غياب السؤال النقدي في فكر طرابيشي

طرابيشي لم يؤسس لممارسته النقدية، في شكل مقدمات لكتبه، بنوع من الإضاءات الفلسفية والابستيمولوجية والنظرية المنهاجية التي تتطلبها مقاربة.


لا ننكر إطلاقا المجهود الفكري والنقدي للمفكر جورج طرابيشي، لكننا كنا نأمل أن تكون له أسئلته الخاصة في تحقيق التمرد المعرفي والابستيمولوجي


تزداد المهمة تعقيدا وصعوبة كلما تعلق الأمر بنقد النقد

لن أكرر كل ما قيل من كلام أو نقد حول كتب طرابيشي في نقد نقد العقل العربي، فالكثير من الكتابات في هذا الشأن متداولة على صفحات النت في المواقع الإلكترونية، وفي الكثير من الكتب الورقية، وهي قراءات لا تتجاوز لغة التأييد المطلق لأحكام طرابيشي، أو الرفض التام لكل ما قاله في حق الجابري. 
وأرى بأن المفكر طرابيشي مسؤول بدرجة كبيرة عن تكريس هذا النوع من القراءات لأعماله، لأنه لم يؤسس لممارسته النقدية، في شكل مقدمات لكتبه، بنوع من الإضاءات الفلسفية والابستيمولوجية والنظرية المنهاجية التي تتطلبها مقاربة، هي إلى حد ما جديدة في الفكر النقدي العربي، خاصة إزاء مشروع نقدي لا يدعي الكمال ولا ينفر من النقد، كما هو جلي وواضح في المحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي لأعمال الجابري، بغض النظر عن تصريحاته في بعض الحوارات.
إن ما يهمني في كل أسئلة طرابيشي النقدية هو حضور أو غياب السؤال النقدي بالمعنى الذي أشرنا اليه أعلاه، ذلك السؤال المنتج للفكر، في تشخيصه وتملكه للواقع الحي، في ترابط تشبيكه المعقد المظاهر والمستويات بين الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي، السؤال المتجاوز لنفسه باستمرار، في اختلافه، وفي المسافات النقدية التي تربطه بالواقع وقضاياه المادية والفكرية الثقافية. وبعبارة بسيطة كيف يمكن تلمس ذلك السؤال المؤزم لنفسه وللفكر الذي ينقده – إن كان حقا حاضرا - في كل ما كتبه طرابيشي في نقد نقد العقل العربي، أم أنه ليس أكثر من معاودة إنتاج لأسئلة إشكاليات الجابري بلغة التماهي الموسع والعميق، والمتلبس بمظاهر الاختلاف النقدي؟
نسجل بداية ملاحظة بسيطة ولكن لها أهمية كبيرة حول ما سنقوله حول كيفية التفكير، وأفق دوافع استراتيجية التفكير النقدي في فكر طرابيشي. هذه الملاحظة مرتبطة بشكل ما بما قاله طرابيشي حول علاقته بياسين الحافظ في كتابه "من النهضة إلى الردة". "فقد كنت وأنا أتتلمذ على ياسين أصبو إلى اليوم الذي أستطيع أن أثبت فيه لنفسي، وللآخرين الذين هم القراء، أنني أمتلك القدرة المعرفية والنظرية للتمرد عليه. ذلك أنني في الوقت الذي كنت أتحرك ضمن شبكة المفاهيم التي أسر تفكيري فيها، كنت أضيق ذرعا – وأنا الذي يغلي في التمرد – بـ "معلميته" التي كانت تتعالى علي كسور منيع. كانت تبدو لي مُعلمية "سادية" مثلها في ذلك مثل كل معلمية أبوية، ولم يكن في طبعي أن أقبع في دور الابن المازوخي". بالإضافة إلى ما قاله عن مسيرة حياته في مقالته المعنونة بـ "ست محطات في حياتي".  

