ظاهرة التغريب في المسرح الكويتي تستدعي التأمل

جاسم الغيث يشارك في ملتقى الشارقة للمسرح العربي ببحث عنوانه "تغريب الأبنية التخيليلة في المسرح النسوي العربي.. دراسة في نصوص المسرح الكويتي المعاصر".


الغيث يتوقف عند نصين رأى أن ملامح دراسته بادية جلية فيهما وهما "الذكرى السابعة" للكاتبة فاطمة العمر، و"أصدقاء الغيوم" للكاتبة مريم نصير


انتماء المشاهد الدرامية بأحداثها وشخوصها إلى المدن الكبرى العالمية يندرج تحت مفهوم المدينة الكونية

ظاهرة التغريب الملموسة للنصوص والعروض في المسرح النسوي العربي من قبل مؤلفيها، كانت محور مداخلة الناقد الكويتي د.جاسم الغيث بالجلسة الثانية من ملتقى الشارقة للمسرح العربي في دورته الـ 17 والتي تقام ضمن فهاليات الدورة الخامسة لمهرجان دبا للمسرح الثنائي، وقد عنونها بـ "تغريب الأبنية التخيليلة في المسرح النسوي العربي.. دراسة في نصوص المسرح الكويتي المعاصر" لافتا إلى أنه لا يشير إلى عمليات الاقتباس والإعداد من النصوص الأدبية والدرامية العالمية؛ وإنما يعرض لأسماء وشخوص وأزمنة وأمكنة غربية ضمن جنبات نصوص لمسرح عربي يُقدم لمتلقٍ عربي، أي أن العملية الإبداعية الفنية بشقيها الأساسيين المؤلف والمتلقي عربيان، غير أن الأبنية الفكرية والدرامية التي نسجها الخيال الفني غربية الكلمة والإحساس والأبعاد الاجتماعية.
وقال الغيث في الندوة التي أدارها عبدالله راشد إن هذه الظاهرة تبدو لافتة للنظر وتتطلب التوقف عندها بالدراسة والتحليل في المسرح الخليجي والكويتي على اعتبار أنها جزء من الحركة المسرحية في العالم العربي، فالأمر لا يرتبط بنص أو تجربة وليدة فكرة غير اعتيادية لمؤلفها بل هي نصوص عدة قد تشكل اتجاها فنيا في المسرح العربي، وهذا ما يدفعنا إلى دراسة هذه النصوص.
سعى الغيث إلى التوقف عند نصين رأى أن ملامح دراسته بادية جلية فيهما وهما "الذكرى السابعة" للكاتبة فاطمة العمر، و"أصدقاء الغيوم" للكاتبة مريم نصير، ولفت إلى أن التغريب لا يكمن في صورة مستوحاة من مشاهد المسرح العالمي وأُعدت وعُولجت دراميا لتقدم لمتلقٍ خليجي عربي في المهجر، بل اختارت الكاتبتان بيئتين أوروبيتين "روسيا، وفرنسا" وأبطالا محوريين غربيين من أمثال "القس ماثيو، وجريمي، وصوفيا، وغيرهم". 
وتساءل فما طبيعة هذا الخيال؟ أو ما مدى مشروعيته؟ وهل يمكن أن يضيف بُعدا إبداعيا للتجارب المسرحية القادمة في المسرح الخليجي والعربي؟ وأضاف "بنظرة إلى المسرح الكويتي الخليجي - العربي بأشكاله وطرائقه ومذاهبه الفنية نتلمس مدى تزاحم هذه الاتجاهات المسرحية وتباينها، فمنها اتجاهات تنزع إلى أساليب العرض المسرحي الطليعي الأوروبي ومنها "مندلي، القلعة، ليلة مع ماكبث"، وأخرى تغرس جذورها في الموروث الخليجي تستلهم رموزه وأبعاده الأسطورية كـ "البوشيه، مجاريح، وعمواس وغيرها" تعبر عنها لغات العرض المسرحي بأساليب الحداثة، وما بعد الحداثة/ ما بعد الدراما. 

