عن فرص عودة الحرب إلى لبنان وغزة

رغم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة برفض ضمّ إسرائيل للضفة الغربية، وتشديده على أنه لن يسمح بذلك، فإن الحكومة الأميركية لا تنتقد إجراءات إسرائيل المعلنة أو الضمّ الصامت على الأرض.

من غير المرجّح عودة الحرب في جنوب لبنان وغزة، رغم هشاشة حالة وقف إطلاق النار في المنطقتين. ويبدو أن الولايات المتحدة، التي أرست في الحالتين هدنة أو حالة من وقف إطلاق النار، تسعى إلى تمكين إسرائيل من تحقيق أهدافها من حربها على البلدين، فما لم تستطع إسرائيل تحقيقه في الحرب، تحقّقه في ظل حالة أقل من الحرب، بعيدة عن الاستقرار والهدوء، وتعتمد على استراتيجية الضغط على بيروت وغزة.

لم يعد هناك شك في موقف الولايات المتحدة الداعم بالكامل لإسرائيل، لكن يبدو أنها قررت مساعدتها في تحقيق أهدافها في فلسطين ولبنان، من خلال استراتيجية جديدة تقوم على التواصل والضغط على أنداد إسرائيل، مع السماح لها باشتباكات محدودة معهم.

في لبنان، وهي الساحة التي بدأت الولايات المتحدة بتفعيل استراتيجيتها الجديدة فيها، أرست هدنة في نهاية العام الماضي خرقتها إسرائيل في ساعاتها الأولى، بينما التزم لبنان بتنفيذها. ورغم ذلك، تضغط الولايات المتحدة على الحكومة اللبنانية لتنفيذ شروط تتجاوز بنود الهدنة، وتُعدّ شأناً داخلياً خالصاً يهدد الأمن والسلم الداخلي اللبناني. ولا تكتفي الولايات المتحدة بتبرير خرق إسرائيل لبنود الهدنة، بل تهدد لبنان بإجراءات إسرائيلية أكبر في حال عدم انصياعه لشروطها التي تجاوزت البنود المتفق عليها.

وفي غزة، بينما التزمت حركة حماس بتسليم المحتجزين الأحياء بمجرد سريان الهدنة، وبدأت بالبحث عمّن قُتل منهم تحت أنقاض المباني التي دمّرها القصف الإسرائيلي، وسمحت لأطراف خارجية بالتدخل ومساعدتها في البحث عن القتلى الإسرائيليين، خرقت إسرائيل شروط الهدنة بذريعة واهية، وواصلت القصف والقتل، وتحكّمت في دخول المواد الغذائية والطبية الأساسية. وتهدد الولايات المتحدة حركة حماس بالتدمير إن لم تُسلّم جثث المحتجزين، بينما تواصل إسرائيل احتلال القطاع واستهداف المدنيين والتحكم في دخول المواد الأساسية، في خرق فاضح لبنود تلك الهدنة.

ورغم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة برفض ضمّ إسرائيل للضفة الغربية، وتشديده على أنه لن يسمح بذلك، فإن الحكومة الأميركية لا تنتقد إجراءات إسرائيل المعلنة أو الضمّ الصامت على الأرض، ولا تعتبر الضفة الغربية أرضاً محتلة، ولا تدين عنف المستوطنين المدعوم من حكومة الاحتلال. والجدير بالذكر أن خطة الضمّ كانت مدرجة ضمن صفقة القرن التي قدّمها ترامب في حقبته الرئاسية الأولى. في المقابل، تواصل الإدارة الأميركية الضغط على السلطة الفلسطينية، وتعاقبها مالياً وسياسياً، وتتخذ مواقف حادة من الدول التي اعترفت مؤخراً بالدولة الفلسطينية.

في لبنان، يرى عدد من المتابعين والمحللين أن التصعيد الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة يشير إلى احتمال عودة الحرب مع لبنان، إلا أن مؤشرات أخرى تدل على عكس ذلك. فالتصعيد الإسرائيلي الميداني لم يتوقف منذ بدء سريان الهدنة، وإن تباينت وتيرته، غير أن اشتداده لا يعني بالضرورة نية إسرائيل استئناف حرب واسعة. وتشير المعطيات الميدانية إلى تخفيض عدد جنود الاحتياط على الجبهة الشمالية، وإلغاء أوامر استدعاء سابقة، وبدء عودة المستوطنين اليهود إلى مستوطنات الشمال قرب الحدود اللبنانية.

