عبدالرحمن بدوي في سيرته: سيرة ذاتية أم ملحمة؟

الفيلسوف الشهير كتب سيرة ذاتية جاءت مرآة لنفسه الغامضة والملتوية لكن أهميتها تكمن في انها شهادة على قرن بأكمله وعلى العالم العربي وعلى العالم برمته وعلى كل المذاهب الفكرية والفلسفية والأدبية والفنية.


صدمة القراء من قسوة بدوي وعنفه اللفظي في سيرته الذاتية


عبدالرحمن بدوي قام بالقاء قنابله الفكرية على قامات العلم والفكر والاعلام والأدب


النقطة الأكثر جدلا في سيرة بدوي موقفه من ثورة يوليو 1952


من عيوب سيرة بدوي رغم أهميتها البالغة حشدها بالاستطراد

ظل عبدالرحمن بدوي على امتداد عقود من الزمن مالئ الدنيا وشاغل الناس بنشاطه الفكري الخصب والسياسي والوظيفي.
 وشاء قبل رحيله عن العالم أن يكتب سيرته الذاتية على غرار صنيع أعلام عصره كالعقاد، طه حسين، توفيق الحكيم، أحمد أمين، زكي نجيب محمود وغيرهم. لكنه أراد كتابة سيرة ذاتية مختلفة  على عادته في الاستقصاء والتحري والاستطراد والتعمق فجاءت سيرته الذاتية مرآة لنفسه الغامضة، ولفكره الحلزوني الملتوي العميق والضبابي  ولعصره برمته.
 سيرة كتبها في جزأين ضخمين، فالجزء الأول في 383 صفحة والجزء الثاني في 382 صفحة من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر في أواخر القرن المنصرم استهلها بهذه العبارة المدوية (بالصدفة أتيت إلى هذا العالم وبالصدفة سأغادر هذا العالم ! ...ولو فتشت تاريخ حياة أي إنسان لوجدت أن نوعا من الصدفة هو الذي تسبب في ميلاده، صدفة في الزواج صدفة الالتقاء بين الحيوان المنوي في الرجل والبويضة في الأنثى ..الخ وواهم إذن من يظن أن ثم ترتيبا أو عناية أو غاية، إنما هي أسباب عارضة يدفع بعضها بعضا فتؤدي إلى إيجاد من يوجد وإعدام من يعدم).

'بالصدفة أتيت إلى هذا العالم وبالصدفة سأغادر هذا العالم'
'بالصدفة أتيت إلى هذا العالم وبالصدفة سأغادر هذا العالم'

