"عبث" دعوة للخلاص من دائرة الذاكرة

عرض فائق الثراء فنيا وجماليا على كافة مستويات عناصر السينوغرافيا والرؤية الإخراجية والرسائل المستهدف وصولها للجمهور.


الإطلالة الأولى على خشبة المسرح كانت في حد ذاتها ملغزة


اللقاء بين شخصيتي العرض لم يكن مفتعلا 

قدم المخرج المغربي إبراهيم روبيعة العرض الثاني من عروض الدورة الخامسة من مهرجان المسرح الثنائي الذي تنظمه إدارة المسرح بدائرة الثقافة في الشارقة، وهو عرض فائق الثراء فنيا وجماليا على كافة مستويات عناصر السينوغرافيا والرؤية الإخراجية والرسائل المستهدف وصولها للجمهور، فالعرض "عبث" الذي قدمته فرقة "بصمات الفن"، وشارك بالتمثيل فيه بوبكر اوملي ومحمد أوراغ، جاء زاخرا بالإشارات والرموز ومن ثم منفتحا في أبعاده الدلالية، حتى ليصعب التأكيد على دلالة بعينها أو رسالة محددة.
الإطلالة الأولى على خشبة المسرح كانت في حد ذاتها ملغزة، حيث الديكور بأعمدته الستة التي تشكل نصف دائرة والعلب الثلاثة القصيرة والعريضة المستطيلة والتي جميعها يلفها الأسود، ثم هذه الظلال في خلفية الخشبة التي رسمت ما يشبه الباب الضخم، وهذه الرمال التي تعوم على أرضية خشبة المسرح وعلى العلب الثلاثة، هذا الفضاء المرسوم بدقة لا ندري إن كان مخلفات كنيسة أو مسجد أو معبدا أثريا مهدما. خاصة وأن الموسيقى التي صاحبت هذه الإطلالة كانت حادة مزجت بين الجنائزية والصوفية التعبدية وحملت جميعها مشاعر ربما قسوة أو خوف أو فزع أو تضرع خلاص حيث تخللها بكاء طفل.
اللقاء بين شخصيتي العرض لم يكن مفتعلا كونه جاء محتضنا من قبل الذاكرة التي شكلت دائرة وهما مركزها ـ أقصد شخصيتي العرض ـ سواء في نصفها الممتلئ ممثلا في خشبة المسرح أو نصفها الآخر ممثلا في المتفرجين المتصلين بهما. الدائرة كلها تعوم على رمال غير مستقرة، لذا تظل تدور ليقتسم نصفيها الوجع، فخشبة المسرح تارة ساكنة متعبدة وتارة متحركة غاضبة منفعلة، وهذا ما يتجلى على النص الآخر للدائرة ـ المتفرجون. ويمكن أن نرى تجلي ذلك بوضوع على أحد الشخصيتين الذي تبدلت حالته من الغضب إلى التعبد والسكينة، ومن التعبد والسكينة إلى الغضب أكثر من مرة، وبشكل عام تصاعد الحوار بشكل طبيعي على الرغم من حدته وقسوته لفظيا وجسديا، وهدوئه وحنانه ومودته تارة أخرى.
ولقد تناص العرض مع أغاني عالمية بالفرنسية والإنجليزية ونصوص مسرحية وسردية عالمية كـ "هاملت" و"عطيل" و"كالايجولا" ونوفيللا "مزرعة الحيوانات" لجورج أوريل، ومن ثم يمكن ملاحظة إمتزاج شخصيتي العرض مع شخصيات هذه الأغاني والنصوص، وهو الامتزاج الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من المكون الثقافي والإنساني لهما ومن ثم من ذاكرتهما الذاتية، وما تقمص شخصيات هاملت وعطيل وخنزير "مزرعة الحيوانات" ليس إلا واجهة لحقيقة ما تحمله شخصية كل منهما. 

Theatrical performances
تناص العرض مع نصوص مسرحية وسردية وأغنيات عالمية 

ملأ الممثلان بوبكر اوملي ومحمد أوراغ بجدارة فضاء الخشبة على اتساعها، وقدما طاقة فنية فريدة من خلال تعبيرات الوجه وحركة الجسد، فعلى الرغم من توزع لغة العرض بين اللغة العربية الفصحي واللغة المغربية الدارجة واللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية ـ في الأغاني تحديدا التي تخللت العرض ـ فإن لغة الجسد شكلت بطلا أساسيا لا يمكن استيعاب العرض دون قراءتها وتحليلها، فقد كانت كاشفة للصراع الداخلي لدى شخصيتي العرض، الصراع الذي يعتمل تارة في الذاكرة التي تربط الشخصيتين منذ أيام الجامعة، باستدعاء الحب والعائلة وأحلام المستقبل. وتارة مع المحيط الآني وما يمثله من شر وعنف واغتيال.
إنها ذاكرة الحرية والحب والعائلة والوطن، تقاتل وتتصارع في مواجهة ذاكرة المحيط الآني، تقاتل وتتصارع من أجل البقاء نقية في وجه الخراب والدمار، وما الرمال التي امتلأت بها أرضية المسرح وديكورها وغبارها الذي تعفرت بها ملابس شخصيتي العرض إلا رمزا للتيه الإنساني في وضعه الآني، وهو رمز هدم متصل ومتواصل، وما تقاتل وتصارع الذاكرة إلا محاولة للافلات وإنقاذ ما تبقى من إنسانية تغرق تحت أنقاض الحرب والعنف والارهاب.
إن التأويلات التي يمكن تقديمها لعرض "عبث" خصبة، فالأزمنة التي يشتغل عليها لا ترتكز فقط على ذاكرة شخصيتيه الذاتية، بل تذهب بعيدا إلى التاريخ عبر شخصيتي شكسبير "عطيل وهملت" وخنزير" مزرعة الحيوانات جورج أوريل التي تستشرف صراع الخير والشر، كما تذهب للآني وما يجري من هدم وقتل للإنسان وقيمه الحضارية والإنسانية سواء بيد النزاعات المسلحة أو يد الإرهاب والعنف أو يد القمع والجوع.