عن الصراع الاميرکي ـ الايراني

ترامب يرغب بإنهاء الصراع مع إيران وحسم المسائل العالقة بينهما، بيد إنه، وفي الوقت نفسه، لا يريد أن يتم ذلك وفق النمط والأسلوب الذي كان سائدًا في السابق.

يزداد الصراع الأميركي ـ الإيراني احتدامًا واتجاهه نحو تصعيد حذر، وعلى الرغم من التلميحات المتباينة من الجانبين بخصوص الجلوس على طاولة التفاوض والبحث عن حل لهذا الصراع، فإنه ليس هناك من مؤشرات تؤكد غلبة الرغبة في التفاوض وتهدئة الأمور بين الطرفين على المزيد من التوتر والتشنج.

يرغب ترامب بإنهاء الصراع مع إيران وحسم المسائل العالقة بينهما، بيد إنه، وفي الوقت نفسه، لا يريد أن يتم ذلك وفق النمط والأسلوب الذي كان سائدًا في السابق، وبشكل خاص في الاتفاق النووي للعام 2015، والذي قام بإلغائه خلال دورته الرئاسية الأولى، وإيران التي باتت تعلم ذلك جيدًا، فإنها وفي مواجهتها مع إدارة ترامب تكاد أن تكون كالمستجيرة بالنار من الرمضاء.

لكن ينبغي لنا أن نتساءل: أي من طرفي هذا الصراع يرغب بالتفاوض أكثر من غيره ويريد أن يضع حدًا لهذا الصراع؟ من دون شك فإن ترامب، مع اهتمامه الواضح بإدارة هذا الصراع وحسمه لصالح واشنطن، فإنه ومنذ تسلمه زمام الأمور أعطى الأولوية للحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، وأرجأ الملف الإيراني إلى ما بعد ذلك، غير إنه، وفي الوقت نفسه، وخلال فترة الإرجاء هذه، كان يحرص على تشديد العقوبات وتضييق الخناق على النظام.

من دون شك فإن إرجاء ترامب لحسم الصراع مع إيران كان بسبب أنه لو قد حدث قبل حسم الصراع الروسي ـ الأوكراني، فإنه كان يضطر إلى نوع من التساهل والليونة مع طهران، ومن هنا يبدو على الأغلب أن ترامب وجد أنه من الأفضل الإرجاء كي يتم التعامل وفق منطق الصقور.

مع زيادة المؤشرات على إمكانية إنهاء الحرب الروسية ـ الأوكرانية، وبشكل خاص بعد دخول الرئيس الفرنسي ماكرون على الخط، وتواتر التصريحات الإيجابية من موسكو بخصوص هذا الموضوع، فإن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، والتي أكد فيها أن خلافات واشنطن مع النظام الإيراني تتجاوز ملفات الإرهاب والبرنامج النووي لتشمل بشكل أساسي قمع الشعب الإيراني، مشددًا على أن حرس النظام الإيراني والقيادة الدينية الحاكمة لا يمثلون تطلعات الشعب الذي يمتلك إرثًا ثقافيًا وتاريخيًا عريقًا، تحدد مسارات الموقف الأميركي من النظام الحاكم في إيران، والتي تتميز وبكل وضوح اتجاهها نحو التصعيد.

روبيو، الذي وصف الفجوة بين النظام الإيراني والمجتمع بأنها "الأعمق في العالم"، عندما قال في تصريحاته "لا أعرف أي بلد على وجه الأرض يوجد فيه مثل هذا التباعد بين النظام الذي يدير البلاد والشعب الذي يعيش فيها يوميًا"، وشدد على أن الشعب الإيراني هو وريث حضارة وتاريخ عظيمين، بينما النظام الحالي يمثل "سلطة ملالي متطرفة" استولت على مقدرات البلاد، وهذا التعبير ليس بقريب فحسب بل وحتى متطابق مع ما تردده المعارضة وحتى الشعب الإيراني ضد النظام، وهذا في حد ذاته مؤشر لا يمكن أن يبعث على الراحة والاطمئنان من جانب طهران، بل وحتى إنه يلمح إلى أن الآتي بالنسبة لإيران سوف يكون أسوأ بكثير مما مضى.