عبدالرحمن الذي ولد لأب صارم متدين في قرية "شرباص" عام 1917 في أسرة كثيرة العدد وكان والده من ملاك الأراضي لكنه لم يكن من المتجبرين على عادة الإقطاعيين وكان حريصا على تعليم ابنه وإدخاله مدرسة الحقوق لعله يصبح يوما وزيرا.
 فقد جرت العادة أن أبناء كبار الملاك يتخرجون من كلية الحقوق ويتولون مناصب سياسية رفيعة لكن الفتى بعد تعلمه الابتدائي في "فارسكور" ونيله الثانوية من "السعيدية" اتجه إلى دراسة الفلسفة لما آنس من نفسه الميل إلى الاستقصاء والاستدلال والنفاذ إلى بواطن الأشياء.
 وفي جامعة فؤاد سابقا أحرز على الدكتوراه في الفلسفة عن "مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة" و"الزمان الوجودي" وأشاد به طه حسين كثيرا ووسمه بأول فيلسوف مصري.
 وقد كان تقدير بدوي لطه حسين عظيما فكرا وأسلوبا كما امتدح الشيخ مصطفى عبدالرازق ولالاند من المستشرقين وقد تتلمذ عليه وماسينيون الذي يصفه بالعظيم.
سيرة ذاتية إذا شرع المرء في قراءتها فسيصدم بقسوة بدوي وعنفه اللفظي وتهكمه من أعلام عصره فالعقاد جبل أجرد، وأحمد أمين حقود حسود، وعبدالوهاب عزام إسلامي انتهازي، وزكي نجيب محمود درس عن بعد، وأحمد فؤاد الأهواني  سطحي، ومحمد الطالبي ومحي الدين صابر قدما رسالتين فارغتين لا قيمة لهما لأن السوربون كانت تقبل كل أطروحة وتعطي الشهادة العليا ولأن المشرفين لا يقرأون نصف الرسالة ولأن فرنسا لا يهمها الأمر ما دام الطلبة يعودون للتدريس في أوطانهم وأخيرا التخلص منهم .
 بل لم يسلم من قلمه حتى سعد زغلول والشيخ محمد عبده وشيوخ الأزهر الذين رماهم بالجهل والانتهازية والدسائس والمؤامرات ضد بعضهم وامتدت قسوته إلى رجال السلك الدبلوماسي فكتب أن معظمهم جهلة وانتهازيون وصلوا إلى المناصب بالزلفى والمحسوبية ولا فائدة فيهم، بحكم تجربته كملحق ثقافي في سفارة مصر ببرن السويسرية.
وعلى عادته في السخرية المرة امتد قلمه يعبث بأعلام العالم العربي وأعيانه فالشيخ بيير الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانية عميل فرنسي وعمر فروخ يذكي نار التعصب وفؤاد أفرام البستاني أفعوان خبيث .
هكذا يمضي في النيل من كل كاتب ومفكر وسياسي بثقة وبقاسي اللفظ ونابي الحكم مشبعا رغبة جوانية في الإعلاء من قدر نفسه والحديث عن أناه بإطناب شديد وشعوره بظلم واضطهاد ظل يلاحقه وحسد وغيرة المحيطين به من أساتذة وكتاب ومستشرقين وسياسيين وأنه لم ينل حقه بالتمام.
 وكأنه أراد أن يجعل من سيرته التعويضية هذه ملحمة بدوية على غرار ملحمة عنترة وسيف بن ذي يزن والزير سالم.
ولا يخفي بدوي إعجابه بالفكر الألماني وبالمثالية الألمانية وبالفلاسفة الألمان هيغل، نيتشة، هيدغر وقد خصهم جميعا بمؤلفات رصينة عميقة.
 وقد كان بدوي من كبار متقني اللغة الألمانية كإتقانه الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والإسبانية واللاتينية والفارسية، ومن كل لغة نقل روائع الفكر والأدب، غير أن لألمانيا موقعا خاصا فهذا البلد الذي زاره شابا ورأى فيه هتلر وجها لوجه واستمع إليه في ميونيخ.
 لا يخفي بدوي إعجابه بالألمان وفرحه بانتصارهم وأمله في انتصار دول المحور على الحلفاء لأن الاستعمارين الفرنسي والبريطاني لا سبيل لكسر شوكتهما إلا باندحار قواتهما أمام هتلر وقد كان هذا شعور الملايين من العرب .
ويستمر في إطلاق قنابله الفكرية وفي الإطاحة برؤوس العلم والفكر غير أنه يعرج هذه المرة على القلب والوجدان ومن يعرف بدوي لا يعرفه إلا رجلا يبدو أقرب إلى الغلظة وجفاء الطبع والقسوة والجد والصرامة والانصراف إلى القراءة أو الكتابة أو التحقيق لا شأن له بلواعج الحب وتباريح الغرام ونشوة المدام وفتنة القد والخد، ولكن هذا غير صحيح فبدوي صاحب وجدان يذوب رقة وصبابة، وصاحب نفس متعطشة للحب وللمتعة على الرغم من أنه لم يتزوج أبدا.
 وفي سيرته تجرأ على الحديث عن تجاربه الغرامية ولياليه المتعية في سويسرا وألمانيا وإيطاليا وخص نساء عرفهن بطيب التحية والثناء أن منحنه المتعة والإلهام معا.
وكما كان منتظرا فمن يعرف فكر بدوي ينتظر منه أن يدين الشعر الحر ويعتبره حركة شيوعية وله محاولات شعرية كلها عمودية لا جدة فيها  وامتد مقته إلى الحركات الأدبية والفنية في العالم فنال من سارتر واعتبره ميع الوجودية كما أنه كاتب مسرحي وليس فيلسوفا.
 كما نال من حركات الشعر الحديث في أوروبا وعدها غامضة غير مفهومة ولم يستثن من هجومه الدادية والسريالية واللامعقول والعبثية وغيرها.
وجراءته في مهاجمة الصهيونية ظاهرة ونزعته العربية الإسلامية تقطر من قلمه قطرا على الرغم من محاولة تقديم نفسه كفيلسوف وجودي ومفكر حر باحث متعمق في شؤون الفلسفة قديمها وحديثها.