النهضة أو الحداثة أو ما شابه ذلك من أسماء التغيير التي يمكن أن تتم في الواقع الحي ببنى فكرية وآليات ذهنية لا يمكن أن يكون ميدانها الخاص الفكر فقط أو الثقافة عموما

انطلاقا من هذا المعطى على مستوى الفهم والتأويل ونوع المسافة النقدية في قراءة طرابيشي لفكر الجابري يمكن فهم العلاقة النقدية بينهما، أي يمكن فهم الأسئلة النقدية التي ينطلق منها طرابيشي في كل كتاباته، خاصة المتعلقة بحواره النقدي مع الجابري. فلعل في المقدمة الخجول والمحتشمة في جزئه الأول "من نقد نقد العقل العربي، نظرية العقل" ما يوضح مقصدنا من تلك الملاحظة. فهو يعترف، ضمنيا دون أن يستطيع إخفاء ذلك، بتأثره البالغ بما يشبه الأسر والمعلمية، "وبالقوة التي يتبدى عليها خطابه – الجابري - وبالشهرة التي نالها وبإحكام الإشكاليات التي اعتقل فيها العقل والتراث العربيين، قد بات يشكل ما أسماه غاستون باشلار عقبة ابستمولوجية". 
كما اعترف بقول، يشبه الصراحة، عن مدى سطوة فكر الجابري إلى درجة اعتبر عمله النقدي للعقل العربي فكرا يتجاوز التثقيف إلى التغيير، نعم يعترف بما اقترفته يده من ملاحظات تثمينية وانتقادية  حول كتاب الجابري "نقد العقل العربي" ولأصارح بعد ذلك القارئ بقضية شخصية. فلقد كنت، بعد أشهر ثلاثة من صدور تكوين العقل العربي، كتبت في العدد الأول من مجلة "الوحدة" تعليقا مطولا ثمنت فيه الكتاب تثمينا عاليا باعتباره "أطروحة عن العقل وفي سبيل العقل". وعلى الرغم مما أبديته في حينه من انتقادات واعتراضات جزئية، فقد ختمت التعليق بالقول: "إن الذهن بعد مطالعة تكوين العقل العربي لا يبقى كما كان قبلها. فنحن أمام أطروحة تغير، وليس مجرد أطروحة تثقف". أمام هذا اللقاء العنيف والحاسم بين المعرفة والجهل، بين ثقافة الأجوبة و"ثقافة السؤال" ما كان بإمكان طرابيشي أن يكتب إلا مقالا تثمينيا في مجلة "الوحدة"، وهو مقال لا علاقة له بالنقد لا من قريب ولا من بعيد، لأن النقد معرفة ولا يمكن أن يتأسس إلا على المعرفة، وهنا تكمن مسؤولية طرابيشي في تكريس تلك القراءات السطحية لأعماله لأنه لم يقدم في مقدمة كتابه، ولا في الحوارات التي أجريت معه نقدا ذاتيا جذريا يتطلبه سؤال النقد حول ضرورة المعرفة في النقد، ولولا تلك الرغبة في بناء المعرفة النقدية لما رأى النور مجهوده الرائع في مجلداته الخمس إلى جانب ملاحق إضافية صدرت في شكل كتب تكميلية. 