البحث لا يشير إلى عمليات الاقتباس والإعداد من النصوص الأدبية والدرامية العالمية؛ وإنما يعرض لأسماء وشخوص وأزمنة وأمكنة غربية ضمن جنبات نصوص لمسرح عربي يُقدم لمتلقٍ عربي

وما بين هذين الاتجاهين يتشكل هذا الاتجاه المسرحي التغريبي بامتياز وتتصدر مشاهده الكاتبتان العامر ونصير، اتجاه ينبغي - وفق رأيي - ألا نناصبه العداء من البداية أو التمرد عليه ورفضه وحجبه عن المواسم الثقافية والمهرجات المسرحية أو العروض المسرحية للعامة، فهو اتجاه تنامى عن قصد أو عن غير قصد في أنواع المسارح العربية "الأكاديمي، الشباب، مسرح الطفل"، والأخير حفل بكثير من هذه العروض الغربية بأبنيتها الدرامية والفكرية، لذا فإننا أمام حالة تتطلب التأمل والروية والتحليل العميق في دراسات وأبحاث عدة، لاسيما أن هذه الظاهرة في حقلها الثقافي والمسرحي الخليجي - العربي، تسعى أحيانا إلى "تصور العالم بما ينطوي عليه من كائنات وعلاقات وظواهر، هذه الطريقة تنبني على نوع من الوعي بالتعددية والاختلاف".  
وأوضح الغيث "للوهلة الأولى يتبادر إلى ذهن قارئ هذه النصوص أن مؤلفها غربي المنشأ والثقافة؛ لما لها من شكل فني ومواقف درامية غربية صرفة، غير أننا بالفعل أمام تجربة معرفية تنتمي إلى حقل المثاقفة، أرست مفهوم الإحلال لرموز وبنى عميقة أوروبية غربية بدلا من العربية الإسلامية الشرقية، وهذه الممارسة تضعنا أمام اتجاهين الأول: يرى أن المثقف والمفكر العربي - وكذلك الفنان - في تعاطيه مع الإشكالية الفكرية لمجتمعه العربي عليه أن يقيم رابطاً بين الفكر والواقع، إنها دعوة إلى الاقتراب من المجتمع المحلي وموروثه وواقعه بأصدق صورة.
أما الاتجاه الثاني فالخيال والمتخيل كما يرى الفيلسوف الفرنسي كاستوريادس من أصل الاغتراب مثلما هو من أصل الإبداع داخل التاريخ، ذلك لأن الإبداع يفترض مثلما يفترض الاغتراب القدرة على إعطاء الذات ما ليس قائما، ما ليس معطى داخل الإدراك، ويفتح آفاقا رحبة ومساحات مرنة وألوانا مبتكرة لا تتوافر في بيئة الفنان، ومن حقه أن يستدعيها ويوظفها ليثري تجربته الإبداعية وخيالاته التي تتجاوز حدود الإقليم الجغرافية والثقافية.
ورأى الغيث أن خيال الكاتبتين ترجم التصورات الدرامية في أبنية غربية أوروبية، ففي مسرحية "الذكرى السابعة" تتصور في مشهد الملهى أو الحانة شخصيات "القس، جورج، مارك، لورا، ماريا، إضافة إلى الغجرية وعازف التشيلو"، أما في مسرحية "أصدقاء الغيوم" فالإشارة إلى مكان الأحداث باريس وأبطالها المحوريين وهم منظفو المدافن "فيكتور، إليو، ثيو، صوفيا، بيلا، أوردي، جيرمي ضابط الشرطة، ومسميات أخرى"، وما بلغت أنه كتب على متنها "المسرحية العائلة" فأي عائلة؟ وأي مجتمع؟ وأي متلقٍ تستهدفه المسرحية؟