 وقد عرى ثلاثة من أدباء ومفكري فرنسا ورماهم بالتعاطف مع إسرائيل والصهيونية كيوجين أيونسكو وناتالي ساروت وبدرجة أقل سارتر الذي اتهمه بإبطان التعاطف مع إسرائيل وإظهار التعاطف مع العرب.
 كما عرى النزعات الانفصالية في العالم العربي كالفينيقية والآشورية والبربرية في شمال إفريقيا.
وفي فترة عمله في بنغازي بليبيا تعرض للاعتقال من قبل مخابرات الزعيم وكانت تجربة حزينة وشاقة لأنها تنكر لمجهود الرجل العلمي والفلسفي - وقد حقق كثيرا من نفائس المخطوطات الفلسفية هناك على الرغم من اعتباره الفلسفة الإسلامية مجرد شرح لفلسفة اليونان-  وتدريسه للطلبة وتأطيره لهم كل ذلك لم يثن زبانية النظام عن الزج به في زنزانة الاعتقال لشكوكهم في عداوته لثورة الفاتح وأخيرا إجباره على مغادرة ليبيا وهذا بعد مساع من الرئيس أنور السادات.
تبقى النقطة الأكثر جدلا في سيرة بدوي موقفه من ثورة يوليو 1952 فقد صب جام غضبه وأقذع العبارات على مجلس الثورة وجمال عبدالناصر واصفا إياه بالطاغوت ومخابراته بالزبانية وليس ذلك فقط لتجريد النظام أسرة بدوي من أملاكها بدعوى محاربة الإقطاع والتخلص من آثار العهد الفاسد عهد فاروق بل إن بدوي رحب بالثورة وهذا شأن كل وطني مخلص غيور على شعبه فالفساد قد طم وعم لكن نظام عبدالناصر جنح بعد ذلك إلى تغليب الهاجس الأمني والمخابراتي وأولوية العسكري على السياسي والمثقف وشكل مجلس للمحاسبة فارتكبت مظالم وعملت الوشايات والأحقاد في عزل الناس من مناصبهم من أساتذة ومسئولين ورجال إدارة والزج ببعضهم في السجون والاختطاف والتعذيب والقتل.
 وقامت الدعاية والديماجوجيا والحماسة والانفعالات والخطب الهوجاء مقام الفكر والروية والتخطيط والدهاء السياسي.
 وقام حول عبدالناصر لفيف من الكتاب والمثقفين والمرتزقة والطبالين والمزمرين ومنهم من لم يتوان بدوي عن رميه بالشيوعية والولاء لموسكو مثل غالي شكري ومحمود أمين العالم  دون أن ينسى رجال عبدالناصر صلاح سالم وشمس بدران وغيرهما، من أجل ذلك كانت هزيمة حزيران  منطقية ومنتظرة وعلل كثرة المشيعين لجنازة عبدالناصر بأن الشعب هوايته المشي في الجنازات!
ومن غير شك أن بدوي كان متجاوزا في حكمه على بعض المفكرين وتطاوله عليهم كالعقاد الذي أوعز إلى بعض رفاقه فتعرضوا له ذات يوم وهو عائد إلى بيته فأشبعوه ضربا وركلا وصفعا ووهذا سلوك غير أخلاقي يعاقب عليه القانون وزكي نجيب محمود وعمر فروخ وغيرهم وتوفيق الحكيم صديقه القديم الذي ما سكت عن تجاوزات الثورة بل نبه عبدالناصر إلى التجاوزات في "بنك القلق" وشهد شهادة صادقة في كتابه "عودة الوعي".
ولاشك أن نقده لثورة يوليو فيه تجاوز فقد كان الرجل موتورا ومظلوما ومن حقه بعض السخط وبعض الغضب وكثير من النقد البناء.
ومما يعيب سيرة بدوي على أهميتها البالغة حشدها بالاستطراد والخروج عن الموضوع على طريقة الجاحظ في الاستطراد وهذا لم يكن شأن كتاب السيرة قبله وبعده وتفسير ذلك أن بدوي أراد شهادة على قرن بأكمله وغلبت عليه نزعة الفيلسوف والمفكر المستقصي المحلل والمستدل فجاء في سيرته باستفاضات واستطرادات كانت أعباء على النص وقد كان بإمكانه الاستغناء عنها وهي جداول وأرقام إحصائية ومعطيات جغرافية وتاريخية للبلدان التي زارها وعمل بها وفي مكنة القارئ الاطلاع عليها في مظانها من قواميس وموسوعات خاصة في عصر الأنترنت.
 ومن التعب الذي ألحقه بدوي بقارئ سيرته خلوها من فهارس وعناوين الفصول وغيرها وهكذا يضيع من يبحث عن غرض ما نظرا لأهميتها وينفق جهدا ووقتا أطول.
ومهما يكن فسيرته من الأهمية بمكان إنها شهادة على قرن بأكمله وعلى العالم العربي بتمامه في ركونه وفي يقظته، وفي توثبه وهزائمه، وفي أحزانه وآماله ومنجزاته وشهادة على العالم برمته في حربيه الطاحنتين وفي حربه الثالثة الموسومة بالباردة وعلى كل المذاهب الفكرية والفلسفية والأدبية والفنية وعلى أعلام الفكر الأدب والفن والسياسة.
لقد كتب في بداية سيرته أنه جاء إلى الدنيا بالصدفة وسوف يرحل عنها بالصدفة وحدها فهل كانت الرصاصة التي أطلقها على والده أحد خصومه قبل أن يولد هو بثلاث سنوات فاستقرت خلفه في الجدار بسبب انحناء الوالد لجمع أوراق طائشة وبهذه الحركة نجا !فهل كان ذلك كله صدفة أم تقديرا إلهيا ليولد عبدالرحمن بعد ذلك بثلاث سنوات  ويملأ دنيانا علما وفلسفة وترجمة ونشاطا ؟
لقد كان بدوي ويظل هرما معرفيا وجبلا فكريا ونجما رفيعا إباء وكبرياء واعتزازا بالنفس على الرغم من عيوبه وما أكثرها - كفى بالمر نبلا أن تعد معايبه-  وهو درس لكل مثقف وأكاديمي يتيه عجبا بلقبه وجوائزه وتكريماته الفارغة كما تتيه العروس بجواهرها ولا ينتج شيئا لوطنه غيرالجعجعة التي لا طحين من ورائها.