فشل مصري قبل أن يكون فشلا فلسطينيا

ليست هناك حقيقة فلسطينية على الأرض. هناك حركة فتح التي جرها خيال أوسلو إلى الحضيض، وحماس التي تتنقل بين تركيا وإيران حسب ميول الممول القطري من غير أن تشبه فلسطينها فلسطين الشعب المقيم على الأرض أو في الشتات.


مضى زمن طويل وصارت الخصومة هي الأساس


هناك فلسطينان: فلسطين فتح وفلسطين حماس وما من واحدة منهما تشبه الأخرى


إسرائيل تعرف ما تفعل. فليس من مصلحتها وجود نظام سياسي فلسطيني واضح الملامح

من المستغرب فعلا أن تدعو مصر الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حركتا فتح وحماس إلى حوار مصالحة تشرف عليه بعد حرب غزة مباشرة. ليس هناك مؤشر يؤكد حاجة الفلسطينيين أنفسهم إلى تلك المصالحة. ربما كانت مصر ترمي إلى شيء أبعد من المصالحة التي يمكن أن يكون وقوعها أشبه بعدمه، فما يريده الطرفان لا يجعلهما يلتقيان عند نقطة واحدة على الأقل. لقد مضى زمن طويل وصارت الخصومة هي الأساس. 
فشل تلك المفاوضات أمر حتمي ولكن لمَ الاستمرار في تسويق حركتي حماس وفتح وكأنهما كل ما يملك الفلسطينيون من خيارات سياسية لمواجهة التحديات التاريخية التي يعيشها الشعب الفلسطيني وبالأخص شعب الداخل الذي دفع ثمن تسلط وهيمنة واستبداد الحركتين في الضفة وغزة من غير أن يكون هناك مقابل مقنع؟ 
لا حماس حمت أهل غزة من العدوان الإسرائيلي المستمر بل كانت سببا في تحريض الإسرائيليين على ممارسة وحشيتهم، ولا فتح استطاعت أن تقنع شعب الضفة بأنها قادرة على انشاء سلطة فلسطينية قوية، مستقلة في قرارها وقادرة على منع جيش الاحتلال من المس بحريات مواطنيها بل كانت على العكس من ذلك تساهم أمنيا في الانقضاض على تلك الحريات.
انفردت فتح بصفة كبرى الفصائل الوطنية فيما اعتلت حماس عرش الفصائل الإسلامية وفي ذلك تكمن هوة واسعة تفصل بينهما. تلك هي الهوة التي يمكن أن تشكل قبرا للقضية الفلسطينية. فحماس التي تحارب إسرائيل من غير أن تتقدم خطوة واحدة في اتجاه تحرير فلسطين لا يُسعدها أن توصف بأنها حركة نضال وطني فلسطيني، مثلما هو حال الجبهة الشعبية أو الجبهة الديمقراطية أو حركة فتح. اما حركة فتح التي يعترف الجميع بأنها كانت الرائدة في مجال النضال الوطني الفلسطيني وهي التي انتجت زعماء تاريخيين كانوا مثالا للوفاء للقضية الفلسطينية فإنها تكاد تنقرض أو أنها انقرضت منذ زمن بعيد، حتى في وجود زعيمها القائد التاريخي للشعب الفلسطيني موحدا ياسر عرفات.
ما أعنيه هنا أن وجود الحركتين (حماس وفتح) انما يشكل هدرا لوقت الشعب الفلسطيني اضافة إلى الخسائر البشرية التي صارت حماس لا تأبه بها مقابل استمرارها في البقاء اما فتح فإنها تتمنى لو أن إسرائيل محت حماس من المعادلة السياسية الفلسطينية لتعود هي سيدة الموقف في ما تبقى من فلسطين بعد اتفاق أوسلو. غير أن إسرائيل تعرف ما تفعل. فليس من مصلحتها أن يكون هناك نظام سياسي فلسطيني واضح الملامح يفاوضها ويضع شروطه على الطاولة. خسائرها القليلة في حروب خاطفة مع حماس تبعد عنها ورطة مواجهة مفاوض فلسطيني يعرف ما يريد وهو مدعوم من شعبه الذي يقف وراءه.             
أعود إلى مصر التي أدارت حوار الطرشان بين فتح وحماس. 
حين نجحت في إيقاف الحرب ومنع إسرائيل من الاستمرار في مخططها الاجرامي أثبتت مصر أنها استعادت حقا مكانتها الاقليمية. اما حين عرضت نصف مليار دولار لإعمار غزة فإنها تفوقت على كل الداعمين باعتبارها الدولة المعنية أكثر من غيرها بمصير الشعب الفلسطيني. مصر هي الأخت الكبرى لكل الدول العربية. ذلك تحول عظيم تشهده المنطقة. ولكن ما لم تتعامل معه مصر ايجابيا حقيقة أن الشعب الفلسطيني في حاجة إلى تغيير نظامه السياسي بدءا من اعادة النظر بما تبقى من إرث نضالي مزعوم وانتهاء بالانحراف الذي مثلته حركات وأحزاب الإسلام السياسي. 
ليست هناك حقيقة فلسطينية على الأرض. هناك حركة فتح التي جرها خيال أوسلو إلى الحضيض وهناك حركة حماس التي تتنقل بين تركيا وإيران حسب ميول الممول القطري من غير أن تشبه فلسطينها فلسطين الشعب المقيم على الأرض أو في الشتات. هناك فلسطينان. فلسطين فتح وفلسطين حماس وما من واحدة منهما تشبه الأخرى أو تذكر بها وهما لا تمتان بصلة إلى فلسطين التاريخية التي يحلم باستعادتها الفلسطينيون.      
أخطأت مصر حين جمعت بين النقيضين. وقد تكون قد أصابت هدفها في فضح الواقع السياسي الذي استفادت منه إسرائيل في تدعيم عدوانها عالميا. هؤلاء الفلسطينيون ليست لديهم قضية وطنية. إنهم يرغبون في الحرب لإغراض ارهابية. ذلك ما صار العالم مقتنعا به. وهو ما لا يمكن دحضه ما دامت حركة حماس متصدرة المشهد الذي تديره إيران في صراعها مع الولايات المتحدة. ذلك هو أساس فشل كل خطوة تكون حماس جزءا منها.