ويبدو من تصريحات نتنياهو وأركان حكومته، وخبراء عسكريين إسرائيليين، أن إسرائيل تفضّل إخضاع الحكومة اللبنانية للضغط لإجبارها على نزع سلاح حزب الله بالكامل، وعدم الاكتفاء بما نصّت عليه شروط الهدنة الأخيرة. وقد ارتبطت شروط هذه الهدنة المتعلقة بسلاح حزب الله بالقرار الأممي 1701، الذي يشير إلى نزع سلاح الحزب من منطقة جنوب الليطاني، وهو ما التزمت به الحكومة اللبنانية بتفاهم مع حزب الله. غير أن المبعوث الأميركي للشرق الأوسط وضع شرطاً صريحاً على الحكومة اللبنانية يقضي بحظر سلاح الحزب في الأراضي اللبنانية كافة، وهو ما يتطابق مع المطالب الإسرائيلية العلنية، وإلا فستتعرض لبنان لمزيد من الهجمات الإسرائيلية والعقوبات الاقتصادية، في بلد لا يزال يعاني من آثار الحرب.

وتواصل إسرائيل ضغوطها على الدولة اللبنانية بمواصلة خرق الهدنة وشنّ غارات يومية على لبنان، كما تستمر في التواجد في خمسة مواقع جديدة داخل الأراضي اللبنانية احتلتها بعد الحرب، وتعمل على تغيير واقعها الجغرافي، وكأنها ترتّب للبقاء فيها، رغم نصّ الهدنة على ضرورة الانسحاب منها، هذا فضلاً عن احتفاظها بالأراضي التي كانت تحتلها قبل الحرب. كما تستهدف إسرائيل الأراضي الزراعية وتحركات المواطنين في قرى الجنوب، لتعطيل عودتهم إلى الحياة الطبيعية، في مستوى آخر من مستويات الضغط على الحكومة اللبنانية.

ويبدو أن إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، قررت الاكتفاء بما حققته من إنجازات ميدانية في حربها الأخيرة على لبنان، ولا تنوي خوض حرب شاملة تتطلب وجوداً برياً للقضاء على حزب الله، بل تعتمد مع حليفتها الأميركية على استراتيجية الضغط على الحكومة اللبنانية لتحقيق ما لم تحققه في الحرب بالقضاء على سلاح الحزب. وفي النهاية، يُعدّ ذلك شأناً لبنانياً خالصاً، يقرّره الشعب اللبناني والحكومة والأحزاب اللبنانية فقط، وفق مصلحة البلاد، ولا يحق لأي طرف خارجي، مهما كان، أن يستغل أزمة لبنان الاقتصادية والإنسانية بعد الحرب لفرض شروط عليه. أما الاعتداء على أراضي الغير واحتلالها بالقوة، فهو شأن دولي يتطلب من قوى العالم ومنظماته التدخل لإحلال الأمن والاستقرار.

في فلسطين، يبدو الوضع أكثر تعقيداً منه في لبنان. فالهدنة التي رعتها الولايات المتحدة ضمنت لإسرائيل خروج جميع المحتجزين الإسرائيليين الأحياء والبحث عن المفقودين تحت الأنقاض، فيما لا يزال الاحتلال يسيطر على مفاصل غزة، ويواصل القصف والاستهداف وقتل المدنيين، وسط وجود آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ورفضه تسليم مئات الجثث المحتجزة لديه.

ولا يزال الوضع القائم في قطاع غزة شديد الصعوبة؛ فوقف الحرب لا يُنهي الأوضاع المأساوية التي يعانيها سكان القطاع، وقد يتيح استمرار هذا الوضع لجيش الاحتلال تحقيق أهدافه تدريجياً. في المقابل، يعمل الاحتلال وداعموه على نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى في غزة دون أن ينجحوا في ذلك، كما لم تُرتّب خطوات تشكيل لجنة فلسطينية لإدارة القطاع، أو تحديد طبيعة التدخل العربي في هذه العملية. وتبدو جميع تلك القضايا الجوهرية لاستقرار القطاع غامضة وغير واضحة.

وبينما يُطلب من الفلسطينيين في الضفة المنزوعة السلاح "الإصلاح"، ومن غزة المسلحة بشكل بدائي "نزع السلاح"، تواصل الولايات المتحدة الضغط على الفلسطينيين، بينما تترك إسرائيل طليقة اليد في تعطيل الحياة الفلسطينية في مختلف مناحيها.

وتتطابق الاستراتيجية الأميركية في الضغط على اللبنانيين والفلسطينيين معاً، لتمكين إسرائيل من إنجاز ما لم تحققه بالحرب، من خلال هدنٍ واتفاقيات ووقف إطلاق نار وضغوط اقتصادية وتصعيد إسرائيلي متواصل، بالاعتماد على عامل الزمن، في بلدين أنهكتهما الحرب.