علي الزنايدي .. المدينة والذكرى

الفنان التشكيلي التونسي ظل حوالي خمسين عاما وهو يسائل التلوين والرسم ليقول حالاته وشيئا من أحوال الكائن والناس.


الرسم عند الزنايدي كون حميمي سعى ليختلف به ومنه عن جيله


عظمة الأسئلة التي لا تلوي على غير البوح تجاه الذاكرة والحنين

اللون هذا النشيد في تجلياته الشتى حيث لا مناص من الذات تعانق حلمها منذ طفولاتها الأولى بعد أن تخير سيد علي دربه، هذا الدرب الذي لونته الأنامل والعقل والروح و جواهر الوجدان لتجعل منه دليلا لا يضاهى إلى جنان القلب. تلك الجنان العالية والمعلقة في علو نداءات وأصوات الأم .. يا علي.
يرسم وفي قلبه شيء من حميمية المكان وعطوره ودفء العائلة. كان طفلا وظل على طفولته إلى الآن بعد هذه العقود. حوالي خمسين عاما وهو يسائل التلوين والرسم ليقول حالاته وشيئا من أحوال الكائن والناس والمدينة والذكرى.. وآه من الذكرى الساكنة دواخله. يستعيد شيئا من حالاتنا الدافئة، الرسم عنده كون حميمي سعى ليختلف به ومنه عن جيله، جيل الفنان التشكيلي علي الزنايدي.
ماذا لو تجلت تلك الشذرات المنبثقة من المشهد اليومي والتي هي وحدها المشكلة لهذه التي نسميها الحياة؟ ماذا يفعل الكائن عندئذ، هل يوقد جمر الكلام وهل يلوذ بالصمت وهل يقطف برتقال اللغة، وهل يمضي إلى الصمت يحتفي بالألوان التي تقول ولا تقول. تحاور وتحاول عوالم الأشياء؟ 
هي عظمة الأسئلة التي لا تلوي على غير البوح تجاه الذاكرة والحنين وبما يعزّز من قوة اللحظة في راهنها وشحنتها وتألقها وتوقها ومركزيتها وهامشيتها وجمالها الأخاذ وفعلها الثقافي، بل الحضاري. نعم الألوان تتكلم لتقول، بل تصرخ نشدانا للعين لترى ما به يصير المشهد عنوانا باذخا من عناوين الإبداع والإمتاع في تجليات شتى يلونها السحر والشجن المبثوث بين التفاصيل والأجزاء.
أنتِ .. أيتها الألوان الضاجة بالأصوات مثل ناي قديم. يرافقك الطفل وهو يطاردك مثل فراشات من ذهب الأزمنة. لوحات بالألوان وأخرى بالخطوط والكولاج بخبرة الفنان ليصبح وجها من وجوه اللوحة جماليا. كل ذلك وفق إيقاع فني عرف به علي الزنايدي وراح ضمنه يطور أساليب العمل والبحث والابتكار. والزمن في كل ذلك إطار متحرك ومفتوح. 
نعم..هكذا هو التجوال في بستان الزنايدي الفني لتبرز القيمة والعلامة في تجربة فنان تونسي رأى في اللوحة إطارا حرا وفسيحا لمحاورة الذات والآخرين والعالم. من حي باب الفلة وفي أجواء نهج السبخة بهدوئه وناسه الطيبين وأزقته الشاسعة بالمحبة والشجن، كانت الخطى الأولى حيث الطفل المتوغل في مسارب اللون والعبارة المرسومة على الملامح وفي الوجوه. من صحن الدار العربي ولمعان الجليز والأصوات المنبعثة من السوق حيث الأمتار القليلة الفاصلة عن المدينة العربي. من كل هذا وغيره بزغت فكرة الذهاب الجمالي في التعاطي مع القماشة منذ السبعينيات. هي الرحلة المفتوحة إلى الآن على الفن بما هو المحبة وكذلك الشجن.
إن الفنان يظل يسابق الرياح للقبض على المعاني وكنهها الإنساني والوجداني وألوانها الملائمة في حيز إنساني يتسم بالتعميم والتعويم ونثر الضباب لتقليص البون بين الحالة والآلة. نعم الفنان يمضي ديدنه الكشف ومساءلة العناصر والموجودات نحتا للقيمة وتثبيتا لما نسميه السمو. إنه السمو بما هو ساحر وجميل وفاتن ومهم في حياتنا التي يقف على أرضها المبدعون، الفنانون الذين لا يقنعون بغير النظر تجاه الشمس نشدانا للعلو وللقيمة.
أليست الشمس مهد الكلمات، والكلمات لباسها الألوان والأصوات والحلم. من هذا الباب الذي سميناه الحلم ألج عوالم أحد هؤلاء الفتية المأخوذين بالفن بما هو الحلم الذي تتعدد تيماته، حيث البساطة التي تصول وتجول في الدروب، الشوارع والأحياء والمدن، والبساطة هي أصعب أعمال الفنان.