وتزداد المهمة تعقيدا وصعوبة كلما تعلق الأمر بنقد النقد وهذا ما عبر عنه طرابيشي "استغرق مني الإعداد لهذا العمل - على شيء من التقطع – ثماني سنوات. فقد كان علي أن اقرأ لا كل ما كتبه الجابري، ولا كل ما قرأه أو صرح أنه قرأه فحسب، بل كذلك ما لم يصرح أنه قرأه  وما كان يفترض به أنه قرأه". لكن هذا الكلام لا يوضح شيئا لأنه جاء في سياق غامض بشكل مبتسر دون أن يتمكن من وضع عمله في الصورة المناسبة للنقد، ولا ساعد القارئ في إدراك ما تتطلبه القراءة من معاناة ومشقة. لهذا نرى أنه لم يبتعد عن مقاله السابق الذي يعبر عن درجة استمرار اتصاله وارتباطه بفكر الجابري، أي التماهي في القراءة بما يعني الشعور بقوة التحدي، والمُعلمية أمام هذا الأب الجديد، الشيء الذي أيقظ في الأعماق روح التمرد من جديد، حيث لم يكن ممكنا أن يقبل طرابيشي بهذا الأسر، وهو المتمرد في كل محطات حياته الفكرية، لذلك كان عليه بشكل أو بآخر أن يبحث عن ثغرة تسمح له بنوع من الانفصال النقدي، كما فعل مع ياسين الحافظ "والواقع أنه مع إقراري بتفوق ياسين النظري الساحق وبمُعلميته التي لا تضاهى في مداورة المفاهيم وفي تصعيدها إلى مستوى علمي آسر، فقد كان ثمة، في سور العلاقة التي تشدني إليه، ثغرة أستطيع من خلالها أن أختط لنفسي موقعا نقديا... لست أنكر على كل حال أنني اخترعت لنفسي، في مساري الفكري الذي شهد تقلبات لا مراء فيها، آباء رمزيين شتى. ولكن علاقتي المرحلية بكل واحد منهم كانت كعلاقة العربي بصنمه الذي من تمر. فحاجتي إلى التمرد على الأب كانت على الدوام أقوى من حاجتي إلى الانضواء تحت لواء أب حام". "وما كان يمكن للجهل ولا لحظوظ الصدف أن تساعد على التمرد، ناهيك عن قدرتها على أن تكون أرضية لاكتشاف أو تأسيس السؤال النقدي. "لقد شاءت الصدفة أن أقع على الأصل الأجنبي لشاهد كان وظفه الجابري في إسناد أطروحاته فشدهت لما وجدته في روحه وحرفه معا ينطق بعكس ما يقوله الجابري إياه. ومن ثمة اندفعت أتحرى عن شواهد الجابري وأتحقق منها واحدا واحدا. ارتددت نحو "تكوين العقل العربي" أقرأه بعين جديدة وبمحاسبة نقدية صارمة. وعندئذ اكتشفت أن الزيف - ولا أتردد في استعمال هذه الكلمة - يكمن في الإشكاليات نفسها، وليس فقط في تعزيزاتها وحيثياتها من الشواهد". 

