ضبط ايقاع المنطقة على وقع طبول الحرب

طويت صفحة الحرب بيسر وصرنا الآن في صفحة الاعمار التي لن تطوى، ذلك لأن غزة ستكون بعد حين على موعد مع حرب جديدة.
هل ترغب إسرائيل حقا في القضاء على حركة حماس؟
مشكلة سكان غزة انهم لا يملكون القوة القانونية لمساءلة قادة حماس الذين أداروا الحرب عن بعد
لا حاجة لخيال استثنائي بأن حماس وحزب الله يشتركان في موهبة واحدة: شن الحروب لكسب الوقت

ما من مؤشر على أن الحرب التي شهدتها غزة مؤخرا سيتم التعامل مع دروسها ايجابيا من قبل حركة حماس التي هي الطرف الأساس فيها، بالرغم من أن آثار تلك الحرب المدمرة ستظل ماثلة للأبصار زمنا طويلا.

لقد وقعت الحرب وعلى الطرف الإسرائيلي أن يتحمل مسؤولية ما أصاب شعب غزة الأعزل من أضرار فادحة وعليه في الوقت نفسه أن يتعلم دروسا مما حدث. سواء من وحشيته أومن موقف الرأي العام العالمي المناهض لتلك الوحشية وفي المقدمة من كل هذا وذاك عليه أن يتذكر أن صواريخ حماس قادرة على اختراق قبته الحديدة وتكبيده بضعة قتلى مقابل مئات القتلى من الفلسطينيين، ناهيك عن الجرحى والمشردين.

ذلك هو منطق حماس التي تتصرف بتعال على أي نوع من المساءلة أو الشعور بالمسؤولية عن الكارثة الإنسانية التي أصابت سكان غزة الذين هم مشاريع استشهاد جاهزة بالاستعارة من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في وصفه للعراقيين.

مشكلة سكان غزة انهم لا يملكون القوة القانونية التي تؤهلهم لمساءلة قادة حركة حماس الذين أداروا الحرب عن بعد، فهم أي الغزاويون عبارة عن شعب مختطف، رهائن قُدر لهم أن تقع مصائرهم في قبضة جماعة دينية ــ سياسية ليست لها مرجعية وطنية ولا توجد سلطة يمكن أن توقفها عن العبث لتضعها على ميزان الخطأ والصواب. ما تقوله وما تفعله حماس هو الأول والأخير وهو البدء والمنتهى.

إن قررت أن تشن حربا فإنها ليست مجبرة على أن تخبر أحدا وبالأخص على المستوى الوطني الفلسطيني. غير أن من المؤكد في هذه الحالة أنها قد ستتشاور مع دول وأطراف ليست فلسطينية قبل أن تقوم بمغامرتها التي تعرف أن حدود الخسائر فيها معلومة كما أن شعب غزة هو الجهة التي ستخسر الحرب اما هي فستخرج منتصرة لا لشيء إلا لأن قادتها لم يُقتلوا وأنها لا تزال تملك القدرة على استئناف الازعاج متى يُقرر لها ذلك.

اما ما يشيعه الآخرون ممَن تغريهم بطولات العاجز عن المقاومة فما هو إلا كلام فارغ. فإسرائيل يمكن أن تسحق حركة حماس التي صنعت من شعب غزة دروعا بشرية وهو ما يعني وقوع مجزرة لا يمكن أن يتحمل أحد مسؤوليتها. ولكن هل ترغب إسرائيل حقا في القضاء على حركة حماس؟

قبل حماس يمكننا النظر إلى الموقف العالمي مما يجري في المنطقة ولها. لا أحد يريد حقيقة إزاحة الكابوس الإيراني. يتم التفاوض مع إيران من أجل تهذيبها. أن تكون لائقة للحوار. اما مشاريعها التوسعية وسعيها الى الهيمنة على المنطقة وتهديدها للسلام والامن والاستقرار في الدول التي تغذي العالم بالجزء الأكبر من الطاقة فإن ذلك أمر مسكوت عنه.

تتعامل إسرائيل مع حماس بالمنطق نفسه. وحماس المقاومة تعرف ذلك. الطرفان يدركان أن الحرب ضرورية لإيران. إسرائيل وحماس لا تفكران بما يدخل في رصيد الشعب الفلسطيني وما يمكن أن يخسره من جراء تلك الحرب. تحتاج إيران إلى تلك الحرب ليُقال إنها تضغط على الولايات المتحدة من أجل اختصار محادثات فيينا. وعلى العموم فإن حربا في غزة لن تكون مختلفة، مادام الشعب هناك هو مشروع استشهاد جاهز.

وإذا ما كانت مصر قد تدخلت لإنهاء الحرب بالرغم من أن علاقتها ليست طيبة بحماس التي مثلت إحدى واجهات جماعة الاخوان المسلمين المحظورة في مصر فإن ذلك لم يكن جزءا من السيناريو المعد سلفا. كان المخطط يقوم على أن تمعن إسرائيل في عنفها المبالغ فيه غير أن الالحاح المصري هزم حكومة نتنياهو. لذلك وقف اخوانيو عرب إسرائيل ضده وتحالفوا مع خصومه.

ليس من المستبعد أن تكون حركة حماس قد هيأت رجال أعمالها للنهوض بمرحلة الاعمار. لذلك فإنها تطالب في أن يكون لها حصتها من أموال الاعمار. لقد طويت صفحة الحرب بيسر وصرنا الآن في صفحة الاعمار التي لن تطوى، ذلك لأن غزة ستكون بعد حين على موعد مع حرب جديدة.

لسنا في حاجة إلى خيال استثنائي لنحكم أن حماس وحزب الله يشتركان في موهبة واحدة. شن الحروب من أجل سرقة الوقت. لقد عُطل لبنان وهو بلد حيوي منذ أن استولى حزب الله على حكومته إلى أن انتهى إلى ما يشبه الإفلاس. اما غزة فإنها الجزء المعطل لفلسطين كلها. فليس هناك دولة وما من طرف فلسطيني يثق به العالم.

حماس انتصرت فعلا لأنها ضبطت ايقاع المنطقة على طبول حربها.