وأكد أن انتماء المشاهد الدرامية بأحداثها وشخوصها إلى المدن الكبرى العالمية يندرج تحت مفهوم المدينة الكونية مثلا "طوكيو، نيويورك، باريس، لندن"، تلك المدن التي أصبحت مركزا لتنظيم الاقتصاد العالمي الجديد، ومركز القرار العالمي المؤثر في المشهدين السياسي والاقتصادي، وهذا ما يترك المجال لطرح قضايا كونية عالمية ترتبط بالإنسان وتحاكي أبعاده الأسطورية ورموزه التي يسهل التعرف على معانيها وإدراكها، فيتحول المتخيل الإبداعي من السياق المحلي إلى آفاق التجربة العالمية.
وأوضح الغيث "غير أن المختلف في هذه الممارسة هو أن كلا من الكاتب والمتلقي عربيان وينتميان إلى ذات الحاضنة الثقافية والاجتماعية والسياسية، وهذا ما يدعونا إلى تلمس رؤية الكاتبتين للعالم ومواقعهما سواءً من المرأة أو من غيرها وطرق معالجتها في هذا النوع من الاتجاه المسرحي النسوي "ولا شك في أن الكتابة النسوية عن المرأة تختلف وفقا لرؤية المبدع الذكوري "الرجل" أو الأنثوي "المرأة" تجاه تلك الصورة، ورؤيتهما لدور وقضايا المرأة في المجتمع، فالأنثى قد تكون أكثر إحساسا وشعورا وتلامسا لقضاياها، وأكثر جرأة في طرح هموم وقضايا الأسرة" إضافة إلى طرحها قضايا مجتمعها ورؤيتها المشهد العالمي. ففي مسرحية "الذكرى السابعة" تتمحور القضية الجوهرية حول تأبين الإنسان المتحدر من "آدم"، حيث تتصارع "الشخصيات" أشلاؤه وأحشاؤه وأعضاؤه المتناحرة، تتصادم إراداتها وأحيانا أخرى تتآلف وتتمازج بعضها مع بعض في منحنى تصاعدي يكشف لنا رغبات الإنسان وأطماعه ودوافعه في الواقع أو اللاشعور.
وفي مسرحية "أصدقاء الغيوم" تفد الشخصيات إلى المشهد الدرامي من روافد متعددة لا رابط بينها ولا إشارة إلى موطنها وخلفيتها الثقافية والتاريخية، فسواء أتى بعضها من الملجأ، وآخر مهاجر غير شرعي، وشاب فقد أبويه، لكل منهم حكايته ومأساته، ليشكلوا الموقف الدرامي في بيئة غربية "باريس" أرض الفرص السانحة والأحلام. تطرح نصير في مسرحيتها هذه قضية الهجرة والتحول إلى المدن الكبرى، وفي نصها المسرحي كانت باريس هي المقصد، ولكن من جهة قدموا "عربية، أوروبية، شرق أوروبية، شرق أوسطية"، هنا لا تقدم لنا الكاتبة أي إشارة أو دلالة سوى أنهم مهاجرون يعيشون في ظل سلطة تبدو ظالمة ومتعسفة تجاه أبسط حقوقهم. 