Arab thought
مدى سطوة فكر الجابري 

وهذا التصريح الملتبس رغم وجاهته لم يزد الأمر إلا تعتيما عند القارئ، فمسؤولية الممارسة النقدية تستلزم القول بأن النقد معرفة، وأن النقد روح السؤال، وأن المعرفة تبنى ولا تعطى، أي أن النقد يبنى في سيرورة تطور معرفي من البحث العلمي الشاق والصعب. لذلك وجد طرابيشي نفسه أمام مسؤولية جسيمة تطلبت منه مرحلة من عمره. 
"اعترف له مرة أخرى بأن قراءة (تكوين العقل العربي) قد غيرتني فعلا. فلولاه لما كنت عاودت، خلال الثماني سنوات التي تصرمت، بناء ثقافتي الفلسفية والتراثية". وفي هذا السياق نكرر القول بأن السؤال نقص وعوز وفقد، لكن مع العلم بأن الجهل لا يبني السؤال، كما أن ثقافة الأجوبة الصحيحة، والظهور بمظهر الرغبة في الامتلاء، كالعالم المحيط بكل شيء، لا ينتج السؤال النقدي الذي تؤسسه المسافة النقدية لإنتاج الاختلاف وتوليد الفوارق، لا التماهي مع الإشكاليات نفسها من باب تصحيح الزيف ومطاردة الأخطاء. في سياق التثمين والمتابعة الفكرية وصدفة اللقاء بالشاهد الأجنبي، بعيدا عن سيرورة بناء السؤال النقدي الراغب فكريا في وضع أسئلة الجابري موضع سؤال يجعلها تفكك نفسها لتظهر حدودها ومحدوديتها في آن تكون أداة ليس فقط في تكوين سلاح النقد، بل أيضا في نقد السلاح كما كان يقول.
أنجز طرابيشي بحثا موسوعيا عميقا رغبة في إعادة البناء لإشكاليات الجابري "الزائفة والمغلقة" وفق رؤية نقدية مختلفة على حد تعبيره. فهل استطاع بالفعل التمرد مرة أخرى على هذا الأب "المزعوم" أم سقط في فخ معاودة الإنتاج، في إطار تحقيق تراكم معرفي علمي وفق رؤية حديث الكتب عن الكتب، مما حال دون اكتشاف، أو انبثاق السؤال النقدي، وبالتالي تحرره وتحقيق التغيير المتجاوز للتثقيف؟
في كتاب طرابيشي "المثقفون العرب والتراث، التحليل النفسي لعصاب جماعي" جرت محاولة التمرد على الجابري من خلال كتابه "الخطاب العربي المعاصر"، حيث حشره أولا ضمن الخطاب المعصوب الرافض للآخر، أي للحضارة الحديثة، وقد سايرنا طرابيشي بطريقة وصفية، سابقا أثناء تناولنا لسؤال الحداثة، فيما طرحه من أفكار في تحليله النقدي "للخطاب العربي المعاصر" للجابري، وذلك لكي نبين من جانبنا على أن النقد معرفة، وأن السؤال رغم نقصه وعوزه وفراغه فهو بعيد عن الجهل ونقيض له لأنه شتان بين نقص وفراغ السؤال الذي هو "رغبة وتقوى الفكر" وبين الجهل القاتل لروح السؤال: النقد. "الشخص الذي يدخل في حوار من أجل أن يثبت فقط صحة ما يقوله، وليس من أجل بلوغ فكرة ما، يكون أسهل عليه في الحقيقة طرح الأسئلة من الإجابة عنها. فليس ثمة مجازفة في ألا يقدر على الإجابة. فلكي يكون المرء قادرا على طرح السؤال، قمين به أن يعرف، وهذا يعني أن يعرف ما لا يعرفه."
إن كل ما قال طرابيشي عن الممارسة النقدية للجابري في التزييف والتشويه والتحريف... قد مارسها هو نفسه "كتمرد نقدي" في كتابه السابق الذكر "المثقفون العرب والتراث" حيث قال بأن الجابري من دعاة رفض الآخر، أي رفض الحضارة الحديثة. "إن الخطاب العربي المعاصر، من حيث هو خطاب نكوص، يقدم لنا عينات من موقف طفلي يعتبر أنا لآخرين هم فعلا الجحيم، وأن محض وجودهم - وكم بالأولى الاعتراف بهذا الوجود وبضرورته - هو بحد ذاته جرح نرجسي أشد إيلاما من أن يحتمل. فصاحب مشروع "نقد العقل العربي" ما يفتأ يعلن ويكرر الإعلان أن "غياب اللآخر شرط لنهضتنا" وأن "غياب الآخر - هو فعلا شرط في نهضة العرب" وأن "غياب الآخر شرط ضروري - وإن ليس كافيا - لحضور الأنا العربي" وهو يحور مفهوم غرامشي عن "الاستقلال التاريخي" ويزيحه من موقعه في الجدلية الاجتماعية ليوظفه باتجاه القطيعة الحضارية مع الآخر الذي هو بطبيعة الحال "الغرب" من خلال الإعلان من أن "المهمة الأولى والأساسية المطروحة على الساحة العربية الراهنة هي تحقيق الاستقلال التاريخي التام للذات العربية". 

