طي صفحة الحرب في يد حماس

الاحتجاجات التي اندلعت في القطاع ضد حماس ليست وليدة اللحظة.

يتواصل القتال في قطاع غزة بلا هوادة، وتتصاعد وتيرة الاشتباكات يومًا بعد يوم دون أي بوادر لانفراجة تلوح في الأفق. في هذه المعادلة القاسية، يبقى الخاسر الأكبر هو الشعب الفلسطيني الذي يدفع ثمنًا باهظًا للحرب المستعرة، بينما يتعاظم الاستياء الداخلي من حركة حماس التي باتت تُواجَه باحتجاجات شعبية غير مسبوق تطالب بإنسحابها من المشهد السياسي والتنازل عن حكم قطاع غزة.

لقد قلناها مرارًا وتكرارًا، وكتبنا في غير ما موضع، أن عملية "طوفان الأقصى" ورغم أنها شكلت صفعة قوية للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، إلا أنها كانت مغامرة غير محسوبة العواقب عندما ننظر إليها من زاوية الربح والخسارة. لقد راهنت حماس بكل أوراقها، وألقت بثقلها في معركة كانت نتيجتها محسومة سلفًا: دمار شامل لقطاع غزة، وآلاف الشهداء والجرحى، وانهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.

قد يرى البعض في انتقاد خيار "طوفان الأقصى" اصطفافًا مع الاحتلال، لكن الوقائع على الأرض تُثبت أن تداعياته كانت كارثية على الشعب الغزي، بل وتجاوزت حدود القطاع لتشكل ضغطًا هائلًا على مصر، التي كانت تراهن على تهدئة طويلة الأمد قبل السابع من أكتوبر، في مسعى لاحتواء الوضع الإقليمي والوضع الإقتصادي في قطاع غزة وفقا لمعادلة واقعية عنوانها الهدوء مقابل الإعمار.

قبل السابع من أكتوبر، كان الجمود في المشهد السياسي الإسرائيلي ينذر بمواجهة محدودة، لكن حماس اختارت الذهاب إلى تصعيد شامل، متجاهلة أن أزمة القضاء الإسرائيلي كانت تُهدد بإسقاط حكومة نتنياهو من الداخل. ولو كانت قد استثمرت في تلك الأزمة، لربما كان بالإمكان تحقيق صفقة تبادل أسرى شاملة دون الحاجة إلى خوض حرب مدمرة جعلت قطاع غزة مسرحًا لأكبر عملية عسكرية في تاريخه.

حاولت حماس تسويق صورة المنتصر بعد أولى جولات الحرب، لكن الواقع كان يقول شيئًا آخر؛ إذ كان من الطبيعي أن تنهار الهدنة لأن إسرائيل كانت تسعى لاستكمال مخططها العسكري الهادف إلى تحييد قدرات حماس بالكامل، مما جعل فرص التوصل إلى تهدئة دائمة شبه مستحيلة. وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة المريرة واحدة: سكان غزة هم من يدفعون الثمن الأكبر في كل مواجهة، لكن هذه المرة، فاق حجم المعاناة كل تصور.

الاحتجاجات التي اندلعت في القطاع ضد حماس ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لحراك "بدنا نعيش" الذي اندلع سابقًا، وقوبل بالقمع والاعتقالات والتعذيب. لكن هذه الحرب كَسرت حاجز الخوف لدى الغزيين، الذين رفعوا الصوت عاليًا بشعار "حماس برا"، ليعبروا بعفوية عن حقيقة كنا نكتب عنها منذ سنوات. لم يعد الوضع يُحتمل، واستمرار الحرب أو فشل المفاوضات يعني أن فاتورة المعاناة ستتضاعف، حتى وإن توقفت الحرب، فإن حجم الدمار سيجعل غزة غير صالحة للحياة.

إن المشهد اليوم في غزة ليس سوى تتويج لحالة الاحتقان التي ظلت تتراكم على مدى سنوات، بفعل سياسات القمع والفساد، وتغليب الأيديولوجيا على احتياجات الناس المعيشية. لم يعد الأمر مجرد احتجاجات مطلبية، بل بات صرخة شعبية ضد سلطة فرضت نفسها بقوة السلاح، وتعاملت مع القطاع كرهينة لمشروعها السياسي.

اليوم، باتت حماس خارج المعادلة الفلسطينية، وخارج الحسابات السياسية، بعدما تسببت في حرب لم تجلب سوى الكوارث. وإذا كان لدى قياداتها أدنى شعور بالمسؤولية، فعليهم الإسراع في تنفيد صفقة تقطع الطريق على حجج نتنياهو في إستمرار الحرب، ثم الجلوس مع الجانب المصري من أجل تسريع الإنتقال الى "اليوم التالي" لما بعد الحرب والقبول بالترتيبات التي تضع حكم غزة في يد ممثل الفلسطينيين الشرعي وبذلك تتخرجها من حالة العزلة الدولية، غير ذلك فلا وجود لخيارات أخرى تحقن ما تبقى من دماء الغزيين، الذين لم يعودوا قادرين على الصمود وسط هذا الدمار الشامل.