في متحف نجيب محفوظ

الاديب المصري اللامع جسّد الحداثة الأدبية العربية متنقلا بين الواقعية والفلسفة وترك أثرا عميقا في الرواية العربية، ومساره الإبداعي جمع بين الالتصاق بالبيئة المصرية والانفتاح على الأبعاد الكونية ما توّجه بجائزة نوبل.

في قلب القاهرة الفاطمية، وبين روحانيات مسجد الحسين وجماليات العهد الفاطمي وعمرانه الجميل، وغير بعيد عن الأزهر الشريف، يقع مبنى تكيّة محمد بك أبو الدهب المكون من طابقين، والذي بناه الأمير محمد أبو الدهب عام 1703، والمسجد الملحق به ليفرغ من البناء عام 1774، وهو من المساجد المعلقة، أي بُني مرتفعا عن مستوى الطريق. وقد شُيد هذا البناء خصيصا لاستيعاب الأعداد المتزايدة من طلاب الأزهر الشريف، كما أن المسجد هو رابع مسجد شُيد في العهد العثماني، والتكيّة في التراث العربي الإسلامي تُبذل لخدمة الفقراء وممارسة الطقوس الصوفية، فهي ملجأ الحيارى وملاذ للنفس لنشدان الراحة والصفاء النفسي والسكينة.

يرجع اختيار المبنى لاحتضان متحف نجيب محفوظ الأديب العربي والعالمي (1911/2006)، وصاحب نوبل في الآداب عام 1988، إلى قربه من المنزل الذي ولد به في حي الجمالية، تلك الأماكن التي كتب عنها واستلهم حارتها الشعبية في أقاصيصه ورواياته.

لقد صدر قرار وزاري عام 2006 بإنشاء متحف نجيب محفوظ، لكن الشروع الفعلي في تنفيذ هذا القرار يعود إلى عهد جابر عصفور وزير الثقافة عام 2014، وافتتح فعليا في عهد الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة عام 2019، ونُصب يوسف القعيد، تلميذ نجيب محفوظ وصفيّه، مشرفا عاما على المتحف.

نجيب محفوظ، الذي أخلص لفن السرد وكرّس في أدبه الروائي تفاصيل الحارة الشعبية والصلات الاجتماعية وأحلام الفقراء وانتهازية الإقطاع، كما عكس أدبه تاريخ مصر الحديث وصراعها ضد الاستعمار منذ ثورة 1919 إلى ما بعد ثورة يوليو 1952 وعهد الانفتاح الساداتي.

مرّ أدبه بمراحل؛ فهو في المرحلة الأولى استلهم التاريخ الفرعوني في رواياته مثل "رادوبيس" و"كفاح طيبة" و"عبث الأقدار"، وقد أظهرت هذه الأعمال – التي جعلته مثل والتر سكوت – قدرة على السرد والتخييل وطواعية اللغة التي كرّسها لغة قومية تتعدى البيئة المصرية لتجد قراء في العالم العربي من محيطه إلى خليجه، أي أنه ابتعد عن العامية في الحوار واختار لغة قريبة منها، لكنها فصيحة مفهومة للجميع. ثم دشّن المرحلة الواقعية بأعمال سردية مثل "خان الخليلي" و"بداية ونهاية" و"القاهرة الجديدة" و"زقاق المدق"، وصولا إلى الثلاثية "قصر الشوق" و"بين القصرين" و"السكرية"، ليرصد من خلالها تطور القضية الوطنية وصراع الأجيال منذ ثورة 1919، عبر تقديمه السردي لتفاصيل أسرة مصرية متوسطة هي أسرة السيد أحمد عبد الجواد "سي السيد"، ورصد التطور الاجتماعي والفكري والنفسي لهذه الأسرة وتفاعلها مع الحارة ومع القضية الوطنية، مع تقديم صور واقعية للعادات والتقاليد الاجتماعية في ذلك الوقت. وكانت الثلاثية، مع رواية "أولاد حارتنا"، من الأعمال التي رشحته لجائزة نوبل التي فاز بها بجدارة عام 1988. وفي مرحلة لاحقة اتجه محفوظ إلى الرمز في أعمال كثيرة، لعل أشهرها الرواية الإشكالية "أولاد حارتنا" التي أثارت لغطا وجدلا كبيرا إلى درجة منعها في مصر.

يتكون المبنى من طابقين؛ ففي الطابق الأرضي قاعة للندوات، ومكتبة سمع بصرية، ومكتبة عامة، ومكتبة تضم الأعمال النقدية التي تناولت روايات نجيب محفوظ وقصصه بالنقد والدراسة والتحليل، ومكتبة للطفل.

