطع طريق، يلتقيه القديس إيمانويل ويقول له إنك ستقلع عما أنت فيه ويتركه، ومن هنا تبدأ رحلة بحثه عن هذا القديس إلى أن يقوده راهب إلى دير الملاح، رحلة البحث هذه التي تستمر أكثر من عامين كانت رحلة بحث عن الذات، بحث عن الله، وفي الدير يسند له أكثر من عمل ينتهي به إلى المكتبة، وفي يوم من الأيام يستدعى للتحقيق مع المحققة دميانة كونه طبع كتاب عن الهراطقة "رسائل أوريجانيوس".
الشخصية الثانية المحققة دميانة، وهي ابنة محامي ومثقف يساري مسيحي وكان له دور نضالي، تقع في غرام أنطونيوس من النظرة الأولى وهو كذلك، فيما يبدأ في الدير صراع يتكشف شيئا فشيئا، لنتأكد أن فكرة التطرف في الرأي موجودة في كل الأزمنة وكل العصور وتأخذ أشكالا متنوعة. يحاولون في الدير قتلها لأنها تكتشف أشياء لا ينبغي أن تكتشفها لتبدأ رحلة صعبة تتعرض فيها لمخاطر الموت حتى لتصاب بحالة أشبه بالجنون.
الشخصية الثالثة ميلاد الحارس الذي هو من يقوم بالكتابة طوال الوقت، وهي شخصية وجدت على باب دير الملاح طفلا رضيعا، وتم تبنيه في الدير وتعليمه أمور القراءة والكتابة، يحب دميانة لكن دميانة تحب انطونيوس، وهناك تماهي بين ميلاد والراوي والمؤلف، لكننا في النهاية نكتشف أن الرواية كتبها ميلاد وأرسل بها إلى دميانة وأنطونيوس.
ولفتت صالح إلى خط آخر في الرواية تمثله رسائل أوريجانيوس التي ترصد لما جرى في القرن الثالث المسيحي من اضطهاد نتيجة اختلاف الآراء، وما تعرض له هو شخصيا وكتبه وأفكاره من اختلافات واضطهادات، وتشتبك شخصيته وأفكاره مع الصراع الدائر مع أنطونيوس، لذا نتساءل من الظل ومن الحقيقة؟ هل أوريجانيوس في الرسائل هو الحقيقة، وأنطونيوس الواقع المعاش هو الظل أم العكس؟
تتميز الرواية أيضا بسردياتها المختلفة فمثلا قصة أنطونيوس ودميانة لها سرد متلاحق، يختلف عن سرد رسائل أوريجانيوس الهادئ، أيضا السرد عند أثناسيوس يمثل حلقة وصل سردية بين الاثنين.   
ورأى الناقد د. سمير مندي أن ما هو موجود في الرواية يمثل فكرة الصراع على المعنى أو فكرة الاختلاف بين المعنى ونقيضه، بمعنى أن الرواية تأتي بمجموعة من الثنائيات المتعارضة في أفق السرد مثل الأمة القبطية والأمة الإسلامية، والخير والشر، والإكليرس والديني، والمعرفة اليقينية والمعرفة المتعددة، هناك صراع بين إقرار معنى واحد فردي ومعاني أخرى متميزة، من خلال هذه النقطة بالضبط تلتقي قصة أوريجانيوس وقصة انطونيوس ودميانة، في الواقع الجزء الرابط بين هاتين القصتين هي فكرة الميل نحو تفسير أحادي الوجود أم مجموعة من التفسيرات، لن نجد أي معنى لقصة أوريجانيوس ـ وهي في رأيي مقحمة على الرواية بالكامل وكان من الممكن اختصارها أو حذفها أو دمجها في متن الرواية، لأنها حظيت بترقيم مختلف داخل متن الرواية، نحن لا نستطيع أن نقول إن رسائل أوريجانيوس موجودة في الرواية بشكل يندمج مع بقية فصول الرواية، هناك مناسبة سردية ـ نعم ـ تبدأ في التحقيق مع أنطونيوس لنشره رسائل أوريجانيوس، لكن هذه المناسبة فيما أرى مفتعلة سرديا لجلب مجموعة من الفصول المتتالية حول رسائل أوريجانيوس، لأن هذه الرسائل تحمل ترقيما مختلفا، وثانيا ليس هناك راوٍ يرويها سوى كاتبها نفسه في صيغة اعترافات أو سيرة ذاتية أو غيرية. هذه الرسائل لا تجد معنى لها بخلاف أن أوريجانيوس نفسه هو مقرر فكرة التعدد في المعنى، لذا تأتي هذه القصة في مقابل فكرة التعصب لفكر واحد.
ورأى أن قصة أنطونيوس تمشي في سكة المعجزات بمعنى أن هناك كلبا سماويا يطارد أنطونيوس حتى يحصل على الحقيقة، هناك حقيقة موجودة ليس لاكتشافها ولا البحث عنها ولا لإعادة تأويلها، تنتظر أنكونيوس لكي يصل إليها وسيصل إليها بطبيعة الحال إما بطريق المطاردة أو عن طريق التدبر.