الفكر العربي
محمد عابد الجابري

وعندما يعود القارئ إلى كتاب الجابري "الخطاب العربي المعاصر" سيجد نفسه أمام سؤال مؤرق وحارق يتجاوز السقف الأخلاقي للتزييف والتشويه وسوء التأويل...، لأن السؤال المؤسس للفكر غير معني بهذا العنف اللفظي والرمزي. صحيح بأن الجابري تناول مسألة الآخر كمسكوت عنه في الخطاب النهضوي السلفي والليبرالي، وبين بوضوح هشاشة هذا الخطاب الحالم الوجداني الذي يقصي الآخر كوجود موضوعي بآليات نفسية تقفز على شروط الواقع الحي. لكن ماذا يقصد الجابري بالآخر، وكيف يحدده؟ ولنترك له الكلمة بدون أي توسط تأويلي من طرفنا: 
"عندما يقرر السلفي أن العرب والمسلمين عامة لم ينهضوا إلا بمثل ما نهضوا به بالأمس، مستعيدا قولة الإمام مالك [لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها] فهو يفكر في النهضة داخل مجال خاص، داخل منظومة مغلقة هي تلك التي يقدمها له النموذج الحضاري العربي الإسلامي في القرون الوسطى والتي تشكل إطاره المرجعي الوحيد... إن ما يسكت عنه السلفي - وهذا ما يؤسس خطابه - هو أن حضور النهضة العربية الإسلامية وقيادتها للإنسانية، في الماضي لم يكن ممكنا إلا مع "غياب" الآخر الفرس والروم معا... وبعبارة أخرى أن النهضة القيادية" المنشودة والمؤسسة – بواسطة القياس - على نهضة الماضي غير ممكنة التحقيق، على مستوى الخطاب السلفي إلا بغياب الآخر الذي هو بالنسبة للحاضر الراهن: الغرب".
من هنا يجب أن ننظر إلى ظاهرة التبشير بسقوط الغرب التي تشكل كما رأينا أحد العناصر الأساسية في الخطاب النهضوي العربي الحديث والمعاصر. وحلل الجابري أيضا مفهوم "الآخر" كمسكوت عنه في خطاب الليبرالي. لا يختلف منطق الليبرالي العربي عن منطق السلفي، إذ لا فرق بينهما إلا في نوع الإطار المرجعي الذي يفكر كل منهما داخله. أما طريقة التفكير وأسسه فواحدة. ذلك أن داعية الليبرالية والتقنوية عندما يقرر بإصرار: "لا أستطيع أن أتصور نهضة عصرية لأمة شرقية ما لم تقم على المبادئ الأوروبية للحرية والمساواة والدستور مع النظرة العلمية للكون"، يسكت هو الآخر عن واقع تاريخي أساسي، هو أن هذه المبادئ كانت نتائج لمسلسل نهضوي طويل، وأن أوروبا عندما دخلت في هذا المسلسل النهضوي لم يكن هناك من ينافسها ولا من يقمع تقدمها بأي شكل من أشكال القمع (استعمار.. حماية.. إمبريالية) بل بالعكس، لقد ارتبط تطور ونمو هذا المسلسل بتحولها هي نفسها إلى قوة قامعة... يسكت الخطاب الليبرالي عن هذه الحقيقة التاريخية لأنه يدرك لا شعوريا أنه إن تركها تنضم إلى عناصر خطابه أفسدت عليه دعواه."  