إن خيال الكاتبة يبني مدينة غربية معاصرة ذات طابع إثني متعدد الثقافات والطبقات، يتركز الصراع فيه بين السلطة والبرجوازيين من جهة وطبقة المهاجرين الكادحين القادمين إلى هذا العالم؛ ليحصلوا على فرص التعليم والحرية والأمان والعمل، إنها نسبة خيالية تكشف زيف هذا الرمز الذي استدعته المؤلفة في عالمنا المعاصر وتؤكد وجهة النظر التي ترى أن "لا توجد موضوعيا في المجتمعات ذات التركيب الطبقي ثقافة للجميع حتى لو أرادت أو ادعت هذه الثقافة الفكرية، وعدم تساوي الفرص ماديا واجتماعيا في الوصول إليها عن طريق التعليم". 
وأشار الغيث إلى أنه برغم مما يقدمه النصان المسرحيان من بنية درامية تقليدية في أحداثها وعقدها وحلولها النهائية، فإن الرمز يزخر بتعددية المعنى ويحفل بخيال جامح يتجاوز الحدود الإقليمية، ويتجرد نحو الأبعاد الأسطورية الإنسانية بلغة مسرحية مجازية مرموزة في بنيتها العميقة، غير أن اللغة في النص تتماهى مع عناصر النص المسرحي الأخرى كالشخصية والزمان والمكان وإشارات النص الثانوي، لتكتمل الصورة الافتراضية المتخيلة في ذهن المتلقي. ففي مسرحية الذكرى السابعة يبدو المكان في تناقض مع ما يستدعيه خيال الكاتبة وتوظيفه لشخصية القس في الحانة أو الملهى، فهذه الشخصية نمطية كجميع الشخصيات غير أنها ملوثة إلى حد كبير فهي تداهن السلطة وتدعي الإيمان؛ أما الشخصيات الأخرى فهي صورة متناثرة لا تقدمها ولا تربطها دراميا بل انتقاء الكاتبتين. 
وواصل الغيث تحليلات للعملين خالصا إلى أن هذه التجربة المسرحية أو الظاهرة في المسرح الكويتي الخليجي ندرك مدى تأثير التثاقفية وتوغلها مؤخراً في أخيلة أجيال من الكُتَّاب المسرحيين، ونتلمس حالتي الإحلال الثقافي والترميز التغريبي في ظل خيارات الأصالة بموروثه العربي وأبعاده المتسلسلة إلى البنية العميقة في الثقافة الكويتية الخليجية، فالموروث بالنسبة إلى هذه الثقافة متصل متجذر بغرض حضوره في المنتج الإبداعي والتخيل المسرحي الدرامي، ومن العسير فصله عن الهوية الثقافية، عبر رغبة المسرحي المؤلفة/المؤلف في ارتياد عوالم وأخيلة غربية  المصدر بأنسجتها وأبنيتها وأمكنتها وأزمنتها.  
وقال "نحن لا نتحدث عن تجربة عربية متأصلة في الحاضنة الثقافية الأوروبية، كالكاتب اللبناني الأصل جورج شحادة في مسرحيته "مهاجر بريسبان"، أو رؤية عربية لعالم باريس كما هو في رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم؛ إنما حالة من التثاقف الفكري والثقافي انتقاها المؤلف من خلال رموز وعوالم غربية لتكون معادلا موضوعيا لمواقفه الفكرية وبعدا إستاطيقيا لمنتجه المسرحي. 
والحقيقة أننا افتقدنا في هذه النصوص الصوت العربي القادم من أعماق التحولات السياسية والاقتصادية والإقليمية والمناطق الساخنة في العالم. لاسيما أن النصوص تتحدث عن "الثورة، التمرد، المظاهرات، الفساد السياسي والاجتماعي، حقوق المهاجرين والعديد من القضايا التي تنتمي إلى عالمنا العربي واشكالياته الفكرية". ربما لو تم توظيف أبطال يعبرون عن مآسي الإنسان العربي لاسيما في القضايا المطروحة ومنها التهجير والهجرة غير الشرعية ومعاناتهم في المهجر الأوروبي، إضافة إلى الفساد السياسي واختلال موازين العدالة وغيرها، وأعتقد أن أي إشارة تتمثل في أزمنة وأمكنة وشخوص عربية ستقيم علاقة وارتباطا بين دلالات المشهد المسرحي ووعي المتلقي العربي المعاصر.
ورأى الغيث ضرورة الأخذ في الاعتبار الأمور التالية:
ـ تجذير شخصيات البطولة العربية والإسلامية لدى جيل الشباب عبر القصة والرواية والمسرحية.
ـ إنتاج أعمال درامية تلفزيونية وسينمائية تجسد الحضارة العربية والإسلامية وإنجازات علمائها ورموزها عبر التاريخ.
ـ التأكيد على أن تكون اللغة العربية هي لغة الدراما والحرص على تقديمها بشكل يكفل سلامتها اللغوية.
ـ غرس الصفحات المجيدة للشخصيات البطلة العربية في المناهج الدراسية والسعي إلى مسرحتها باعتبارها جزءا من تشكيل وعي المتلقي العربي.
ـ تأكيد هوية المسرح العربي وتحديد مواسم تُعنى بالتواريخ والتراث العربي والإسلامي.