أما الطابق الثاني، فهو يضم عشر قاعات استُلهمت أسماؤها من أعمال نجيب محفوظ مثل (الحارة، أصداء السيرة، تجليات، نوبل، قبل الرحيل، الرثاء). ففي قاعة أصداء السيرة يرى الزائر بعض المتعلقات الخاصة بالكاتب مثل عدة الحلاقة: الفرشاة، المشط، زجاجة العطر، ماكينة الحلاقة، النظارة الطبية، مبسم السجائر، الغليون الخشبي، الحذاء الأسود، العصا، القبعة، البدلة... وكأن الزائر للمتحف من خلال معاينة هذه المتعلقات الشخصية يرى الكاتب عيانا متجسدا أمامه، تلك المتعلقات التي تكشف عن الجمال والبساطة والتلقائية. وقد كان الكاتب مضرب المثل في الطيبة والتواضع والقرب من الناس والإنسانية، كما كان مضرب المثل في الدقة والصرامة في العمل وتنظيم الوقت وتقسيمه بين الوظيفة والكتابة الأدبية ورعاية الأسرة ولقاء الأصحاب الذين جمعه بهم عهد من الوداد والتصافي، ومنهم توفيق الحكيم وأحمد مظهر الممثل القدير، والروائيان جمال الغيطاني ويوسف القعيد.

في قاعة السينما، يشاهد الزائر عبر ملصقات ملونة وصور عديدة للأفلام المأخوذة عن روايات محفوظ، وهو من أكثر الكتاب الروائيين تعاملا مع السينما ككاتب سيناريو وكروائي حُولت أعماله إلى أفلام مثل "زقاق المدق" و"بداية ونهاية" والثلاثية وغيرها.

تضم قاعة الأوسمة التكريمات والأوسمة والميداليات والجوائز التي حصل عليها محفوظ خلال مسيرته الأدبية الحافلة بالإبداع والعطاء، كجائزة الدولة التقديرية في الأدب، وقلادة النيل أرفع وسام في مصر. ويدلف الزائر بعدها إلى قاعة نوبل ليكون على موعد مع هذه الجائزة العالمية، حيث يمكنه رؤية شهادة نوبل ونسخة طبق الأصل عن الميدالية ونص خطاب محفوظ إلى لجنة نوبل. وقد تعذر عليه السفر إلى ستوكهولم فمثلته ابنتاه فاطمة وأم كلثوم، واكتفى بمتابعة وقائع الحفل على التلفزيون.

تضم قاعة "أحلام الرحيل" المراحل المتقدمة من حياة محفوظ بعد الاعتداء الغادر عليه في أكتوبر 1995 من قبل أحد المتطرفين، الذي لم يقرأ سطرا له، وقد نجم عن هذا الاعتداء مشاكل صحية لازمته في المرحلة المتبقية من عمره حتى رحيله عام 2006. ومن متعلقات هذه المرحلة: جهاز السمع، العدسة المكبرة، وبعض الكراسات التي كان يتدرب عليها في الكتابة.

في قاعة "رثاء" يقف الزائر على بعض نصوص الكاتب المقتطفة من بعض أعماله عن الحياة والموت وفلسفته في الحياة، مثل: (كنت أحلم بمجتمع يقوم على قيم ثابتة أولها الحرية والعدالة الاجتماعية والعلم والقيم السامية المستمدة من جميع الأديان، وخصوصا الدين الإسلامي) – نجيب محفوظ في أحد اللقاءات التلفزيونية. أو قوله: (ما هي الحياة في نظرك؟ هي معركة الروح ضد المادة. والموت ما موقعه في هذه المعركة؟ قلت بثقة: الانتصار النهائي للروح). أو قوله: (إن الداء الحقيقي هو الخوف من الحياة لا من الموت) – من "ثرثرة فوق النيل". أو قوله: (ثمة موت يدركك وأنت حي).

يستحق هذا المعلم الثقافي التاريخي والأدبي والجمالي الزيارة، يتنسم الزائر من خلالها عبق القاهرة الفاطمية وأجواءها الروحية – وقد كان محفوظ كاتبا منشغلا بالروح، وفي أعماله السردية العديدة يحضر الغيب عبر الدراويش والمتصوفة – وأجواء الحارة الشعبية وأزقتها الضيقة، واختلاط ذلك كله بضجيج الباعة والمتجولين وزحمة الأزقة ومرح الصبية. وأكثر من ذلك الاحتكاك بتفاصيل حياة هذا الروائي العظيم السياسية والاجتماعية والأدبية والأسرية، فيضيف رصيدا روحيا وميراثا أدبيا وجماليا لما رسخ في ذهنه من أعماله. كما أن المتحف يقدم إلى زواره من ربوع الدنيا صورة عن مصر في القرن العشرين بإبداعها وعطائها الحضاري وإرثها الثقافي والأدبي عبر هذا المتحف ومعروضاته.

محفوظ، الكاتب الذي نقل الرواية من القطرية الضيقة إلى فضاء العالمية ورحابها الشاسعة، وقد كان تكريمه بجائزة نوبل تقديرا للأدب المصري العربي واللغة العربية. وهو ما يلمسه الزائر من أفواج الزوار من مختلف الثقافات، في تركيز أنظارهم على معروضات المتحف واستفسارهم من المرشدين المرافقين للزوار في تطوافهم بقاعات المتحف لفهم أكبر لأدبه ومواقفه وتفاصيل حياته. كل ذلك يعكس المكانة الكبيرة التي وصل إليها محفوظ في فن السرد العربي وجدارته القومية والعالمية. وهذا المتحف هو تقدير من مصر لابنها البار ومبدعها الكبير وسفيرها الأدبي إلى الإنسانية، وهدية من مصر لزوارها من مختلف الثقافات حتى يتنسموا عطر هذا الكاتب الكبير.