Arab thought
لم يؤسس لممارسته النقدية، في شكل مقدمات لكتبه

وفي نوع من الخلاصة لما سبق يقول الجابري "نستطيع بعد الذي تقدم، أن نصوغ العلاقة الثاوية خلف عناصر الخطاب النهضوي العربي بكل اتجهاته كما يلي: عندما يسقط الغرب ستنعدم القوى الخارجية المعرقلة لنهضتنا، وإذاك سنتولى قيادة البشرية. وواضح أن طرح القضية بهذا الشكل سيجعل من النهضة المنشودة حلما غير قابل للتحقيق نظرا للامعقولية الشرط الموضوعي الذي يفترضه هذا الحلم ويؤسس نفسه عليه، نقصد بذلك "سقوط الغرب" أو "انعدام القوى الخارجية". إن غياب الآخر هو فعلا شرط في نهضة العرب، ولكن لا شيء يبرر معادلة هذا الاخر بـ "سقوط الغرب" ولا ربط "النهضة" بـ "قيادة الانسانية" أو ما أشبه ذلك من الطموحات. 
إن "الآخر" في الواقع العربي الراهن هو مزيج من المعطيات الذاتية والموضوعية تشكل رواسب الماضي وتدخلات الإمبريالية أهم عناصرها. وواضح أن طرح القضية انطلاقا من تحليل موضوعي واقعي علمي - ولا بد من التأكيد على هذه الأوصاف رغم تداخل معانيها - سيحول المشكل الذي يعانيه العرب من مشكل صياغة "حلم مطابق" للنهضة إلى قضية التحرر الوطني والخروج من وضعية التبعية والتخلف. ومن دون شك، فإن هذا الطرح الواقعي - العلمي سيحرر الخطاب النهضوي العربي من مقولاته الفارغة وتأثيرها على الوجدان العربي الراهن ليرتفع إلى المستوى العقلاني الذي يمكنه من التفكير في مشروعه المستقبلي انطلاقا من تحليل الواقع الملموس بدلا من التفكير انطلاقا من سراب الحلم وهواجسه." 
لعل الأمر صار واضحا بما يقصده الجابري بالآخر وهو جزء من الذات والآخر وبالضبط الامبريالية، الشيء الذي يتطلب جرأة الموقف النقدي في إنتاج نوع من التركيب، بعيدا عن الانحدار في الزمان وبناء المتخيل الماضوي، ولا في الهروب إلى الأمام بنوع من التماهي العبودي التبعي للغرب. وليس الجابري وحده من كانت رؤيته للنهضة وفق هذا التصور النظري، فهناك أسماء كثيرة تناولت هذه الأطروحة بشكل أو بآخر. 
ومع ذلك فإن المعجزة تظل هي التركيب لا ترجيح واحد من حديه وهو ما وقع فيه الفكر العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر (عصر النهضة) حتى يومنا هذا. "إن أيا منا لم يضع يده حتى هذه اللحظة على التركيب الحقيقي الذي يخصنا. ولذا قد يصح لنا أن نصف مشاريع النهضة والتحديث التي استلهمت الماضي أو التي أبدت إعجابا مفرطا بالحضارة الغربية بأنها قد اهتدت إلى أحد الحدين فقط دون أن تنجح في حل معادلة التركيب حلا صحيحا."
إزاء مثل هذا الحوار النقدي الذي أراده طرابيشي تمردا على الجابري في شخص التراث، والعكس أيضا صحيح، هل نستطيع القول بأن التمرد الذي تؤسسه أسئلة المسافات النقدية عن المقروء هو ما كان غائبا في قراءة طرابيشي للجابري. وهذا ما جعل في نظرنا كتابات طرابيشي نسخة مزيدة وعميقة، وموسعة ومنقحة للغة ومفاهيم وإشكاليات الجابري: من جدل العقل المكون والمكون إلى العقل المستقيل، مرورا بالكثير من الإشكاليات التي تناولها بعمق علمي معرفي دقيق ورصين. 

الفكر العربي
جورج طرابيشي

كما قلنا نحن لا ننكر إطلاقا المجهود الفكري والنقدي للمفكر جورج طرابيشي، لكننا كنا نأمل أن تكون له أسئلته الخاصة في تحقيق التمرد المعرفي والابستيمولوجي، ولم لا الفلسفي أيضا، قصد تجاوز الخطاب المعصوب عوض تثبيت نفسه هو أيضا على التراث إلى درجة خطيرة في دعوته إلى العودة إلى إسلام القرآن أفقا للنهضة والعلمانية والحداثة. وفي ذلك يكمن ضغط هواجس ايديولوجية بامتياز في صراع رد الفعل الذي خاضه طرابيشي تجاه القروسطية المستحدثة. وما سيد هذه الهواجس الأيديولوجية إلا غياب السؤال النقدي الذي هو في حقيقته النظرية والفكرية الثقافية براكسيسي، أي أن اكتشافه مرتبط بحقل الممارسة الذي هو حقل الواقع الحي السياسي الاجتماعي التاريخي. 
إن النهضة أو الحداثة أو ما شابه ذلك من أسماء التغيير التي يمكن أن تتم في الواقع الحي ببنى فكرية وآليات ذهنية لا يمكن أن يكون ميدانها الخاص الفكر فقط أو الثقافة عموما.