fine arts
الزمن إطار متحرك ومفتوح

الفتى هو الفنان الكبير علي الزنايدي الذي اتخذ لفنه نهجا مخصوصا ضمن تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود تميزت بدأبها الجمالي وجديتها من حيث العمل على رصد الجميل في الحياة التونسية، المدينة وعناصر حيويتها وحركتها المفتوحة على شتى العناوين والألوان. هناك حميمية فارقة تطبع أعمال الزنايدي منها الحكاية المبثوثة في العمل التشكيلي بما بجعله يتجاوز القماشة إلى فضاءات أخرى منها الذات المتقبلة وما تزخر به من كيانات وأحاسيس الأمر الذي يحدث ذلك التفاعل الوجداني والجمالي ليصير ضربا من الثقافة البصرية المتشبثة بالأصيل والحديث لتجعل منهما جناحين للشخصية التونسية الآن وهنا.
هذا الأمر يرافق أعمال الفنان التشكيلي علي الزنايدي في مختلف معارضه السابقة والحديثة سواء في تونس أو خارجها. وهذا ما نلمسه في لوحاته. مسحة من التجديد وعناوين شتى وتقنيات مختلفة كانت في اللوحات لتعبر عن هذا النسق الجمالي المتجدد عند الزنايدي، وهو ينظر تجاه العناصر المختلفة يحاولها ويحاورها ضمن القول بالتعاطي الثقافي والفكري والوجداني معها.
الفنان علي يسعى لتقديم أعمال ضمن عنوان المشهدية في أشكالها المختلفة لنشاهد على اللوحات حالات من الحكايات فيها البانوراما وفيها المواضيع المحددة ولكنها تحتفي بذاتها بعيدا عن الاجترار حيث الألوان الدالة على الأعماق العربية الإسلامية والعلامات التونسية المستلهمة في الحياة الومية. حياة تنبض حركة، وتدرج في الموضوع للوصول إلى بانورامية الحالة. هناك عشق مبثوث في تفاصيل الأعمال، هو عشق البيئة الغنية والمتنوعة، الغنية بثقافتها والمتنوعة في ممكنات التأويل.
إن الفنان علي الزنايدي يستبطن جيدا جغرافيا المدينة ودلالات ألوانها وعطورها من حكايات وذاكرة  ومناسبات وعلامات وتقاليد. إن أسلوبه اتخذ خطه الخاص به حيث المفردة التشكيلية لا تلوي على غير القول بالعمق المرادف للبساطة وفق عنوان عام هو حميمية الفهم لحظة النظر حيث تنعدم حالة الانبهار تجاه الفنان والإنسان. إنها فقط لحظة إرضاء الذات التي يحتشد فيها ذاك التراكم الثقافي والوجداني والشعبي بمعناه العميق. وهنا تشتغل قدرات الزنايدي لتواصل سيرها نحو الآفاق الرحبة التي يمنحها الفن. لوحات بالألوان وأخرى بالخطوط والكولاج بخبرة الفنان ليصبح وجها من وجوه اللوحة جماليا. كل ذلك وفق إيقاع فني عرف به علي الزنايدي وراح ضمنه يطور أساليب العمل والبحث والابتكار. والزمن في كل ذلك إطار متحرك ومفتوح. 
علي الزنايدي الفنان، يعيش بيننا تلوينا ولا يزال يرسم وفي قلبه شيء من حميمية المكان وعطوره ودفء العائلة. كان طفلا وظل على طفولته إلى الآن بعد هذه العقود. حوالي خمسين عاما وهو يسائل التلوين والرسم ليقول حالاته وشيئا من أحوال الكائن والناس والمدينة والذكرى وآه من الذكرى.